مقدمة العساس | نفذت “إسرائيل” عملية اغتيال بهاء أبو العطا، أحد أهم قيادات الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، بالتزامن مع محاولة اغتيال أكرم العجوري، القيادي في الجهاد الإسلامي في دمشق، لتحقيق عدد من الأهداف المختلفة، وذلك بحسب المسؤولين الإسرائيليين وعدد من المحللين السياسيين والعسكريين.

هذه المادة تتحدث عن أهداف الاحتلال الإستراتيجية في اغتيال أبو العطا، وتشرح كيف اعتبرتها “إسرائيل” من أكثر عملياتها نجاحًا منذ سنوات عدة.


 إعداد العساساعتبرت “إسرائيل” أبو العطا أحد “المشاكسين” في قطاع غزة، الذي يدفع إلى خرق التهدئة والتصعيد في ذات الوقت، وسرّبت اسمه أكثر من مرة إلى وسائل الإعلام المختلفة على أنه المسؤول عن إطلاق القذائف في عدد من العمليات الأخرى، على أمل أن تتمكن حماس من إيقافه، إلا أن الأخيرة لم تفعل ذلك كما العديد من المسؤولين في كل الفصائل، لتفضيلهم عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع أبو العطا.

فصل الجهاد الإسلامي عن حماس

خشي إسماعيل هنية ويحيى السنوار من العمل ضده حتى لا يتم اتهامهم بالتعاون مع “إسرائيل”، وكذلك زياد نخالة، الأمين العام للجهاد الإسلامي لم ينجح في مواجهة أبو العطا الذي كان يعمل “بدافع أجندته الشخصية”، وفي أكثر من مرة خالف تعليمات الأمين العام للجهاد وتصرف وفق أهوائه الشخصية.

ويعتبر أبو العطا أحد أكبر معارضي خطوات حماس السياسية والعسكرية، وعمل على تعزيز مكانة الجهاد في القطاع على حساب حماس، من خلال إظهار تنظيمه كالفصيل المقاوم الوحيد، في حين تسعى حماس إلى التهدئة وتحصيل مطالب حياتية واقتصادية بسيطة، كما أنه هاجم “علنًا اتفاق تحويل الأموال من قطر”. (1)

على الجانب الإسرائيلي، وصفه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال المؤتمر الصحافي عقب العملية بأنه قائد عسكري رفيع وكبير “الإرهابيين” الذي اجتهد في السنوات الأخيرة لتنفيذ العديد من العمليات ضد “إسرائيل”.

وقال نتنياهو عن أبو العطا أيضًا إنه: “بادر وخطط ونفذ عمليات كثيرة وأطلق مئات القذائف باتجاه بلدات غلاف غزة، وكان في أوج التخطيط لعمليات أخرى في هذه الأيام، كان قنبلة موقوتة”. (2)

 رغم ذلك، شكّك بعض المحللين في جدوى هذه العملية، لا سيما بعد خسارة الاحتلال لملايين الدولارات بسبب تعليق حياة نصف الدولة بشكل كامل ليومين كاملين، من تل أبيب حتى النقب، من أجل “اغتيال شخص يمكن استبداله بآخر لا نعرف إن كان أفضل منه أم أسوأ”، كما تسائل المحللون هل أخذت “إسرائيل” بالحسبان احتمال دخول حماس في المعركة أم لا؟، من أجل ملاحقة بعض “الهمجيين” من الدرجة الثالثة في قطاع غزة.

وبعد تصريحات زياد نخالة لقناة الميادين حول خوض الجهاد للمعركة وحيدًا، رأت “إسرائيل” أن حماس ملتزمة بالتهدئة وبشروط فك الحصار التي اتفق عليها سابقًا بوساطة مصرية، ما يمكن أن يعرضها لنقد داخلي كبير، خاصة يحيى السنوار والجناح العسكري الذي يقوده، إلا أن المحللين الإسرائيليين يرون أن السنوار بإمكانه التغلب على ذلك وحفاظ على الوضع القائم. (2)

التهدئة والانتخابات الفلسطينية

في حين برزت ادعاءات ترى أن حماس كانت الرابح الأكبر مما حصل، وأن الحرب التي شنتها “إسرائيل” من أجل قتل قائد يمكن استبداله بمن هو أكثر “تطرفًا” منه في الجهاد الإسلامي كان لها ثمنًا باهظًا، سواء على المستوى الداخلي والخارجي، إضافة للمستويين السياسي والاقتصادي.

واتجهت هذه الادعاءات إلى حجة أن جولة القتال الأخيرة قدمت حماس خطوة من تحقيق أهدافها الإستراتيجية والآنية، وهي الحصول على شرعية دولية، وإجراء انتخابات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن الفوز فيها. (4)

من جهة أخرى، رأت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن على المستوى السياسي منح حماس مكافأة اقتصادية على التزامها بالتهدئة وتحقيق انفراجة حياتية ولو بسيطة في قطاع غزة، دون إعطاء إحساس بأن حماس تنسق مع “إسرائيل” حتى لا تفقد شعبيتها وبالتالي سلطتها في القطاع، وأن لا تحصل على شرعية دولية من جهة أخرى، وحتى تتمكن من مواجهة النقد الداخلي بعد التزامها الحياد في الجولة الأخيرة، إضافة إلى ذلك يرى وزير الأمن نفتالي بينيت هذا الاقتراح إيجابيا وتجري دراسته حاليًا للمصادقة عليه.

