مقدّمة العسّاس |

تتسارع المؤشرات والمواقف حيال قرب التطبيع السعودي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وتشير تلك المعطيات إلى أن واشنطن تعمل على نفس الخط مع الإسرائيليين لتمهيد الطريق أمام اتفاق تطبيع آخر سعودي إسرائيلي تمت الإشارة إليه من بين السطور في العديد من المواقف والتصريحات الرسمية.

هذه المادة تقدم تاريخ التطبيع السعودي الإسرائيلي السري كما جاء في المصادر الإسرائيلية، وتجيب عن أسئلة حول موقف المملكة الحالي كما تراه إسرائيل ويرد ذكره في مختلف المصادر العبرية.

إعداد العسّاس | 

شرق أوسط جديد” هذا ما يخطر على بال المرء عند سماع عناوين الأخبار في السنوات الخمس الأخيرة حول العلاقة بين “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية، إذ تعمل الأخيرة تدريجيًا على تغيير موقفها تجاه “إسرائيل” وتمهيد الطريق للعملية التي ستؤدي في النهاية إلى تطبيع العلاقات بين البلدين. كجزء من زخم تعزيز اتفاقيات السلام والتطبيع مع دول الخليج وأفريقيا، فإن لـ “إسرائيل” والسعودية مصالح عديدة مشتركة لاتفاقية مماثلة.

تطورت هذه العلاقات بين بشكل سري على مر السنين في عدة قنوات: أمنية – استخباراتية، التي أظهرت بوضوح التقارب الكبير وشبه الرسمي بين البلدين، إذ يُحركها بالأساس “التصدي للنزعة التوسعية الإيرانية”، وقناة اقتصادية – تجارية، حين ظهرت في السنوات الأخيرة أيضًا قناة تركز على الحوار بين الأديان. (1) 

بالإضافة إلى العلاقات السرية بين “إسرائيل” والسعودية، فقد شهدنا مع مرور الوقت علاقات علنية، تشمل اجتماعات بين كبار المسؤولين من كلا الجانبين، وخاصة أولئك الذين شغلوا سابقًا مناصب رسمية، مثل، لقاء المدير العام لوزارة الشؤون الخارجية “الإسرائيلية”، دور غولد، والمستشار السابق لرئيس الاستخبارات السعودية، أنور عشقي، في مؤتمر لمجلس العلاقات الخارجية (CFR) في واشنطن لمناقشة التهديد الايراني. بالإضافة إلى تدخل ودعم بعض كبار الضباط السعوديين لمفاوضات السلام بين البحرين والسودان مع “إسرائيل”. (1)

التنسيق الأمني الخفي

يحظى البلدان بتاريخ طويل ومشترك من التنسيق الأمني الخفي، فبحسب الصحافة الإسرائيلية فقد كانت بداياته على الأقل منذ حرب 1967، وهناك أدلة كثيرة على أن المملكة العربية السعودية اعترفت بحدود “إسرائيل” عقب الحرب، وإن لم يكن ذلك رسميًا وعلنيًا.

كما حاولت السعودية شراء أسلحة متطورة – F-16s  من “إسرائيل” في السبعينات، إضافة إلى مبادرة السلام الأولى لحل الصراع العربي الإسرائيلي في سبتمبر 1981 المرفوضة إسرائيليًا بشكل قاطع، ثم مبادرة السلام الثانية التي أعلن عنها الوصي الملك عبد الله في فبراير 2002، في ذروة الانتفاضة الفلسطينية والتي لم تستجيب “إسرائيل” لها أبدًا. تضمنت المبادرة الثانية بالاعتراف بـ “إسرائيل” وتطبيع العلاقات معها بشرط انسحابها إلى حدود عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها “القدس الشرقية”. (7)

في العقدين الأخيرين، شكل التهديد الإيراني على “إسرائيل” وعلى هيمنة السعودية في المنطقة عنصرًا رئيسيًا لبداية تنسيق أمني شبه علني بين البلدين، وبرز ذلك عقب حرب لبنان الثانية صيف عام 2006، بعد أن شهدت المملكة التي تعتبر زعيمة للعالم الإسلامي السني مخاوف هيمنة إقليمية من الشيعة، مثل حزب الله في لبنان والشيعة في العراق، الذين تقودهم إيران. (4)

