مقدمة العساس | 

ربما لا تختلف صفقة القرن كثيرًا عن جوهر الخطط الأميركية ومبادرات السلام السابقة، إلا أن الزخم القوي الذي دفعها إلى الواجهة يرجع على ما يبدو إلى عوامل متعلقة بالتوقيت، والظروف السياسية في “إسرائيل” والولايات المتحدة، إضافة إلى تغيّر طبيعة التعامل الأميركي مع الاحتلال، الذي أصبح يؤثر على الرئاسة الأميركية ولا يتأثر بها فقط. 

ورغم الترحاب الإسرائيلي بالصفقة كإطار لأي “تسويّة” ممكنة، إلا أن الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، كما يبدو، تقوم على الاستفادة من بنود الصفقة المتلعّقة بشرعنة الضمّ الإسرائيلي دون الموافقة على الصفقة بصورة مطلقة، كونها تتطرق إلى إمكانيّة إقامة دولة فلسطينّية، ولو كانت غير قابلة للحياة، إذ دعت أوساط عديدة في “كتلة نتنياهو” وخارجها إلى فصل مسألة ضمّ الأغوار والكتل الاستيطانيّة، عن مسألة الموافقة على الصفقة.

هذه المادة تتحدث عن تبعات إعلان ترامب عن “صفقة القرن”، وتطرح رؤيا مقارنة مع الخطط السابقة، وفرص نجاحها وسط المتغيرات السياسية الحالية.

إعداد العساس | 

صفقة فاسديْن منسقة مع قادة المستوطنات:

اصطدم إرث نتنياهو السياسي، ليلة الإعلان عن صفقة القرن مع إرثه الجنائي، إذ جاءت الصفقة المنتظرة التي وضعت بإلهام منه، في ذات اليوم الذي قُدّم ضدّه دعوى قضائية تتهمه بتلقي الرشاوي وخيانة الأمانة. 

واعتقد نتنياهو أنه قد ينقذ مستقبله السياسي من خلال صفقة القرن، وذلك وسط معارضة رؤساء المستوطنات للصفقة، ووجود شكوك حول التنسيق معهم، بذلك ستكون المستوطنات التي تمنح من مقعدين حتى ثلاثة في الانتخابات، قد ذهبت صوب معسكر شاكيد وبينيت اليميني، وهذا يُقرّب نتنياهو ويجعله يعتقد أنه سيكسر الحاجز مع الناخبين، ويحظى بحسم 61 مقعدًا تضمن له رئاسة الحكومة مُجددًا. (1)

بهذا الشأن، قال عضو الكنيست إيلان جيلون (حزب العمل-جيشر-ميرتس): إن “الصفقة المقترحة، كما نشرت عبر الإعلام سيئة على كلّ المستويات ومحكومة بالفشل، وهي مجرد نتاج تحالف بين رئيسين متورطين في قضايا فساد يحاولان من خلالها تدابير سياسية لتشتيت النقاش عن تلك القضايا”. (2)

صفقة انتخابية لحرف النقاش عن القضايا الجنائية:

منذ تأسيسها، كانت “إسرائيل” قضية سياسية أمريكية داخلية، وليست شأنًا سياسيًا خارجيًا، وكلما ازداد تأثير اليهود في أمريكا زاد الالتزام بالشأن الإسرائيلي، إلا أنه في السنوات الأخيرة حصلت تغيرات، مع انتقال الوصاية على “إسرائيل” من اليهود إلى الإنجيليين. 

وبسبب حاجة ترامب للإنجيليين وأموالهم وحضورهم في مؤتمراته واشتراكهم في الانتخابات، أصبح وضع اليهود في أمريكا معقدًا، الغالبية العظمى تحتقر ترامب وتبتعد عن “إسرائيل”، وهكذا توجهت خطابات ترامب ونتنياهو إليهم، وكانت هذه مساهمة متواضعة من نتنياهو لانتخابات ترامب.

كما أنه رغم توقيت “سخاء ترامب” غير المتواضع في انتخابات نتنياهو، لا يمكن معرفة عدد الأصوات التي كسبها الأخير على وجه الدقة، كما أن قصد ترامب من التدخّل في الانتخابات الإسرائيلية واضح تمام الوضوح. 

حقيقة محاكمة عزل ترامب التي تجري في مجلس الشيوخ على خلفية محاولة تجنيد دولة أجنبية ضدّ خصمه السياسي لا تؤثر عليه حقًا، الواقع هو أن نتنياهو يساعده وهو يساعد نتنياهو، كما أنه ليس الرئيس الأول الذي يعمل لصالح “إسرائيل” ولن يكون الأخير، باعتبار “إسرائيل” بمثابة الشأن الأمريكي الداخلي، الذي يتضمن لوائح الاتهام الموجّهة ضد نتنياهو، ولو لم توجد اللوائح، لما نشر ترامب الصفقة في هذا الوقت بالذات. (3)

