مقدّمة العسّاس |

تناول عددٌ لا بأس بهِ من المحللين السياسيين الإسرائيليين مؤخرًا، اتفاق التطبيع بين “إسرائيل” والسودان في سياق عمليّات التطبيع الجارية بين مؤيّدٍ للاتفاق ومعارض، إذ كان أبرز ما تصدّر النقاش هو المقارنة بين اتفاقيْ التطبيع بين “إسرائيل” وكلٍ من الإمارات والسودان.

وتأتي هذه المُقاربات الإسرائيليّة بُغية توضيح مواضع الاستفادة الاسرائيليّة من كلّ اتفاق ووضعها في ميزان الربح والخسارة.

هذه المادة تعرض التحليلات الاسرائيليّة لاتفاق التطبيع السوداني الإسرائيلي، وتشرح طرق تعاطيها معه.

إعداد العسّاس | 

السلام مقابل لا حرب

 تميّز الاتفاق مع الإمارات بالوُدّ المُتبادل بين الطرفين على مستوى الحكومات الذي سرعان ما تمّ توريط الشعب الإماراتي فيه، لا سيّما وأنّ الاتفاق اقتحمَ كُل المجالات السياسيّة والاقتصادية والسياحيّة.

في المقابل، نشهد في السودان انقسامًا حادًا في الآراء على مبدأ الاتفاق مع “إسرائيل” بين المجلس العسكري الذي يدفع باتجاه الاتفاق والحكومة المدنيّة التي تُعارضه بشدّة. (1)

نأي بالنفس في مُقابل حسابات سلبيّة

 نأت الحكومة الإماراتيّة تاريخيًا بنفسها عن الصراع، إذ لم تَحدُث أي مواجهة مُباشرة بينها وبين “إسرائيل”، في مُقابل تاريخ سوداني حافل بداية من حرب أكتوبر 1973، التي شاركت فيها قوات سودانيّة، مُرورًا بدعم المقاومة الفلسطينيّة التي استقبلتها على أرضها وفتحت لها مكاتب لم تُغلق سوى عام 2019. (2)

إضافة إلى ذلك، هناك سيل من العمليّات التي قامت بها المُقاومة الفلسطينية كان مهدها الخرطوم، رفقة للسماح لإيران ببناء بُنية تحتيّة لصناعة الأسلحة (وفق الاتهام الإسرائيلي) وتهريبها لحركتي حماس والجهاد في غزّة.

كما أن القمّة العربيّة التي كانت من أهم مُخرجاتها “اللاءات الثلاثة” صدرت من السودان وعُرِف المؤتمر بمُؤتمر الخرطوم.

من يدفع الثمن؟

 السلام مع الإمارات كان بمُبادرة أميركيّة، دفعت مقابلها “إسرائيل” الثمن البخس، مثل الادعاء في الإعلام بتجميد خُطّة الضمّ، في مقابل مسار التطبيع مع السودان الذي بادرت له “إسرائيل” ودفعت مُقابله الولايات المُتحدة، أيضًا ثمنًا بخسًا، تمثّل بتقديم وعود بإخراج السودان من قائمة الإرهاب ومُساعدة ماليّة لدولة تُعاني من أزمة اقتصادية كبيرة.

هكذا، على عكس الإمارات التي وصلت مراسيم التوقيع مُنتشية وسعيدة، نرى السودان تُجرّ جرًا إلى التوقيع.

تطبيع سلس مُقابل آخر مُتردد

 تمّ التطبيع مع الإمارات بشكلٍ سريع، من خلال إعلان علني في أغسطس/آب وتوقيع رسمي في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول، مع توقيع سريع على الاتفاقيات التجاريّة، وسفر مُباشر وعلاقات أكاديمية، وفقط فيروس كورونا كان العائق أمام السياحة وتبادل الطُلاب.

 في المُقابل هناك طريق طويل مع السودان، في انتظار الموافقات والاتفاقيّات، كما أن التوقيع الرسمي غير مُحدّد بعد، والشارع السوداني الذي يَجرّه المجلس العسكري رغمًا عنه، من غير المُتوقّع أن يتجاوب كما تجاوب الشارع في دُبي وأبو ظبي.

الدعم الشعبي للقضيّة الفلسطينيّة، فضلًا عن الوضع السياسي الهش في البلاد والقائم منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير العام الماضي، تعد بمثابة أثقال وأوزان في اعتبارات عمليّة التطبيع.

اقتصاد السودان مُقابل دول الخليج

 يُعدّ اقتصاد الإمارات اقتصادًا ريعيًّا، إذ يعتمد على الموارد الطبيعيّة، وهو ما يوفّر لها القُدرة الشرائية، وهذا ما ظهر بشكل واضح في الاتفاقيّات الاقتصاديّة مع “إسرائيل”، مثل شراء القُدرات التكنلوجيّة الإسرائيليّة ومنها الأسلحة وأجهزة المُراقبة وبرامج التجسس.

في حين أن السودان واحدة من أفقر ثلاث دولٍ في أفريقيا، ولا زالت تُعاني من آثار الحرب الأهلية المُمتدة لأكثر من عقدين.

القطاع الاقتصادي الأهم في السودان هو قطاع الزراعة، إذ يصبّ النيليْن في العاصمة الخرطوم، وعلى طولهما مساحة كبيرة من الأراضي الزراعيّة الخصبة.

ووفق تصريحات عديدة، فإنّ السعوديّة، الشريكة من وراء الكواليس، ترى بالأراضي السودانيّة حلًا لمشاكل أمنها الغذائي، وهي على أتّم استعداد لتستثمر بهذا الاتجاه بالتنسيق مع “إسرائيل” لاستغلال الأراضي السودانيّة.

أراضٍ سودانيّة، وأموال الخليج، واللاعب الجديد “إسرائيل”، بواسطة قُدراتها التكنلوجيّة، في مشهد سريالي يستفيد فيه الجميع عدا السودان. 

في مُقابل كُلّ هذا، تكمن أهميّة التطبيع مع السودان في انفتاح “إسرائيل” على العالم العربي والإسلامي وفي إحكام قطع اتصال السودان مع إيران، وتقليص قُدراتها الأمنيّة والاقتصادية.

على المدى الطويل، تُعتَبر السودان جسرًا بين شمال أفريقيا وجنوبها، مما يفتح الطريق أمام استفادة إسرائيليّة مهولة على المستويات الاقتصادية والأمنيّة والسياسيّة، إضافةً إلى تقليص مساحات المُناورة الفلسطينيّة في العالم العربي إذا ما نجحت “إسرائيل” من تطوير تطبيعها مع السودان. (3)

يظهر من كلّ هذا، أنّ الشارع السوداني ذو توجه عُروبي رافض للعلاقة مع “إسرائيل”، يُسحَب نحوها سحبًا من قِبَل المجلس العسكري.

إلا أن ما تسعى إليه “إسرائيل” من التطبيع مع السودان هو التأثير التدريجي على وعي الشارع السوداني المُعادي لها تاريخيًا، وتقليص مساحات المُناورة الفلسطينيّة على مُستوى العربيّ، وانفتاح جُغرافي على أفريقيا يُمهِد لانفتاح اقتصادي وسياسي، وتصفية الوجود الإيراني في المنطقة. (4)

إقرأ/ي أيضًا:
بذور التطبيع السوداني

المصادر:

(1) “ واينت”: https://bit.ly/2KF25m6
(2) “يسرائيل هيوم”: https://bit.ly/3fzFK4T
(3) “غلوبس”: https://bit.ly/39fMnYI
(4) “واينت”: https://bit.ly/3758luZ