مقدّمة العسّاس |

يعتبر مفاعل ديمونة النووي، أو “مدينة الأبحاث النوويّة”، أهم منشأة نووية إسرائيلية، حيث يقع في صحراء النقب وسط أشجار عالية، وتفيد تقارير علمية وصور أقمار اصطناعية بأن مفاعل ديمونة قد دخل في مرحلة الخطر الإستراتيجي بسبب انتهاء عمره الافتراضي.

ماذا يحدث حاليًا في المفاعل؟ وهل هناك خطر استراتيجي يتسبب به؟

هذه المادة تعرض أبرز التحديثات والتحليلات حول مفاعل ديمونة الإسرائيلي، الذي تحيط به حالة كبيرة من الضبابية والغموض.

إعداد العسّاس |

بدأت “إسرائيل” أعمال حفريّات وبناء بهدف التوسيع في المفاعل النوويّ الإسرائيليّ في مدينة ديمونة، بحسب ما نشرت وكالة “إي بي” ووسائل إعلاميّة عديدة، التي نشرت صورًا التقطت بواسطة أقمار صناعيّة.

وبحسب ما ظهر في الصور، فإنّ هذه الحفريّات الواقعة جنوب المفاعل تعادل بمساحتها مساحة ملعب كرة قدم، وعلى عمق عدّة طوابق، كما وتظهر قناة طولها 330 مترًا، وعلى بعد 2 كيلومتر غربًا من الممكن رؤية منصّات خرسانيّة كالمستعملة للنفايات النوويّة.

وفي حديث مع خبراء حول الأمر، افترضوا أنّ البناء الجديد نتيجة لمخاوف من الأشعّة النوويّة الصادرة عن المفاعل. (1)

أين يقع مفاعل ديمونة ؟

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تم إنشاء موقعين للمفاعل النووي في “إسرائيل”، يحاذي الأول وادي الصرار “ناحل سوريك” ضمن المشروع الأمريكي “نوويّ من أجل السلام”، والآخر في ديمونة كجزء من المساعدات الأمنيّة التي قدّمتها فرنسا لـ “إسرائيل” في ذلك الحين.

 وفي الأيام التي سبقت العدوان الثلاثيّ الذي شنّته كلّ من “إسرائيل” وفرنسا وبريطانيا على سيناء، قرّر وزير الأمن الإسرائيلي في ذلك الوقت، شمعون بيرس، أن يشرط مشاركة “إسرائيل” في الحرب مقابل مساعدة فرنسا لها في المجال النوويّ. (2)(3)

لذلك، يعود فضل تقدّم المشروع النوويّ الإسرائيليّ للعلاقة المتينة التي كانت تربط بيرس ورئيس الحكومة الفرنسيّة موريس بورجيس مونوري.

حينها، اتفق الطرفان على توقيع الاتفاقية النوويّة بين الدولتين، وقبل ساعات من توقيعها سقطت حكومة مونوري ومعها فائدة العلاقات التي أنشأها بيرس.

اقرأ أيضًا.. الحجم الحقيقي لمخازن السلاح النوويّ الإسرائيليّ

إلا أن ذلك لم يمنعهما من توقيع الاتفاقية بعد سقوط الحكومة بيوم واحد، إذ قاما، باقتراح من بيريس، بتزييف تاريخ الاتفاقية لوقت سابق كي يسري مفعولها وتلتزم الحكومة الجديدة بها. (2)

في السنين الأولى من بناء “إسرائيل” مفاعلها النوويّ، لم تعترف بحقيقة أنّه مفاعل نوويّ، فقد طلب من العاملين فيه القول بأنهم يعملون في مقر أبحاث في علم الفلزات “ميتالورجيا”، وهو في منطقة صحراويّة كونهم ينقّبون عن فلزات نادرة هناك.

وبقي الأمر كذلك حتى قام السفير الأميركيّ برحلة جويّة ورأى موقع المفاعل وسأل عنه، وتمت الإجابة بأنه “مصنع نسيج”، فتبنّت “إسرائيل” الأمر، وعُرف لدى الجمهور الكبير بأنه مصنع نسيج.

