مقدّمة العسّاس |

تعكس ردة فعل المجتمع المدني المصري على صورة المطرب “الإسرائيلي” عومر آدم مع الفنان المصري محمد رمضان، الموقف الجماعي ضد أي نوع من التطبيع بين الشعب المصري والاحتلال الإسرائيلي، حتى وإن مر على توقيع اتفاقية السلام بين الدولتين أكثر من 40 عامًا.

هل التطبيع بين “إسرائيل” ومصر محتكر على المستوى الرسمي فقط؟

هذه المادة تتحدث عن طبيعة التطبيع الرسمي المصري مع “إسرائيل”، وتوضح أسباب عدم تحوله لتطبيع شعبي بحسب ما ورد في المصادر الإسرائيلية.

إعداد العسّاس | 

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الرافضة للتطبيع مع “إسرائيل” ومقاطعة الفنان المصري محمد رمضان عقب تداول صور له مع عدة مشاهير إسرائيليين في دبي.

لم يقتصر الهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، إذ أعلن الاتحاد العام للنقابات الفنية في مصر تعليق عضوية رمضان في نقابة المهن التمثيلية، كما أعلن مجلس نقابة الصحافيين المصريين عن مقاطعة أخبار الفنان لحين التحقيق معه بتهمة إهانة الشعب المصري. (1)

على مر السنين، لم تكن معارضة التطبيع بين مصر و”إسرائيل” ظاهرة جديدة، إذ عكست هذه المعارضة الرؤية القائلة إن تعميق العلاقات مع “إسرائيل” يشكل عائقًا أمام استعادة مصر لموقعها في النظام الإقليمي.

وعُبر عن هذه المواقف بين الحين والآخر، على سبيل المثال: هجوم المتظاهرين على السفارة الإسرائيلية في مصر وحرق العلم الاسرائيلي في 9 سبتمبر 2011 (2); إقالة النائب المصري توفيق عكاشة، المعروف بـ “مُشرع التطبيع”، عام 2016 من مجلس النواب بعد لقائه مع السفير الإسرائيلي في القاهرة، وذلك بتأييد من قبل 467 نائبًا من البرلمان المصري من أصل 595 لقرار الطرد. (3)

كما منعت السلطات المصرية دخول الكاتب المسرحي المصري علي سالم إلى “إسرائيل” لحفل تكريمه في جامعة بن غوريون لتلقي شهادة الدكتوراه، (4) إضافة إلى معارضة الأدباء المصريين للعلاقات الثقافية مع “إسرائيل”، التي برزت برفض ترجمة مؤلفاتهم للغة العبرية، كالكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد. (5)

وتضمنت هذه المواقف اتهام الصحفي والباحث المصري رامي عزيز بانتهاك قواعد نقابة الصحفيين عقب زيارته لـ “إسرائيل” (6)

(فرضت نقابة الصحفيين المصرية على أعضائها في أوائل الثمانينيات، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، حظر مطلق على التطبيع مع “إسرائيل”) (7)

رغم العلاقات الجيدة التي جمعت “إسرائيل” والنظام المصري في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، إلا أن النظام المصري لم يتحرك ضد خطاب الكراهية والمعاداة لـ “إسرائيل” على مدار السنين.

تبنى مبارك نهجًا مزدوجًا، يدعم من جهة التعاون الأمني والدبلوماسي مع  “إسرائيل”، بهدف المحافظة على أمن المنطقة، ويسمح من جهة أخرى بـ “حرية تعبير واسعة” لخطاب معادٍ للصهيونية، سواء كان هذا من خلال تغطية وسائل الاعلام، أو عن طريق سياسات المؤسسات الحكومية – كالمناهج التعليمية في المدارس. (8)(1)

وكانت محاولات تقييد الخطاب المعادي لليهود نتاج ضغوط خارجية، أمريكية في الغالب، ولم تنبع من محاولة لتغيير الوعي. (1)

بحسب بروفيسور إيلي فودة من قسم دراسات الشرق الأوسط في الجامعة العبرية ودكتور بسمات يفط “عزز حسني مبارك مكانة مصر كوسيط رئيسي بين “إسرائيل” والفلسطينيين، لكنه لم يقم “بعلاقات عامة” من أجل السلام مع “إسرائيل”. فقد نبع نهج مبارك المزدوج من حقيقة أن المواقف المعادية تجاه إسرائيل خدمته على المستوى الداخلي. كان صمت النظام جزءًا من طريقته في التعامل مع التأثير المتزايد للعناصر الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، في المجال العام، الذين عبروا عن وجهات نظر معادية لليهود ومعادية “لإسرائيل” (1). تقاطعت هذه المواقف مع مواقف القوى العلمانية اليساريين وحتى الليبراليين الذين عارضوا سياسة “إسرائيل” تجاه الفلسطينيين”.