مع ذلك، أدى انشغال الجمهور بمحاكمة عزل ترامب، إلى إتاحة الفرصة لعرض صفقة على نتنياهو، لا تهدف للسلام، بل لتشريع ضمّ المستوطنات دون تنديدات دولية جدّيّة، رغم ذلك، كلّما ربط نتنياهو نفسه بترامب، كلّما ازداد تعرّض “إسرائيل” للخطر في حال لم ينتخب مُجدّدا. (4)

هناك ثلاثة عوامل تغيّرت ومكّنت نتنياهو من الوقوف مبتسمًا وواثقًا ليستمع لحلّ دولتين لشعبين، الأول: رئيس أمريكي قوي وخارج عن المألوف قام بخطوات دراماتيكية تجاه “إسرائيل”. الثاني: هو أن الاحتمالات تكاد تكون معدومة لقبول الفلسطينيين بالصفقة، وهكذا يثبتون للعالم بأنهم رفضوا كل التسويات منذ لجنة بيل 1937، والثالث هو: “بفداحة لوائح الاتهام تأتي فداحة التنازلات”، وهناك من يقول “بسخاء لوائح الاتهام يكون سخاء الضمّ”، إلا أن موافقة اليمين على إقامة دولة فلسطينية، هو “تنازل فادح طغى على نقاش ضمّ المستوطنات”. (5)

وتشير بعض التحليلات الإسرائيلية إلى أن صفقة القرن كتبت على اليقين من الرفض الفلسطيني، وكذلك كتبت بروح ورؤيا صهيونية دينية. (6)

اليمين المتطرف يطالب بتطبيق بنود الضمّ فقط:

سموتريتش، رجل اليمين المتشدّد لديه بعض التحفظات على الصفقة، إذ يقول: “في الصفقة هناك الجانب السيئ والخطر حتى لو لم يؤمن أحد بذلك، الخبر السارّ بأن الحكومة الإسرائيلية ليست ملزمة بقبول الصفقة، الأمريكيون راضون عن موافقة نتنياهو للتفاوض على أساسها مستقبلًا”.

وأضاف سموتريتش: “إذا عمل العرب بالشروط المفروضة عليهم، وهذا لن يحدث، سيتضمن قرار الحكومة فقط الجزء الجيّد من الخطّة، وهو تطبيق السيادة المباشرة على المستوطنات، أما باقي بنود الصفقة فهي غير مهمة بالنسبة لنا، ولن تكون هناك دولة عربية بتاتًا”. (7)

يبدو أن الأمريكيين يرفضون عرض الصفقة للتصويت قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما يشكّل عقبة أمام برنامج نتنياهو الانتخابي، الذي أعلن عبر موقع تويتر أن الخطّة سوف تطرح للتصويت في الثاني فبراير/شباط 2020، إلا أنه حذف التغريدة بعد فترة وجيزة، وتأجيل التصويت عليها في الكنيست. 

جرّاء ذلك، علّق وزير الأمن نفتالي بينيت على موضوع التأجيل بالتأكيد على ضرورة ضمّ المستوطنات بأقرب وقت ممكن، وإلا ستتحول هذه المستوطنات إلى جزر وجيوب منعزلة في مناطق فلسطينية، وإن لم تقم الحكومة الإسرائيلية بضمّ المستوطنات سيكون هناك فترة تأجيل أخرى تمتد لخمسين سنة، أي أن بينيت يفصل ما بين الصفقة ككلّ وجزئية ضمّ المستوطنات، التي تعتبر أولوية اليمين وليست الصفقة. (8)

الصفقة تتويج لعقيدة أمنية مستمرة منذ عقود:

بنظرة سريعة على ما كان عليه خطاب نتنياهو عام 2009 عندما تولى للحكم، يتضح أن حلّ الدولتين وصفقة القرن ما هي إلا تجسيدًا لهذا الخطاب، إذ أن خطّة كلينتون كان تقضي بمنح الفلسطينيين 90% من الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما خطّة ترامب تقضي بمنح الفلسطينيين ما يقارب 70%، مع إمكانية تبادل أراضي. 

في نهاية الأمر المبدأ هو ذات المبدأ، وهو دولة فلسطينية، أمّا الخلاف فهو على الأراضي ونسب الاقتطاع 15% و20%.

بالعودة أكثر إلى الوراء، يقول شمعون شاباس، الذي كان مدير مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق رابين: إن “خطّة رابين للسلام كانت تشبه إلى حدّ كبير صفقة القرن التي طرحها ترامب، وأراد رابين تنفيذها على مراحل”. 

وأضاف شاباس كانت الخطة تنصّ على دولة فلسطينية ناقصة منزوعة السلاح وتنسيق أمني إسرائيلي فلسطيني، ومساحة من 80% – 85% من الضفة الغربية، أمّا بالنسبة للأغوار فهي ضمن خطّة ألون، وستكون تحت السيطرة الإسرائيلية”.