 وبعد مرور ما يقارب الأربعة شهور نُشر في الصفحة الأولى من جريدة نيويورك تايمز أنّ “إسرائيل” تملك مفاعلا نوويّا، ولم يتبقّى أمام رئيس الحكومة، دافيد بن غربيون، خيارًا إلا أن يعترف بأنّ “إسرائيل” تبني مفاعلًا نوويًا، وشدّد أنّه لأهداف بحثيّة فقط، ولم تتوقّف عن بنائه وتطويره. (2)(3)

مفاعل ديمونة ومدينة البحث النووي

أطلقت “إسرائيل” على المفاعل النووي في ديمونة، واسم “مدينة البحث النوويّ”، وأعلنت أنه مقرّ أبحاث نوويّة بُنِي لأهداف بحثيّة لاكتساب العلوم النووية، التي تشغل علماء ومهندسين وتقنيين من أجل تطوير واستعمال بحثهم في أبحاث بمجالات الصناعة والطبّ والزراعة والطاقة. كما أنّها تعتبره في الصف الأوّل بمجال الأبحاث الإسرائيليّة والعالميّة، وفخرًا كبيرًا لمؤسّسيه. (2)(3)

منذ إنشاء المفاعل النووي حتى يومنا هذا، تحافظ “إسرائيل” على ضبابيّتها النوويّة، ولا تصرّح عن الموجود داخل المقرّ النوويّ، سوى أنّه أعدّ من أجل الأبحاث ويستعمل من أجل ذلك أيضًا، ويؤكّد على هذا، المدير العام السابق للمفاعل النووي، أودي نيتسر في مقابلة له مع “جلوبس”.

أكّد نيتسر على المخاطر المرافقة للعمل في مكان كهذا، رغم اتّباعهم لمعايير سلامة عالية جدًا، وعند سؤاله عن إمكانية إنتاج طاقة الكهرباء بواسطة الطاقة النووية أجاب بأنّ “إسرائيل” لا تستطيع فعل ذلك، لأنّها لم توقّع على معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة، الأمر الذي يمنع دول أخرى أن تبيع لها مفاعلات نووية، والذي لا يلزم “إسرائيل” على الكشف عن أجهزتها للوكالة العالميّة للطاقة الذرّيّة.

كما أن الوكالة العالميّة للطاقة الذرّيّة سوف تحدّد احتياطات السلامة والأمان في المفاعل وتعمل لمنع نشر سلاح نوويّ، بالإضافة إلى إلزامها الامتناع عن صنع سلاح نوويّ. (4)

الضبابيّة النوويّة في “إسرائيل”

ولا يمكن الحديث عن الضبابيّة النوويّة في “إسرائيل” وسرّيتها حول استعمالها لمفاعلاتها النوويّة دون التطرّق لجسم “مالماب”، المفوّض الأمني في جهاز الأمن، الذي خلقته “إسرائيل” لمنع التداول بأمور المفاعلات النوويّة فيها للسيطرة على معرفة التفاصيل والمحافظة على السريّة وفرض الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام والضبابيّة لأجل أمن الدولة.

فقد كان هذا الجسم هو الحلّ للمشكلة التي جاء بها العمل النوويّ، التي تتمثّل بالتعارض بين السرّيّة اللازمة وحقّ الجمهور في المعرفة في “دولة ديموقراطيّة”. (5)

ومن نفس مبدأ حقّ الجمهور في المعرفة، لا بدّ من ذكر مردخاي فعنونو، اليهوديّ المغربيّ الذي عمل كتقنيّ في
المفاعل النوويّ في ديمونة منذ سنة 1976 حتى 1985، وعندما استيقظ ووجد نفسه جزءًا من جهاز ناسف وشريكًا
في تحضير كارثة نوويّة، وخاض في أسئلة عديدة، عن حق الجمهور في المعرفة والديمقراطية والمخاطر المحتملة
من صناعة “إسرائيل” لقنابل نوويّة والمخاطر المصاحبة لتجميع النفايات النووية على الأرض وموارد المياه.

