مقدمة العساس | يبدو أن “الغيتو” اليهودي المغلق في أوروبا منتصف القرن الماضي أثر عكسيًا وبشكل كبير على الشخصية الإسرائيلية الحالية، ما دفعها إلى استبدال خوف الخروج اليهودي منه بالحرص على بقاء الفلسطينيين داخل الغيتو الذي صنعه الاحتلال في الضفة الغربية. فما هي آلية وهدف محاصرة سكان الضفة الغربية؟ وما هي الوسائل المتبعة لتحقيق ذلك؟

هذا المقال يشرح الأساليب الإسرائيلية في التضييق على حركة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية، ويُبيّن ما ينتج عنه من زيادة مصادرة الأراضي ودعم المستوطنات.

ترجمة العساس | وضّح أحد تقارير منظمة “بتسيلم” العلاقة الوثيقة بين سياسة شق الطرق الإسرائيلية ومشروع الاستيطان في الضفة الغربية، إذ تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن تكلفة تعبيد مئات الكيلومترات من الشوارع الاستيطانية التي تصادر الكثير من الأراضي الفلسطينية، تبلغ 10 مليار شيكل.

وحسب التحقيق الذي أجرته المنظمة الحقوقية، تنقسم الشوارع في الضفة الغربية إلى ثلاثة أنواع وفقًا للقيود التي تفرض على الفلسطينيين:

الفئة الأولى من هذه الطرق هي التي يُمنع فيها الفلسطينيون من الحركة بشكل تام، إذ ينصب الجيش الإسرائيلي الحواجز ونقاط التفتيش، مثل حالة شارع 557 المؤدي إلى مستوطنات إيتمار وأيلون موريا، وهو طريق محظور فيه السفر على الفلسطينيين.

كما أن بعض الشوارع المخصصة للفلسطينيين تتقاطع مع شوارع محظورة، فيضطر الفلسطيني إلى الخروج من السيارة والانتقال إلى سيارة أخرى بشارع غير محظور، ويوجد 17 طريقًا في الضفة الغربية بطول إجمالي يبلغ 124 كلم محظورة على الفلسطينيين بشكلٍ مطلق.

أمّا الفئة الثانية، فهي طرق حظر السفر الجزئي البالغ طولها حوالي 245 كلم، ويخضع سفر الفلسطينيين فيها إلى تصاريح خاصّة من الإدارة المدنية الإسرائيلية، وبهذا الشأن يقول أحد السائقين الفلسطينيين إن “الإدارة المدنية تساوم الفلسطيني بخدمة مقابل تجنيده كعميل، الأمر الذي يقابله بالرفض”.

بينما الفئة الثالثة هي شوارع باستخدام مقيّد، حيث يوجد في منتصف الطريق حاجز عسكري يُعيق حركة الفلسطينيين ويمنع الوصول إلى المناطق التي يربط بينها هذا الشارع.

كما أن هذه الشوارع الاستيطانية بمختلف أنواعها أجبرت الفلسطينيين على تغيير عادات سفرهم داخل الضفة الغربية، ما دفعهم إلى استخدام طرق صعبة ووعرة أودت بحياة الكثير منهم. (1)

مصادرة الأراضي لصالح الشوارع الاستيطانية:

صادرت السلطات الإسرائيلية 406 دونمات من الأراضي المملوكة لبلدات بورين، وحوارة، وبيتا، وعورتا، وياسوف، ويطا، والسوية، لصالح طريق يخدم مستوطنات يتسهار وحفات جلعاد، ومن المتوقع أن يبلغ طوله 5.5 كلم.

 من المقرر شقّ شارع التفافي يبلغ طوله حوالي 7 كلم يتجاوز مخيم العروب للاجئين ويخدم المستوطنات في الخليل، إذ تشمل الخطة مصادرة 104 دونمات من أراضي قرى بيت أمر وحلحول.