وبيّن أن “عاصمة الدولة الفلسطينية ستكون في أبو ديس، وسيطرة مشتركة على الأماكن المقدّسة”، واصفًا صفقة القرن التي أعدها ترامب بالتجسيد الحديث لخطّة رابين الموجودة منذ 25 سنة.

 وكان رابين قد قتل بسبب هذه الخطّة، وفي ظلّ هذا الشبه الكبير بين الخطتين يتساءل شاباس عن دواعي التحريض على رابين وقتله فيما بعد. (9)

كما أن العسكري السابق وعضو الكنيست عن أزرق أبيض حاليًا موشيه يعالون أشار إلى الأمر ذاته: “أنا أعرف المخطّط جيّدًا، إنه بالتأكيد تاريخي، يجب على “إسرائيل” أن تقول له نعم، حتى لو كانت هناك تحفظات، هذا هو موقف “إسرائيل” الذي مثله رابين في خطابه الأخير قبل اغتياله. حزب كحول لافان لا يرون فرصة للتسوية الدائمة”. (10)

كذلك في عام 2007، قال أولمرت في فترة ولايته رئيسًا للحكومة، وخلال مقابلته الأولى التي أجراها بعد توليه المنصب: إن نيته هي “المحافظة على ثلاث كتل استيطانية كبيرة، وعلى غور الأردن حين يرسم ويفاوض على حدود دولته”. (11)

في عام 2004، ورد في مكتوب وعود وتطمينات أمريكي من الرئيس جورج بوش إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها آرئيل شارون، تأكيد أن أمريكا “لا تقدّس حدود عام 1967 كأساس للتفاوض بشأنها، وهذا ما اعتبره شارون حينها اعترافًا مستقبليًا بالكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية”. (12)

لا يخفى على أحد أن مهندس الصفقة الفعلي هو جاريد كوشنر، اليهودي الأمريكي وزوج ابنة ترامب، الذي عرف بالدوائر الأمريكية بأمين سرّ الرئيس ويده اليمنى، وهو الشخص الذي ضبط سياسة ترامب ووجها نحو المصالح الإسرائيلية، كما أنه من ضغط لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. (13)

تخّوفات من الذهاب باتجاه أبرتهايد:

يلقى ضمّ المستوطنات ترحيبًا إسرائيليًا، إلا أنه لن يجد الترحيب ذاته في العالم، من يسير في الضفة الغربية يعرف أن عملية الضمّ وصلت أوجها في السنوات الأخيرة، وأن الخطوة أحادية الجانب لضمّ المستوطنات وغور الأردن تحمل معنى آخر لا يحمله الخطاب العام، إذ يُلزم الضمّ التعامل مع معضلة حاولت “إسرائيل” تجنبها لعشرات السنين، وهي مكانة ووجود الفلسطينيين، وكذلك عليها التعامل مع جوانب أخرى، مثلًا أن عملية الضمّ أحادية الجانب تعني إلغاء اتفاقية أوسلو، حتى إن لم تصرّح “إسرائيل” بذلك. 

من جهة أخرى، وبالنظر إلى خريطة المستوطنات في الضفة الغربية، نستنتج أنه لا يمكن إقامة دولة فلسطينية في مناطق صغيرة ومعزولة، واقتراح دولة على غرار هذه ما هو إلا محاولة للذهاب نحو نموذج الجنوب أفريقي الفاشل (الأبرتهايد)، الذي اعتمد على تركيز السود في البانتوستانات التي أقيمت على يد الأقلية البيضاء، وهدفت إلى خلق أكثرية بيضاء في جنوب أفريقيا.

 لم تعترّف أي دولة في العالم بهذه البانتوستانات، وكذلك السود رأوا فيها ظلمًا واضطهادًا، بالمثل ضمّ “إسرائيل” مستوطنات الضفة الغربية ستحوّل مناطق السلطة الفلسطينية لبانتوستانات دوّرها الرئيسي هو تمكين “إسرائيل” من السيطرة على الضفة الغربية، وضمّ مستوطناتها، وتجاهل حقوق الفلسطينيين. (14)

 

المصادر:

 

(1) “معاريف”: https://bit.ly/38Okdke
(2) “معاريف”: https://bit.ly/2S4ARFq
(3) “يديعوت أحرونوت”: https://bit.ly/2S5EQSe
(4) “هآرتس”: https://bit.ly/31dCkxc
(5) “يديعوت أحرونوت”: https://bit.ly/31f8716
(6) “هآرتس”: https://bit.ly/36Gb7Va
(7) “سموتريتش على فايسبوك”:  https://bit.ly/37XGgEQ
(8) “يديعوت أحرونوت”: https://bit.ly/2OiFyu6
(9) “معاريف”: https://bit.ly/37KHNy1
(10) “كان”: https://bit.ly/31bmqDA
(11) “جلوبس”: https://bit.ly/2OisdlL
(12) “يديعوت أحرونوت”: https://bit.ly/2RLMrWZ
(13) “هيدوت هحريديت”: https://bit.ly/36LGqOq
(14) “يديعوت أحرونوت”: https://bit.ly/3aUnoZz