يقول تسفي مازال، وهو سفير إسرائيلي سابق في القاهرة: “إن الإسلام والقومية العربية يلعبان أيضًا دورًا في العلاقات الباردة مع مصر، ثلث آيات القرآن عن اليهودية ومعظمها سلبية، إن كراهية الشعب اليهودي هي أساس للعلاقات بيننا، والرئيس المصري جمال عبد الناصر شحذ بشكل كبير القومية العربية في ذلك الوقت، وحتى اليوم لديه أنصار وبعض الأحزاب القومية […] صحيح أن السلام مع مصر ساعدنا على المضي قدمًا في اتفاقيات أوسلو والعلاقة مع دول الخليج اليوم، لكن لا يوجد بيننا تطبيع”. (9)

يستمر السيسي اليوم بتبني نهج مبارك المزدوج، ورغم توسيع التعاون الأمني ​​والدبلوماسي بين مصر و”إسرائيل” في العقد الأخير، وإعراب الرئيس المصري عن دعمه لعلاقات حفظ  السلام  بين البلدين، بالإضافة لترحيبه باتفاقيات التطبيع بين “إسرائيل” والبلدان العربية الأخرى، كالإمارات، البحرين والسودان، إلا أنه لم يعرب عن دعمه لنية التطبيع مع “”إسرائيل في المجالات المدنية. (1)

بدوره، صف البروفيسور إيلي فودة العلاقات بين “إسرائيل” ومصر بأنها علاقات طبيعية دون تطبيع: “في عهد مرسي والإخوان المسلمين تلقت إسرائيل “إشارات” واضحة بأن مصر غير مهتمة بخرق اتفاق السلام”.

وأضاف “هذا سلام دائم، إنه ليس بالضرورة سلامًا مستقرًا بمعنى أن المرء لا يفكر في الحرب على الإطلاق، لكن العلاقات الخارجية اليوم تديرها وزارة الدفاع وليس وزارة الخارجية، وهذا يجب أن يتغير”. (9)

“تطبيع خارجي”

السياق الاقتصادي

تلعب المصالح الاقتصادية دورًا مهمًا في العلاقات “الإسرائيلية” المصرية، فقد كانت إحدى المحفزات لتطبيع العلاقات بين البلدين قبل أكثر من أربعين عامًا.

وبعد توقيع اتفاقية التجارة بينهم في الثمانينيات كانت الصادرات تتراوح بين 20 و30 مليون دولار في السنة، معظمها مدخولات زراعية، وواردات تتراوح بين 10 و15 مليون دولار، لا تشمل واردات النفط.

أمّا على خلفية اتفاقيات أوسلو، ازدادت العلاقات التجارية بين مصر “وإسرائيل”، إذ وصلت الصادرات نحو 50 – 60 مليون دولار في السنة، معظمها من المعدات الزراعية، الآلات، الكيماويات، المنسوجات والأسمدة. كما بلغت الواردات 30-40 مليون دولار، وفي هذه المرحلة بدأت شرك نسيج “إسرائيلية” كمصنع “دلتا” بإقامة فروع لها في مصر. (10) 

مع توقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة Qualifying Industrial Zones (QIZ) عام 2004، بين “إسرائيل” ومصر والولايات المتحدة، تضاعفت إيرادات البلدين.

وتهدف الاتفاقية إلى خلق حافز للتعاون التجاري بين شركات إسرائيلية ومصرية من خلال منحهم شروط التجارة الحرة برعاية  الولايات المتحدة لحصص الاستيراد المعفاة من الرسوم الجمركية لهذه المنتجات – مما يمنحها سوقًا مضمونًا تقريبًا.

وفقد بلغت صادرات “إسرائيل” السنوية إلى مصر في عام 2004 29 مليون دولار، وازدادت في عام 2007 إلى حوالي 139.5 مليون دولار، كما زادت الواردات من مصر إلى نحو 94.6 مليون دولار، وبلغت التجارة المتبادلة نحو 235 مليون دولار.