وبوجود هذه الشوارع يصبح توسع المستوطنات مهمة بسيطة، ويظهر ذلك في الطريق 398 الذي يمتد من جنوب شرق القدس إلى مستوطنتي “تكواع” و”نوكديم”، إذ زاد عدد الوحدات السكنية في المستوطنات بعد بناء الطريق بين عامي 2008 و2014 بنسبة 90%. (2) 

لإتمام إنشاء الشارع الالتفافي القريب من قرية النبي إلياس في قلقيلية، أعلنت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي أراضي قرية طبيب كمنطقة عسكرية مغلقة، وبدأت باقتلاع شجر الزيتون على طول الشارع الجديد المزمع شقة لصالح المستوطنات القريبة. (3)

في القدس شوارع معزولة

في مطلع عام 2019، افتتح شارع رقم 4370 شمال شرق القدس، وهو يفصل بين السائقين الفلسطينيين والإسرائيليين من خلال جدار يبلغ طوله 2.5 ميل يقسمه على طوله، إذ يخدم القسم الغربي منه سكان الضفة الغربية الممنوعين من دخول القدس، بينما يخدم القسم الشرقي المستوطنين.

وتأخر افتتاح الشارع 10 سنوات بسبب خلاف بين الجيش والشرطة حول من سيقف على الحاجز، وفي النهاية تقرر أن تتولى المهمة قوات حرس الحدود، ويمنع هذا الحاجز سكان الضفة الغربية من دخول القدس، وسيمكنهم فقط من المرور من الجزء الشرقي منها دون الدخول إليها. (4)

بين السجن والغيتو:

كانت أوسلو نقطة تحوّل، وانطلاقًا منها يمكن التأسيس لمنطق “الغيتواتي” (من كلمة جيتو) في الضفة الغربية، كأداة من أدوات السيادة والسيطرة على المدن والقرى في الضفة الغربية، إذ تحوّلت الضفة إلى سجن كبير بالسيطرة على معابر ومنافذ الضفة مع “إسرائيل”، بالإضافة إلى الحصار ومنع الحركة بين غزة ومصر.

كما أن نظام الحواجز العسكرية بين الشوارع التي تربط القرى بالمدن الفلسطينية جعلها تبدو كفقاعات منفصلة، وسط حالة حصار دائم ونقاط تفتيش متنقلة ومئات من العوائق المادية بمختلف أنواعها لمنع مواصلات النقل المباشرة بين أجزاء من الضفة الغربية.

وتم توجيه النقل بين الجيوب إلى الطرق الثانوية وإلى عدد صغير من الشرايين المرورية الرئيسية التي تمر عبر “الاختناقات” الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى حظر دخول الفلسطينيين إلى غور الأردن وشرق القدس والجيوب الواقعة بين الجدار والخط الأخضر، باستثناء أولئك المسجلين كمقيمين في المنطقة، بل ويتطلب دخول “غير المقيمين” إلى تلك المناطق تصريحًا خاصًا.

وحظر الاحتلال على الفلسطينيين السفر في سيارة خاصة بين شمال وجنوب الضفة الغربية عبر حاجز أبو ديس شرق القدس، كما أن القيادة من وإلى نابلس محظورة، بينما يقتصر المرور عبر حاجز قلنديا من شمال القدس فقط على حاملي بطاقات هوية القدس في السيارات التي تحمل رقم ترخيص إسرائيلي.

بالإضافة إلى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء، وعلى غرار ما اعتادت “إسرائيل” القيام به في قطاع غزة قبل إخلاء قواتها، يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بقطع الشوارع المباشرة ويغلق الطرق الرئيسية لحركة المرور الفلسطينية عبر البوابات الحديدية والحواجز على القرى على طول الطرق التي تربط المستوطنات وتخدم المستوطنين، والشوارع التي تربط بين المستوطنات تكون ممنوعة من السفر للفلسطينيين ومسدود بكتل خرسانية وتلال ترابية وبوابات حديدية. (5)

المصادر : 

(1) يديعوت أحرنوت : https://bit.ly/2RpDYXT

(2) هآرتس : https://bit.ly/2KDXyz6

(3) مكوميت : https://bit.ly/2VBmUCI

(4) هآرتس : https://bit.ly/2AAP3On

(5) ميطاعم : https://bit.ly/2Ng2agY

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on