مقدمة العساس | يبدو أن قرار الإدارة الأميركية باعتبار المستوطنات الإسرائيلية “شرعية” وغير مخالفة للقانون الدولي، والاعتراف قبل عامين بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل”، سيفرض واقعًا جديدًا يتلاشى معه حلم إقامة دولة فلسطينية حتى لو كانت ذات سيادة منقوصة وغير متصلة الأطراف.

هذا المقال يتحدث عن تبعات القرار الأميركي باعتبار مستوطنات الاحتلال في الضفة الغربية شرعية، ويشرح الأبعاد المختلفة لذلك.

إعداد العساس |

إعلان رمزي ومعارضة دولية

بعد تقليص الدعم للسلطة الفلسطينية، ثم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، والاعتراف بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل” ونقل السفارة إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، لم يبق في جعبة إدارة دونالد ترامب سوى بطاقة مهمة واحدة، اختارت التكرم بها في هذا الوقت، وهي إعلان المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة “شرعية” ولا تخالف القانون الدولي بالضرورة.

 ويعتبر إعلان السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية والجولان رمزيًا وعاطفيًا في أغلبه حتى الآن، إذ لن يتغير الوضع القائم بين يوم وليلة، وبالتأكيد لن يتغير القانون الدولي لأن الولايات المتحدة قررت عدم الاعتراف به. كذلك لن يتغير الوضع بهذه السرعة على الصعيد الأميركي الداخلي، وهذا في ظل الحاجة إلى موافقة الكونغرس، على الميزانيات على سبيل المثال، بعيدًا عن الاحتفالات والعواطف التي ترافق تصريحات وزارة الخارجية.

على خلاف المرات السابقة، سارع المجتمع الأوروبي لتوضيح موقفه المعارض للموقف الأميركي، بعد دقائق من التصريح الأميركي، على عكس ما حصل عند إعلان نقل السفارة والتصويت الأخير في الأمم المتحدة على تجديد ولاية “الأونروا”، إذ يمكن الملاحظة أنه رغم التماثل الكامل بين الإدارة في أميركا و”إسرائيل”، وقفت دول شرق ووسط أوروبا وروسيا وآسيا وأفريقيا ضد القرار. (1)

هدية أخرى لنتنياهو

المفاجئ في هذا الإعلان، الذي يناسب تمامًا سياسة ترامب حتى الآن، هو التوقيت، إذ يدعي مقربون من نتنياهو أنهم يعملون على ذلك منذ أشهر، وأن الإعلان جاء بالتنسيق مع المستشار القضائي للحكومة ومجلس الأمن القومي، بينما تشير المصادر إلى أن هذا الإعلان جاء لمساعدة نتنياهو على تشكيل حكومة يمين.

رغم ذلك، لاقى الإعلان استحسانًا إسرائيليًا واعتبر ضوءّا أخضر لتوسيع الاستيطان والمضي قدمًا في مشاريع الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، إلا أن ذلك يُقوض فرص السلام والعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، ومن المحتمل كذلك تأخير إعلان صفقة القرن. (2)

وفي ذات السياق، اعتبرت هيئة تحرير صحيفة هآرتس أنه “في حال كانت هذه هدية، فهي هدية مسمومة، إذ أن الإذن الأميركي للاستيطان في الضفة الغربية لا يساهم في تعزيز أمن ومناعة ومكانة إسرائيل فقط، بل يدفع باتجاه دولة فصل عنصري (أبرتهايد)”.

ويظهر أن إستراتيجية ترامب لحل الصراع هي إبعاد كل المسائل الجوهرية عن طاولة المفاوضات، بدءًا بالقدس واعترافه بها كعاصمة لـ “إسرائيل” ثم قضية اللاجئين من خلال محولات إغلاق “الأونروا”، وتصريح بومبيو الذي جاء لإنهاء قضية الاستيطان ومحو شرط إخلاء المستوطنات. (3)

استغلال سريع للقرار

لم يوفر اليمين الإسرائيلي وقتًا لاستغلال تصريح بومبيو واستثماره لفرض أمر واقع على الأرض وملزم لجميع ساسة وحكومات “إسرائيل”، من خلال تحضير مسودة قانون للمصادقة عليها في جلسة الحكومة التالية أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وعرضها للتصويت بعدها للمصادقة عليها نهائيًا.

بهذا الشأن، قالت عضوة الكنيست عن حزب الليكود، شارِن هاسكيل، إن “رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، منحني الضوء الأخضر لتحضير مسودة قانون يفرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن ومنطقة شمال البحر الميت، ونحن معنيون بتقديمها للتصويت وسنقوم بهذه الخطو بدعم كامل من الليكود ورئيس الحكومة، ونأمل ألا يعرقل حزب أزرق أبيض هذه العملية”.

ودعت هاسكيل إلى دعم هذا القانون “على ضوء إعلان الرئيس ترامب أن الاستيطان غير مخالف للقانون الدولي، وكذلك على ضوء الفرصة التي نملكها مع الإدارة الأميركية، والتي يمكن ألا تتكرر”.