أمّا مع تعيين نجل العاهل السعودي محمد بن سلمان وليًا للعهد عام 2015، الذي رافقه إتمام الاتفاق النووي الإيراني، كشف عن محور مشترك بين الرياض والقدس (المادة العبرية أوردت كلمة القدس على أنها عاصمة لكيان الاحتلال)، يتم من خلاله التنسيق والاعتماد على الرسائل نفسها بكل ما يتعلق بالتعامل مع التهديد الإيراني، فقد صرح وزير الخارجية السعودي حينها عادل جبير أن “إيران تستخدم حزب الله  كأداة للسيطرة على لبنان، الأداة التي تستخدمها إيران للتدخل في سوريا مع حماس والحوثيين”، وبالمثل قال نتنياهو “إيران بدأت بعمليات متقدمة للسيطرة على العراق واليمن، وهي في الواقع تسيطر على لبنان”. (2)

وظهرت هذه العلاقة أيضًا بشكل علني في مقابلة رئيس الأركان الإسرائيلي غادي ايزنكوت مع موقع إيلاف السعودي، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها مقابلة ضابط إسرائيلي كبير من قبل وسائل الإعلام في المملكة، التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”.

وصرح ايزنكوت أن هناك اتفاق كامل بين “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية، مضيفًا “إسرائيل لن تتوانى عن تقديم معلومات أمنية للبلاد العربية المعتدلة لمواجهة إيران في الخليج”. (3)

كما أن موشيه يعالون، وزير الأمن الإسرائيلي السابق، كان قد أكد كلام ايزنكوت، بقوله “ليس بدون سبب سمعنا المتحدث السعودي يتحدث بالعربية ما نقوله بالعبرية. نحن ببساطة نرى الإيرانيين عدوًا مشتركًا، والنظام الإيراني نفسه الذي يدعو إلى محو “إسرائيل” من الخريطة يهدد النظام السعودي […] يمكننا أن نفترض أنه مثلما نرى العلاقة حتى لو لم تكن علنية بالكامل ولكنها ليست مخفية بيننا وبين الأردنيين ومصر”. وأضاف يعالون أن “الجزء الأعمق هو بلا شك الجزء الأمني […] لن أتفاجأ إذا حدث ذلك، (تطبيع علني بين السعودية و”إسرائيل”)، ولن أتفاجأ إذا كان في المستقبل القريب”. (2)

فكرة التطبيع

لم تأت العلاقة الإسرائيلية السعودية على حساب علاقات المملكة مع الفلسطينيين، فقد عرف الملك سلمان بن عبد العزيز باهتمامه بالقضية الفلسطينية، وكان ذلك واضحًا بمحاولاته توحيد العالم العربي والإسلامي ضد فكرة التطبيع مع “إسرائيل” ما دامت خطة السلام العربية لم يتم تنفيذها بعد.

(خطة السلام: المبادرة السعودية لعام 2002)

منذ السبعينيات، توسطت المملكة العربية السعودية بين منظمة التحرير الفلسطينية والولايات المتحدة، بهدف إقناع الفلسطينيين بالانضمام إلى مفاوضات السلام من أجل الاستقرار في الشرق الأوسط، كما أن السعودية قد تبرعت على مدار السنين بمبالغ سخية للفلسطينيين. (2)، (5) إلا أنه بعد 40 عامًا من طرح خطة السلام، ومع تعيين محمد بن سلمان وليًا للعهد، تقترب المملكة العربية السعودية من اعتراف رسمي وعلني بـ “إسرائيل” بدون تحقيق الشروط.

وكشفت الصحف الإسرائيلية أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لعب دورًا كبيرًا في تمهيد تطبيع العلاقات بين الإمارات و”إسرائيل”، خفية عن والده الملك سلمان بن عبد العزيز. ووفقًا لتقرير صحيفة معاريف، فقد نشأ خلاف جاد بين الملك سلمان بن عبد العزيز وابنه ولي العهد محمد بن سلمان، بعد الكشف عن إبرام اتفاقية سلام بين الإمارات و”إسرائيل”. وبحسب التقرير، فإن الأمير لم يشاطر والده الأمر، خشية من أن يحاول الملك عرقلة الصفقة، بسبب مواقفه التقليدية والمحافظة تجاه حل القضية الفلسطينية. (5)

كما أن نجل العاهل السعودي  قد اعترف علنًا بحق “إسرائيل” في الوجود وهاجم القيادة الفلسطينية بشكل مخالف للعادة، متهما إياها بتفويت فرص السلام والفساد واتخاذ قرارات خاطئة وتجاهل المساعدة السخية من دول الخليج – وخاصة السعودية – للقضية الفلسطينية. (6)

