مقدمة العساس | مر تاريخ العلاقات بين لبنان و”إسرائيل” بمحطاتٍ مختلفة، توقف فيها الجانبان لإيجاد اتفاق أو تفاهم يضع حدًا لحالة النزاع، غير أن تلك الاتفاقيات الهشة سرعان ما تنهار، لتتم العودة إلى حالة الصراع مُجددًا، إلا أن التقارب الحالي الذي تُسيّره الإدارة الأميركية يبدو مختلفًا، في ظل الظروف الاقتصادية المتردية التي أضرّت بمجمل المشهد السياسي اللبناني. ما هي الفائدة الاقتصادية الممكنة من هذه المفاوضات؟ وما دور حزب الله في ذلك؟

هذا المقال يتحدث عن مفاوضات التوصل إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و”إسرائيل”، ويوضح الفوائد الاقتصادية المترتبة على ذلك.

ترجمة العساس | ستبدأ المفاوضات بين “إسرائيل” ولبنان على الحدود البحرية خلال الفترة المقبلة بعد جهودٍ مكثفة بذلها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد سوثرفيلد، حيث ستكون هذه المفاوضات داخل مبنى الأمم المتحدة في رأس الناقورة على الحدود اللبنانية، وسترافق الولايات المتحدة المفاوضات كمُيّسر ومُسهل فقط بسبب المعارضة اللبنانية للوساطة.

ويتمثل الصراع الحدودي بين “إسرائيل” ولبنان بمنطقة مثلثية تبلغ مساحتها 860 كلم في البحر الأبيض المتوسط، وهي نتيجة نزاع بينهما حول نظام رسم الحدود. (“إسرائيل” تحدد الحدود 90 درجة من نقطة الحدود البرية، في حين أن لبنان يعتبرها استمرارًا للحدود البرية).

واكتسب هذا الصراع أهمية بعد قضية متعلقة بالغاز في البحر المتوسط، إذ أراد لبنان الشروع في التنقيب عن الغاز مقابل شواطئه، وأودع في الأمم المتحدة رسمًا لحدوده ضم هذه المنطقة الاقتصادية قبل عقد من الزمن، ما اعتبرته “إسرائيل” بمثابة الانتهاك لحقوقها أودعت نسختها من الحدود أيضًا في الأمم المتحدة.

في عام 2011، طلبت “إسرائيل” من الولايات المتحدة المساعدة في التوصل إلى اتفاق مع لبنان، وتم ذلك من أجل تجنب مناقشة القضية في إطار اللجنة العسكرية المشتركة المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الذي تم تبنيه في نهاية حرب لبنان الثانية عام 2006، حين طالب لبنان مناقشة القضايا المتعلقة بالحدود البرية والبحرية.

إضافة إلى ذلك، ما زال لبنان يعترض على دور الأمم المتحدة في تنظيم حدوده بما في ذلك الحدود البحرية، لأنه ليس من الدول الموقعة على اتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار  (UNITED NATIONS LAW OF THE SEA).

يذكر أن “إسرائيل” وافقت خلال المفاوضات غير المباشرة التي جرت بين أعوام 2012 – 2015، على اقتراح التسوية المتمثل في تحديد الحدود البحرية، والذي كان يصب في صالح لبنان بمنحه حصة أكبر من الأراضي المتنازع عليها بنسبة 55:45.

كما أن الخلاف مع “إسرائيل” أدى إلى تباطؤ عملية تطوير اقتصاد الغاز اللبناني، رغم فوز على الشركات الأجنبية بالعطاءات الخاصة بحقوق البحث في المنطقة المتنازع عليها، إلا أنها سرعان ما أعلنت رفضها العمل هناك.