ومن جهتها، قدمت وزيرة القضاء السابقة من حزب “اليمين الجديد”، أييلت شاكيد، مشروع قانون مماثل، ينص على “فرض السيادة على مستوطنة معاليه أدوميم والمستوطنات التابعة للمجلس الإقليمي غوش عتصيون، إفرات وبيتار عيليت، ومن ضمنها المناطق الصناعية والأماكن الأثرية والشوارع وكل مستوطنات غور الأردن والمجلس الإقليمي مغيلوت”.

ومع تقديمها لمشروع القانون، قالت شاكيد إن “هناك فرصة سياسية قد لا تتكرر ومباركة أميركية للمضي قدمًا بمثل هذا القانون، لا مجال للتردد ولا الانتظار، علينا استغلال هذه الفرصة والبدء بفرض سيادتنا على هذه المناطق”. (4)

ترسيخ للرواية الصهيونية

إضافة إلى ذلك، سارعت أصوات أخرى إلى استغلال هذا الإعلان من أجل نشر وترسيخ الرواية الصهيونية كحقيقة تاريخية وتحت عنوان “الحقيقة تخرج للنور” كتبت الصحافية يفعات إرليخ، التي كانت ضمن مرشحي قائمة “البيت اليهودي” وانسحبت فيما بعد، أن “الكذب لا يصمد طويلًا، مصير الحقيقة أن تظهر حتى لو تواصل اجترار الأكاذيب طويلًا، مايك بومبيو أشار إلى الحقيقة في لحظة ستدخل كتب التاريخ”.

وأضافت “للشعب اليهودي حق تاريخي وقانوني ومبدئي في الضفة الغربية، وهذه الحقيقة طُمست مع السنين وفي أروقة المؤسسات الدولية، وبالتالي بدأت تتلاشى حتى في أذهاننا، البروبغندا الفلسطينية نجحت في ترسيخ مصطلح  OPT (المناطق الفلسطينية المحتلة) في العالم، وحتى نحن بدأنا نصدق كذبة أن الضفة منطقة فلسطينية قمنا باحتلالها، مع أنه لم يحدث عبر التاريخ أن قامت دولة فلسطينية ذات سيادة هناك، وتبنت أوروبا هذه النظرية لأنه من السهل إلصاق تهمة الاحتلال بدولة اليهود، دون تأنيب ضمير”.

وقالت إن “الساحة الدولية منافقة ومليئة بالمصالح الضيقة، لكن لا يوجد دولة أخرى تُعامَل بمعايير كإسرائيل، قرار محكمة العدل الأوروبية الأسبوع الماضي بوسم المنتجات الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات كان بداية صفحة جديدة من النفاق، يجب عدم تضليل المستهلك، هذا ما كتبه القضاة في القرار، ليس من الناحية الصحية ولا القانونية ولا المبدئية، بل لأنهم يرون أن من واجبهم إخباره أن هذا المنتج مصنوع في مستوطنات لدولة محتلة ومخالفة للقانون الدولي، في حين أن باقي الدول “المحتلة”، مثل روسيا والمغرب وتركيا، الذين تتعامل معهم أوروبا لا يحظون بمثل هذا القرار”. (5)

معارضة داخلية

لم تلق تصريحات الخارجية الأميركية إجماعًا بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية، إذ اعتبر المعسكر الديمقراطي (حزب ميرتس وإيهود باراك) هذا التصريح خطرًا على “إسرائيل”، وقال زعيمه، نيتسان هوروفيتس: إن هذا الضم “سيجلب ملايين الفلسطينيين لدولة إسرائيل، لن تعود هذه الدولة لا يهودية ولا ديمقراطية”.

وأضاف “هذا أمر خاطئ ومضر، ويمس بالمصلحة الإسرائيلية وبفرص العملية السياسية، سأعارض أي ضم للمستوطنات، وفي حال شكل غانتس حكومة نحن جزء منها وقرر ضم غور الأردن، فسننسحب منها”. (6)

 بينما عقّب زعيم حزب العمل، عامير بيريتس، على التصريحات الأميركية بالقول إن هذه التصريحات “تمنح ملايين الفلسطينيين الحق في طلب المواطنة في إسرائيل والمساواة والحقوق الكاملة، ثمن هذا الصراع تدفعه الأجيال الإسرائيلية المتعاقبة، هذه مشكلة إستراتيجية إسرائيلية وليس أميركية، هنالك حلان لا ثالث لهما، إما دولتين أو دولة واحدة غير صهيونية ولا يهودية”. (7)

المصادر:

(1) هآرتس: https://bit.ly/2rtPhVQ
(2) (إيتمار آيخنير وأورلي أزولاي، يديعوت أحرونوت، عدد 19-11-2019)
(3) هآرتس: https://bit.ly/37ybGSy
(4) معاريف: https://bit.ly/2OIxsKO
(5) (يفعات إرليخ، يديعوت أحرونوت، عدد 19-11-2019)
(6) معاريف: https://bit.ly/33kOLa3
(7) واينت: https://bit.ly/34m37It