وبحلول عام 2014 تجاوزت مليار دولار في السنة، وبلغت الصادرات السنوية عام 2018،  1.2-1.3 مليار دولار، حيث تدفق 10٪ منها إلى الاقتصاد الإسرائيلي. (11)

رغم ذلك، فالمصانع الإسرائيلية في مصر تفضل عدم الإفصاح عن هويتها، والأسواق مثل مصر والأردن ليست أسواقًا طبيعية لـ “محبي السلام” […] عادة ما يفضلون (الشركات الإسرائيلية في مصر) الابتعاد عن الأنظار” بحسب ما قال جابي بار، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الاقتصاد. (11)

وأكد على كلام أحد رجال الأعمال الإسرائيليين الرئيسيين العاملين في مصر الذي قام بتصريح مشابه لصحيفة TheMarker  عام 2011، “نحن نعمل في مصر منذ 20 عامًا ولا نتحدث إلى وسائل الإعلام، هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع مصر […] لكي تنجح الشركات الإسرائيلية في مصر، فإنها بحاجة إلى البقاء تحت الرادار دون علم الجمهور المصري بذلك”. (12)

السياق الأمني ​​الاستراتيجي

منذ صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2014، اتسمت العلاقات الإسرائيلية المصرية بتعاون أمني استراتيجي برز آخرها بقضية الغواصات، ويستند هذا التعاون إلى تصور إيران والتنظيمات الإرهابية الإسلامية كتهديد مشترك، والمصلحة المشتركة في إدارة القضية الفلسطينية بشكل عام وقطاع غزة بشكل خاص.

وفقًا لتقرير “ميديا” (13)، تعتبر العلاقات الإسرائيلية ـ المصرية مكسبًا لدول عديدة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما تلك المنتمية إلى المحور السني وللولايات المتحدة. وكانت مصر خلال عام 2019 محورًا رئيسيًا في العلاقة بين “إسرائيل” والفلسطينيين، وتمت جميع محاولات التسوية مع حماس بالتنسيق الوثيق معها وبوساطة من الأمم المتحدة وبمساعدة مالية من قطر. “السلام مع مصر أثبت نفسه مرارًا وتكرارًا في التعامل مع أوضاع أمنية معقدة للغاية، وعلى الأخص المعركة بين “إسرائيل” وحركة حماس في قطاع غزة”، أشار الرئيس ريفلين في مؤتمر معهد طرومان لإحياء الذكرى الـ 40 لاتفاقية السلام بين مصر و”إسرائيل”. (9)

 كما عملت كل من “إسرائيل” ومصر على الحد من وجود إيران في الشرق الأوسط، وتعزيز العقوبات الدولية ضدها بالوسائل الدبلوماسية.

 بالإضافة إلى عملهم معًا للحد من أنشطة تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​من خلال تعزيز التحالفات الإقليمية ضد الإرهاب من منطلق تصور مشترك لطبيعة التهديد. وجهات نظرهم حول دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط متشابهة وأدت إلى التنسيق في العديد من المجالات. (13)

بالرغم من العلاقات الأمنية الاستراتيجية وأيضا الاقتصادية “الوطيدة” بين البلدين، إلا أن المجتمع المدني المصري (بتأييد من الحكومة المصرية) لا يزال رافضًا لقضية تطبيع العلاقات بشكل كامل مع دولة الاحتلال، بدعمه للمقاطعة الثقافية، المدنية، الأكاديمية أو أي تعاون في مجالات  العلوم أو الطب أو التكنولوجيا أيضًا، لهذا يمكن اعتبار أن التطبيع في مصر محتكر من قبل المستوى الرسمي فقط.

 

المصادر:

(1) “زمان يسرائيل”: https://bit.ly/3mB1dvQ
(2) “واللا”: https://bit.ly/3p63vVB
(3) “واينت”: https://bit.ly/3aqBeVC
(4) “هآرتس”: https://bit.ly/3nBD1uD
(5) “واينت”: https://bit.ly/3nzqW9B
(6) “واينت”: https://bit.ly/3nDy98r
(7) “هآرتس”: https://bit.ly/37ytPSv
(8) “معاريف”: https://bit.ly/3rajio9
(9) “ميدا”: https://bit.ly/3nFQnq4
(10) “ذي ماركر”: https://bit.ly/3nzrV9F
(11) “دافار”: https://bit.ly/37y0gjE
(12) “ذي ماركر”: https://bit.ly/2Klt1Hx
(13) “هآرتس”: https://bit.ly/3rdBj5a