صفقة القرن

في بيان لوزارة الخارجية السعوديةـ صرحت المملكة العربية السعودية أنها تقدر و”ترحب بجهود الإدارة والرئيس ترامب لوضع خطة سلام شاملة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وتشجع الطرفين على فتح مفاوضات مباشرة بوساطة أمريكية”. وجاء في البيان “ندعو الأطراف إلى حل أي خلافات حول مختلف جوانب الخطة من خلال المفاوضات، من أجل دفع عملية السلام والتوصل إلى اتفاق يحقق تطلعات وحقوق الفلسطينيين”. في غضون ذلك، تحدث الملك سلمان بن عبد الله آل سعود هاتفيًا مع رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن وأكد له أن المملكة ستقف إلى جانب الفلسطينيين في حماية حقوقهم. (8)

ليست “هل” بل “متى”

إقامة علاقات رسمية بين “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية ستساعد على تحقيق عدة أهداف استراتيجية لكلا البلدين، منها: تعزيز علاقات المملكة مع الولايات المتحدة، إذ لدى السعودية مصلحة واضحة في انخراط واشنطن في الشرق الأوسط لأنه عندها ستكون لديها التزام وحساسية أكبر تجاه المصالح السعودية، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، كما أن الاتفاق مع “إسرائيل” سيكون وسيلة لتعزيز هذه العلاقات.

وتتمثل هذه الأهداف أيضًا بأن التطبيع قد يحسن صورة السعودية ومكانتها الدولية التي تضررت في السنوات الأخيرة، بإظهارها كـ “إسلام معتدل”، (4) كما أن المصالح الاقتصادية، بحال تم التطبيع، يمكن للطائرات الإسرائيلية التحليق وعبور المجال الجوي السعودي وتقصير الطريق إلى الشرق، وسيتمكن أيضًا رجال الأعمال الإسرائيليين من العمل رسميًا في المملكة.

(وافقت السعودية على السماح للطائرات التجارية الإسرائيلية بعبور أجوائها في طريقها إلى الإمارات، بعد ضغط من جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاء بسبب رفض سعودي سابق “لأسباب تقنية” رويترز).

يقول شاؤول يناي، الباحث في منتدى التفكير الإقليمي في جامعة حيفا “السعودية ترى أن “إسرائيل” ليست فقط شريكًا عسكريًا استراتيجيًا، فمحمد بن سلمان يريد التخلص من النفط، ويريد بناء مدينة قريبة من “إسرائيل”، لهذا هو بحاجة لها لأنه يرى قدراتها في بناء رؤيته الاقتصادية”. (2) وتشمل هذه الأهداف، مصالح أمنية ترتكز حول التصدي للسياسة الإيرانية في المنطقة وحماية سيادة البلدين.

على الرغم من ذلك، يبدو أن التطبيع العلني لن يتم قريبًا، فالخلافات داخل المملكة هي أحد الأسباب الرئيسية لتردد السعودية في الخطو نحو التطبيع، وبينما يحتفظ الملك سلمان بالموقف التقليدي تجاه القضية الفلسطينية، يبدو أن ولي العهد يدعم نهج الإمارات.

بذلك، فهو يمثل جيل القيادة الشابة التي لم تعد مستعدة للالتزام بحل القضية الفلسطينية. (7) إذ صرح مستشاران مقربان من الأمير إنه يريد التوصل إلى اتفاق مع “إسرائيل”، لكنهما يعلمان أنه يكاد يكون مستحيلاً طالما أن الملك على قيد الحياة. (8)

سبب رئيسي آخر، سيكون لتطبيع السعودية مع “إسرائيل” عواقب اقتصادية وخيمة بصفتها “حارسة الأماكن المقدسة في الإسلام، مكة المكرمة والمدينة المنورة”، (7) لهذا يبقى سؤال التطبيع بين السعودية و”إسرائيل”، مسألة “متى” وليس “هل؟”.

 

المصادر:

(1) “جلوبس”: https://bit.ly/34b1Vtn
(2) “كان”: https://bit.ly/3nk7gpR
(3) “هآرتس”: https://bit.ly/3gN3H9k
(4) “معهد دراسات الأمن القومي”: https://bit.ly/3qSP0Gl
(5) “معاريف”: https://bit.ly/3ag7FGp
(6) “هآرتس”: https://bit.ly/2Wg1Kso
(7) “واللا”: https://bit.ly/2WbC9AP
(8) “يسرائيل هيوم”: https://bit.ly/3moPAZa