خلال جولة التصعيد الماضية، حاولت “إسرائيل” إيصال رسالة واضحة إلى حماس أنها لا تسعى إلى التصعيد ولا تريد حربًا خاصة مع الحركة، لذلك قلصت مساحة الصيد ولم تغلق البحر بالكامل كما كانت تفعل سابقًا، وسمحت لعشرات شاحنات الوقود بدخول القطاع عبر معبر كرم أبو سالم من أجل تحسين الحياة اليومية في القطاع، وفور إعلان وقف إطلاق النار، سارع نتنياهو لإعلان توسيع مساحة الصيد وإعادة فتح المعابر كاملة.

إضافة إلى ذلك، شددت الأجهزة الأمنية على ضرورة ضبط النفس ووقف تصريحات المستوى السياسي، لا سيما خلال جولة القتال ضد حماس وقادتها، حتى لا تتدخل وتتحول جولة القتال إلى معركة.

(المترجم: في “إسرائيل” يعتبرون أي مواجهة قصيرة تمتد إلى أيام جولة قتالية ويفرقون بينها وبين المعركة والحرب، بحسب طول المدة وتكلفتها وحجم الخسائر).

وتجلت هذه السياسة في تصريح وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، رافي بيرتس، بعد اجتماع للكابينيت، الذي قال فيه إن “من لم يشارك في القتال ليس هدفًا لنا”، وكذلك بعد تنصل وإدانة عدد من المسؤولين الأمنيين لتصريحات وزيرة الثقافة والرياضة، ميري ريغيف، التي قالت فيها إنه “حال لم توقف حركة حماس الجهاد الإسلامي فيجب محاربتها هي الأخرى”. (5)

كما أنه لا يمكن تجاهل الضغط المصري على الجهاد الإسلامي من أجل الحفاظ على تهدئة طويلة الأمد ووقف إطلاق النار، خاصة أن الجانب المصري كان أحد أكبر المستائين من سياسات وأعمال أبو العطا في قطاع غزة، كونه كان “يخل بجميع الاتفاقيات الوعود التي يقدمها الجهاد للمصريين”، ومنها تعهدات قدمها أبو العطا شخصيًا للحفاظ على التهدئة ووقف إطلاق النار.

قدمت مصر من أجل الحفاظ على التهدئة ووقف إطلاق النار العديد من التنازلات للجهاد وأطلقت سراح العشرات من كوادرها التي اعتقلتهم في السابق بذريعة خروجهم من غزة بهدف الالتحاق بمعسكرات تدريب في لبنان وإيران، ومنهم من كانوا تحت إمرة أبو العطا، وذلك من أجل تهدئة تابعيه الآخرين، الذين كانوا يديرون المعركة مع “إسرائيل”. (9)

رسائل لإيران

اعتبرت “إسرائيل” أبو العطا أحد قيادات الجهاد الإسلامي الذي يملكون علاقات وثيقة مع إيران من خلال قادة الحركة في دمشق، وعلى رأسهم أكرم العجوري، الذي قالت “إسرائيل” إنه يعيش في دمشق تحت الحماية الإيرانية وهو القائد الأعلى للذراع العسكري للجهاد، ما يفسر محاولة اغتياله في دمشق التي باءت بالفشل، بالتزامن مع اغتيال أبو العطا.

ويبدو أن العمليتين حملتا نفس الهدف وهو: إلحاق ضرر هائل بمخططات إيران لتنفيذ أي عملية تضر بأمن “إسرائيل”، أو الانتقام للعمليات الإسرائيلية ضدها في سورية، ورغم تقدير بعض المصادر العسكرية والأمنية في “إسرائيل” أن عمليات الانتقام ستأتي من الحوثيين في اليمن، سواء من البحر الأحمر، أو من خلال إطلاق صواريخ بعيدة المدى، إلا أنها لا تزال تعتبر الجهاد الإسلامي الذراع العسكرية الأخطر لإيران وخط المواجهة الأول معها. (6)

بذات السياق، وكان من المهم لـ “إسرائيل” إيصال رسالة إلى إيران مفادها أنها لا تخشى دخول مواجهة عسكرية من أجل الحفاظ على أمنها، ومنع إيران ذاتها من تنفيذ أي عمليات عسكرية، وهذا في ظل اعتبار “إسرائيل” الدعم الإيراني الكامل للجهاد الإسلامي بمثابة الخطر الإستراتيجي عليها، في ظل إمكانية الجهاد اتخاذ خطوات أكثر تطرفًا من الفصائل الأخرى كحماس وفتح التي تتحمل مسؤوليات السلطة في مختلف المناطق الفلسطينية. (7)

على جهة أخرى، حرصت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على توضيح أمر آخر، وهو أنها تملك معلومات دقيقة عن مخططات طهران والعمليات التي تحاول التخطيط لها ضد “إسرائيل”، كما تضمنت المعلومات إشارة إلى هوية من يقود ويبادر ويخطط، إضافة إلى معلومات استخباراتية وقدرة على الوصول إلى هؤلاء الأشخاص وقتلهم في أي مكان، سواء في غزة أو دمشق.

واعتبرت “إسرائيل” كذلك العمليتين ضربة شخصية لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي كان على علاقة مباشرة بالعجوري وأبو عطا وعمل معهم بشكل مكثف من أجل تنفيذ عمليات ضد “إسرائيل” تنطلق من قطاع غزة. (8)

المصادر:

(1) واللاه: https://bit.ly/37iJl2E
(2) قناة رئيس “الحكومة الإسرائيلية” على يوتيوب: https://bit.ly/2QwkbHI
(3) (شمريت مائير، يديعوت أحرونوت عدد 14/11/2019)
(4) معاريف: https://bit.ly/32YhQbc
(5) هآرتس: https://bit.ly/2OpWJt0
(6) ماكور ريشون: https://bit.ly/2OlYasx
(7) كاكاليست: https://bit.ly/2QrVY5g
(8) ميدا: https://bit.ly/2Qw4D6M