في الوقت الحالي، موافقة الحكومة اللبنانية على المفاوضات واردة على ما يبدو بعد تشكيل الحكومة المقبلة، ويرجع الأمر يرجع بشكل أساسي إلى الحاجة الاقتصادية العاجلة الناجمة عن اشتداد الأزمات الاقتصادية في لبنان، لاسيما مع احتلاله المرتبة الثالثة بين البلدان التي لديها أعلى ديون، بدين بلغ 140% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويبدو أن موقف حزب الله من القضية قد تغيّر، لأن رغبة اللبنانيين في التفاوض لم تكن لتتحقق لولا موافقة المنظمة التي عززت سلطتها في الانتخابات الأخيرة، وهي اليوم قوة رائدة ومؤثرة في الحكومة اللبنانية.

ويدرك حزب الله الفوائد الاقتصادية المتوقعة من خلال تشجيع التنقيب عن الغاز في البحر، ويتوقع أرباحًا من هذا أيضًا، نظرًا للضيق الذي يعانيه عقب الزيادة في نفقاته وتورطه في سوريا، وتقلص إيراداته بسبب العقوبات على إيران.

بالعودة إلى جوهر العملية التفاوضية، يبدو أنها ستكون صعبة ومعقدة، إذ سيسعى اللبنانيون إلى الحصول على حصة أكبر من تلك التي عرضت من قبل، في حين لا يوجد أي يوجد سبب يدفع “إسرائيل” إلى الموافقة على صيغة أخرى غير تلك التي قدمت في الماضي وشملت بالفعل تنازل إسرائيلي.

وعلى افتراض حل النزاع من خلال المفاوضات، هذا لن يؤدي إلى تغيير إمدادات الغاز الطبيعي إلى “إسرائيل”، في ظل أن الكميات المعروفة بالفعل كافية لتلبية الاحتياجات الداخلية، بما في ذلك القدرة على تلبية العقود الحالية لتوريد الغاز إلى كيانات أخرى مثل السلطة الفلسطينية والأردن ومصر.

أمّا السؤال الرئيسي هو ما إذا كان التوصل إلى اتفاق سيكون بمثابة حافز لحزب الله للحفاظ على الهدوء على طول الحدود مع “إسرائيل”؟ وبحسب الواقع السياسي اللبناني، من المنطقي افتراض أن كل لاعب في هذه الساحة، بما في ذلك حزب الله، حصل على ضمانات لحصته من إيرادات الغاز المتوقعة.

بهذا الشأن، يجب التأكيد على أن الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية يعد خطوة أساسية، إلا أنها ليست الوحيدة من أجل بدء نشاط البحث عن الغاز وإنتاجه في المنطقة المتنازع عليها، ومن المحتمل أن يكون الغاز الموجود في هذه المنطقة جزءًا من حقل تتجاوز حدوده المنطقة التي سيتم تحديدها في الاتفاقية.

وإذا تم حل مسألة ترسيم الحدود، فسيتعين على “إسرائيل” ولبنان التوصّل إلى اتفاق محاصصة الأرباح، والذي قد يتأخر أيضًا بسبب نزاع بين الطرفين. يجوز للبنان و”إسرائيل” تجنّب التأخير في هذه القضية إذا وافقا على الحل التقني – الاقتصادي من خلال ترك هذه المسألة للشركات التابعة لهما على كلا جانبي الحدود المتفق عليها، في حين يحتفظان بالحق في الموافقة على هذا الاتفاق.

ورغم الحرص المشترك على التوصل إلى اتفاق، من المتوقع إجراء مفاوضات صعبة ومعقدة، الأمر الذي سيتطلب الاستعدادات المناسبة من الجانب الإسرائيلي، وبسبب تعقيد القضية والآثار الواسعة لهذه المفاوضات على الأمن القومي الإسرائيلي يُقترح إنشاء إدارة خاصة لإدارتها على غرار تلك التي أقيمت للمفاوضات مع الفلسطينيين برئاسة مسؤول كبير صاحب خبرة في المفاوضات.(تحضيراً لقمة كامب ديفيد، 2000، وأنابوليس، 2007-2008).

المصدر :

معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي : https://bit.ly/2JgxeI3