 فكان على فعنونو التفكير في طريقة لإخبار الجمهور بدلًا من الإعلام الممنوع من ذلك، إذ أدخل كاميرا إلى مقرّ
المفاعل والتقط صورًا وسافر بها خارج البلاد، ونشرها جميعها مع معلومات حولها في الصحيفة الديموقراطية ذا
سانداي تايمز، ذكر فيها بأن “”إسرائيل تشكّل قوة نووية تعادل قوة فرنسا الصين وبريطانيا، وأثبت من خلال الصور
أن المفاعل يتسع لصنع مئات القنابل وتخزينها، وبالتالي كذب “إسرائيل” حول قوتها النووية الحقيقية.

انتهى الأمر بخطف الموساد لفعنونو، إذ أخفى ذلك بداية، لكنه اعترف لاحقًا باعتقاله والحكم عليه لمدة 18 عامًا. (6)

خطر المفاعل

إلى جانب المخاطر الناجمة عن وجود مفاعل نووي، كحوادث العمل، تعرض سكّان منطقة المفاعل لأشعّة نشطة،
واحتمالية انفجار في المفاعل أو استعمال السلاح؛ وهناك مخاطر بيئية محفوفة بطريقة التخلص من النفايات النووية،
كالمياه التي تستخدم في عملية الانشطار النووي، التي لا تنعدم إلا بعد عشرات آلاف السنين.

ونظرًا لأنّ “إسرائيل” تصنع في مفاعل ديمونة معدن البلوتونيوم (وفقا لمصادر أجنبية) المشعّ والسام، فهناك أيضًا
نفايات إضافية كملابس العمال المعرضين للمواد المشعة، ونفايات الاستعمالات الطبية كحقن المضادات للأشعة”. (7)

كما يشكّل المفاعل خطرًا كبيرًا على سكّان المدينة، التي نشأت بوضع “إسرائيل” 36 عائلة يهوديّة قادمة من شمال
أفريقيا فيها عام 1955، ونشأ المفاعل معها.

ومع مرور الوقت، رأى السكّان الخطر الذي يحيط بحياتهم في المدينة التي أجبروا على السكن بها، دون أخذ موافقتهم
أو حتى اطلاعهم على المخاطر المحتملة.

بالإضافة إلى ذلك، هنالك نسبة عالية للإصابة بالسرطان والموت المبكّر في صفوف العاملين في المصنع من سكان المدينة، ولا تؤخذ من الدولة أي احترازات صحيّة لحماية السكان من خطر الأشعّة، سوى المصادقة، في عام 2004، على منح حبوب “لوجول” للسكّان، التي يتوجب عليهم تناولها في حالة تسرّبات من المفاعل النوويّ لتحميهم من الأشعة النشطة. (8)(9)

الحلّ الوحيد القائم للتخلّص من النفايات هو دفنها في الأرض، الذي بدوره لا يعدّ حلًا فعلًا، لأنه لا يمكن معرفة ما هي الأضرار البيئية الناجمة عن دفن العادمات في الأرض.

 كما أنّه قد يؤدي لحدوث كوارث بيئية جرّاء تسرّب النفايات خارج الأرض، كالهزّات الأرضيّة، لهذا، يتم اختيار المناطق المعدة للنفايات وفقا لذلك وبعد فحص جيولوجيّ، وحتى الآن لا تعترف “مدينة الأبحاث النوويّة” في ديمونة أنّها تلقي بنفاياتها سوى في الأماكن الملاصقة للمفاعل.

ورغم من ما صرّح عنه المركز الجيولوجي بتوجه “المدينة للأبحاث النووية” له لبحث إمكانية دفن النفايات في أراضي أخرى بالنقب، إلا أن الأخيرة نفت ذلك. (7)

المصادر:

(1) “واينت”: https://bit.ly/3uI0vCn
(2) “كان”: http://bit.do/fN9CE
(3) “سوريك”: http://bit.do/fN9CJ
(4) “جلوبس”: http://bit.do/fN9CR
(5) “أرماجيدون”: http://bit.do/fN9Dd
(6) “أرماجيدون”: http://bit.do/fN9Dq
(7) “هآرتس”: http://bit.do/fN9Dv
(8) “واينت”: https://bit.ly/3reklmI
(9) “مكور ريشون”: https://bit.ly/3beVOIJ