مقدمة العساس | بعدما استخدم دونالد ترامب سياسة العصا في وجه الفلسطينيين مع بداية فترة حكمه بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وقطع مخصصات الأونروا وإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، يبدو أنه يتجه الآن إلى الجزرة من خلال ورشة العمل الاقتصادية في المنامة، كجزء من خطة السلام الأميركية لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. في ظل ذلك: هل تنجح الورشة في التمهيد لحلٍ سياسي؟ وهل الدعم الأميركي الاقتصادي هو الدافع للدخول في مفاوضات جديدة؟

هذا المقال يشرح مدى فاعلية الجانب الاقتصادي في التوصل إلى حلٍ للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ضمن الجهود الأمريكية الساعية إلى ذلك في ورشة المنامة الاقتصادية.

ترجمة العساس | عندما دخل ترامب البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2016، أكد بشكلٍ واضح أن الطريقة المُثلى لتحقيق أهداف الولايات المتحدة وحل الأزمات والنزاعات في الساحة الدولية، يكون باستخدام القوة الاقتصادية، كما أن شعار حملته الانتخابية “Make America great again” اقتصادي يرتكز بالأساس على إقناع لاعبين دوليين بالتعاون مع البيت الأبيض.

ويعتبر ترامب أن القوة الاقتصادية متعددة الأوجه تعتبر الحل المناسب لمعظم المشاكل، سواء أكان الحديث عن قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما أن الحروب التجارية التي يخوضها تظهر استخدامه للجانب الاقتصادي كمكافأة للسلوكيات السياسية التي تتماشى مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2018، انسحبت الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران وأعادت نظام العقوبات القاسي، بهدف منع طهران من تحقيق قدراتها العسكرية والنووية.

أمّا في نهاية أيار/مايو 2019 هدّد بزيادة تدريجية على ضرائب البضائع الواردة من المكسيك، إذا لم يكن هناك ما يمكن تسميته بالفرض المكسيكي الجادّ لمنع الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

بينما في الوقت الحالي، تعتقد الإدارة الأمريكية أن الوقت قد حان لمحاولة الترويج إلى حلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بالطرق الاقتصادية.

في الـ 25 و26 من حزيران/يونيو 2019، ستقام في العاصمة البحرينية المنامة، ورشة اقتصادية عالمية بعنوان من “السلام إلى الازدهار الاقتصادي”، تعرض بها الولايات المتحدة الخطة الاقتصادية لصفقة القرن وحلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كما سيتم عرض الوثيقة ذات الـ 40 صفحة التي نشرتها الإدارة الأمريكية حول الخطة الاقتصادية لصفقة القرن، والتي تم تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء مركزية وهي: تمكين الاقتصاد الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني، ودعم السلطة الفلسطينية.

وتتمثل الرؤية من وراء الخطّة في مضاعفة الناتج المحلي الفلسطيني، وخلق مليون وظيفة، والحدّ من الفقر، وكل ذلك خلال عقدٍ من الزمن، أما الجانب السياسي يبدو أنه سيطرح بعد انتخابات سبتمبر/أيلول 2019 في “إسرائيل”.

وتهدف ورشة المنامة إلى تزويد بلدان المنطقة والفلسطينيين والمستثمرين العالميين بطرق لتحويل الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد مبني على المساعدات الخارجية، إلى اقتصاد الاكتفاء الذاتي، وفي ذات الوقت توجد إمكانات اقتصادية هائلة لتحقيق الازدهار الاقتصادي في الساحة الفلسطينية، إذا ما تحقق السلام في الحلقة الأولى، أي الدول المجاورة لقطاع غزة والضفة الغربية، ثم في المنطقة ككل ضمن الحلقة الثانية.

وتحتوي الورشة على هدفٍ آخر يتمثل بتوضيح حجم الخسارة المترتبة على استمرار رفض الفلسطينيين لمقترحات الولايات المتحدة لحلّ النزاع مع “إسرائيل”.

عمليًا، تسعى الولايات المتحدة إلى رصد 50 مليار دولار تستثمر على مدار 10 سنوات في البنية التحتية والصناعات وخلق فرص العمل والتجارة الإقليمية كنظام بيئي متفاعل ومتعاون ومزدهر، وتعتبر كل هذه الأمور حيوية لتطوير كيان فلسطيني يتمتع بخصائص الاقتصاد المزدهر، على سبيل المثال: تدعو الخطة إلى إنشاء طريق وخط للسكك الحديدية يربط قطاع غزة بالضفة الغربية.

بهذا الشأن، قال جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس الأمريكي الذي يقود الصفقة المالية الشهر الماضي: إن التقدم الاقتصادي لن يتحقق إلا برؤية اقتصادية قوية وإذا تم حل القضايا السياسية الأساسية. ويمكن فهم الجوانب الاقتصادية بأنها من المفترض أن تكون بمثابة الطُعم للفلسطينيين لتقديم تنازلات بشأن القضايا الأخرى المتعلقة بتطلعاتهم الوطنية.

بكلمات أخرى، تهدف الخطّة الاقتصادية إلى إفادة الجمهور الفلسطيني على مستوى نمط الحياة وجودتها، وحثه بذلك على الضغط على قيادته لإبداء مرونة أكبر إزاء قضايا إقليمية وسياسية أخرى، وإزالة الحواجز التي تقف في وجه الاتفاق السياسي.

وعند التدقيق باتفاقيات السلام التي وقعتها “إسرائيل” في الماضي، يظهر أن الجوانب الاقتصادية المدعومة بقوة الولايات المتحدة كانت دائمًا جزءًا من عملية السلام، ورغم ذلك يمكن القول إن القضايا الاقتصادية ودورها الذي لعبته كان هامشيًا في القضايا الوطنية السياسية المُلحة.

في معاهدة السلام مع مصر، لم تطبق الملاحق الاقتصادية والمدنية إلى حدٍ كبير، رغم أن المادة الثانية من الملحق الثالث (العلاقة بين الطرفين) تم تخصيصها للعلاقات الاقتصادية والتجارية، إلا أن الأزمة الاقتصادية في مصر، التي جاءت بسبب التكاليف الأمنية المتزايدة، أدت إلى استمرار السلام بفضل الوعود الأمريكية والضمانات الأمنية والاقتصادية في شكل مساعدات اقتصادية سنوية.

ورغم حاجة مصر إلى المساعدات الاقتصادية الأمريكية، لا ينبغي الاستنتاج أن القضايا الاقتصادية هي التي أدت إلى حل النزاع، بل إن انسحاب “إسرائيل” الكامل من شبه جزيرة سيناء كان هو السبب.

وفي حالة أخرى، اتسمت اتفاقيات أوسلو والاتفاقية مع الفلسطينيين (1993، 1995) أيضًا بالعديد من القضايا الاقتصادية، لكن على غرار الاتفاق مع مصر فقد كانت في ظل القضايا الأساسية للصراع، مثل انسحاب الجيش الإسرائيلي من الضفة ومنح الحكم الذاتي للفلسطينيين، ما شكّل أرضية صلبة لتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية في باريس.

 في نيسان/ أبريل عام 1994 تم تنظيم العلاقات الاقتصادية في بروتوكولات باريس، التي تنصّ مثلًا: على أن “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية ستكونان منطقة جمركية واحدة، ولا تفرض فيها الرسوم الجمركية على مرور البضائع.

بمعنى آخر، الاتفاق يتمحور حول اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي وعدم منحه الاستقلال الفعّال، علاوة على ذلك كان من المفترض أن تكون الاتفاقيات حافزًا اقتصاديًا كبيرًا، إذ أن الانتفاضة الأولى والثانية اندلعتا عندما لم يكن الوضع الاقتصادي في الضفة وغزة سيئًا.

ربما تكون اتفاقية السلام مع الأردن هي المختلفة من بين الاتفاقيات الثلاث، لأن قضية استعادة الأراضي كانت قضية ثانوية، والدعم الاقتصادي الذي حظي به الأردن كان دوره أكثر أهمية، إذ يؤكد البند السابع، المتعلق بتفاصيل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، على أهمية التجارة الحرة وعدم التمييز وحظر المقاطعة الاقتصادية وأهمية علاقات حسن الجوار الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن المادة السادسة من الاتفاقية لها أهمية خاصة، وهي تعرض تفاصيل ترتيبات المياه بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بمحو ديون المملكة الأردنية، التي كانت حافزًا اقتصاديًا للأردن للتوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل”.

كما أن هدف الملك حسين من الاتفاقية كان التحرّر من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، لذلك استغل المناخ السياسي المريح بعد اتفاقية أوسلو، ويؤكد ذلك عدم تتحقق معظم برامج التعاون الاقتصادي الرئيسية بين “إسرائيل” والأردن خلال فترة من السلام منذ 25 عامًا.

بالعودة إلى صفقة القرن، يتضح أن الاقتصاد جزء من الحل وليس الحل نفسه، وكذلك في اتفاقيات السلام الأخرى كان الجانب الاقتصادي حافزًا للاستمرار في المفاوضات.

 وتعتبر محاولة ترامب لقلب الترتيبات وتقديم المقابل ثم عرض الخطة السياسة للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين مبتكرة، إلا أنها ليست عملية نتيجة ابتعاد عدة دولة مؤثرة عن المشاركة في ورشة المنامة.

في الواقع، ينبغي أن يكون الاستعداد لتخصيص استثمارات ضخمة في الاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، خبرًا جيدًا وجزءًا من عملية تهدف إلى تهيئة مناخ مريح للتقدم بالأهداف السياسية في الحالة الإسرائيلية الفلسطينية.

لكن بسبب الفجوات السياسية والإقليمية بين “إسرائيل” والفلسطينيين، وانخفاض مستوى أداء السلطة الفلسطينية (بما في ذلك الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة)، يُحتّم وجود برنامج سياسي مبتكر ومفيد للفلسطينيين.

وتشير الأدلة التاريخية إلى أن ورشة العمل في البحرين والاستثمارات المستقبلية المخطط لها، لا ينبغي اعتبارها مفتاح حل الصراع الطويل الأمد.

المصدر :

معهد أبحاث الأمن القومي : https://bit.ly/2X2AKjd