مقدّمة العسّاس |

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي انتهاكات عديدة تصل إلى مستوى جرائم حرب ضد المظاهرات السلمية التي انطلقت في قطاع غزة في آذار 2018 تحت عنوان “مسيرات العودة الكبرى”، واستمرت لنحو سنتين راح ضحيتها 215 شهيدًا و7996 مصابًا بالرصاص الحي.

هذه المادة تستعرض أهم وأقسى شهادات قناصة الاحتلال الإسرائيلي حول سياسات الجيش التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان.

إعداد العسّاس | 

تحت عنوان “أرسلتمونا لنطلق الرصاص الحي على 8,211 متظاهرًا، أصغوا إلينا الآن”، نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية شهادات حية من قناصة في الجيش يروون فيها كيف استهدفوا المتظاهرين بشكل مباشر بناءً على أوامر من القيادة العليا، التي نصت حرفيًا على التصويب نحو الركبة وتفتيتها، مما سبب عاهة مستديمة للمتظاهرين.

وتراوحت الأهداف بين الفتيان الذين حاولوا الاقتراب من الشريط الحدودي، والمتظاهرين المركزيين الذين اتّهمتهم “إسرائيل” بالتحريض ولقّبتهم بـ “المحرضين المركزيين”، رغم عدم حملهم السلاح ولا اقترابهم من الشريط الحدودي.

تفاخر بالقنص

يقول القناص عيدين (اسم مستعار)، الذي تم تسريحه من وحدة غولاني في خريف 2019، وأمضى فترة غير بسيطة على الحدود مع قطاع غزة وكانت مهمته منع المتظاهرين من التقدم نحو الشريط الحدودي، “أعلم بالضبط كم ركبة أصبت، احتفظت بغلاف كل رصاصة أطلقتها وأصابت هدفها، أحتفظ بهم في غرفتي لهذا لست بحاجة للتقدير، أصبت 52 ركبة إصابة مؤكدة، وهناك حالات لم تتوقف بها الرصاصة وواصلت طريقها لتصيب ركبة أخرى في الخلف”.

 وعند سؤاله عمّا إذا كانت الـ52 إصابة رقمًا كبيرًا قال “لم أفكر بالأمر، هذه ليست مئات الاغتيالات كما في فيلم “قناص أميركي”، نتحدث عن ركاب بشر، لا أقلل من قيمة الأمر، نعم أطلقت النار على أُناس، لكن ليس الأمر بهذا السوء”.

وأجاب عندما سُئل عن ترتيبه في الوحدة: من ناحية الإصابات المؤكدة، كنت صاحب الرقم الأعلى، كانوا يسخرون مني ويشيرون إليّ قائلين “ها هو القاتل”، وعندما أعود من الميدان يسألونني “من أصبتَ اليوم”، عليك أن تدرك أنه قبل وصولنا إلى المنطقة كانت إصابة الركبة أمرًا ليس باليسير، تناقل الجنود الحديث عن أحد القناصة الذي أصاب 11 ركبة وقيل إن أحدًا لن يستطيع تجاوز هذا الرقم، وعندها جئت وأصبت سبعة أو ثمانية ركاب في ذات اليوم، كنت على وشك كسر رقمه القياسي خلال ساعات.

ولم يرَ عيدين أي مشكلة فيما فعل، مضيفًا: “أنا مؤمن من أنّي كنت على الجانب الصحيح، لأنه في حال لم نتواجد هناك، كان “المخربون” سيعبرون الشريط الحدودي. من الواضح أننا لم نكن هناك عبثًا”.

يوم نقل السفارة الأميركية

ويؤكّد عيدين أن أكثر يوم وقعت فيه إصابات بالركبة كان يوم نقل السفارة الأميركية للقدس، وتم ذلك بجهود مشتركة من القناص والمراقب. والمراقب هو قناص محترف كذلك، تكون وظيفته تزويد القناص الرئيسي بالمعلومات والمعطيات (المدى، البعد، اتجاه الريح وغيرها). يوضّح “وصلنا سويًا في ذلك اليوم إلى أكبر عدد من الإصابات، 42 إصابة بالمجموع، لم يكن على المراقب المرافق لي إطلاق الرصاص، لكني شجّعته لأننا وصلنا إلى نهاية السباق ولم يحصل على أي ركبة بعد، في النهاية عليك أن تخرج مع شعور أنك قدمت شيئًا وليس مجرد قناص للتدريب، اقترحت عليه تبادل الأدوار وأصاب نحو 28 ركبة”.

ويذكر عيدين المرة الأولى التي أصاب فيها ركبة شخص أمامه، كان يبعد عنه نحو 20 مترًا، وكان لم يتلقَ الأمر بالإطلاق بعد، ويدّعي القناص أن “المتظاهر نظر نحوي باستفزاز، وقف مقابلي ونظر إليّ كمن يقول أرني ماذا تستطيع أن تفعل، وعندها جاءت الأوامر، قائد الكتيبة فوقي ونائبه على يساري، وعلى يميني الضابط المسؤول، وهناك الكثير من الجنود حولي، كل العالم ينظر إلي أطلق للمرة الأولى، أمر يبعث على التوتر، أذكر منظر الركبة في المنظار، رأيتها تتفتت”.

الأوامر

ويروي روعي، وهو قناص في وحدة جفعاتي، أن أكثر إصابة يذكرها هي عندما أحيط بحشد كبير من الجمهور، ويقول إن “ضغطًا كبيرًا وقع علي، وصل نائب قائد الكتيبة، وكان هناك فلسطيني في العشرين من العمر على الأغلب، يلبس قميصًا ورديًا وبنطالًا رماديًا، لم يتوقف عن الحركة، وكان هو المحرض الأكبر. أذكر القلق من أن أخطئ ساقه أو أصيب شخص خلفه، وبالتالي أخسر التسهيلات المتعلقة بالإصابة الدقيقة”.

وتابع “رأيت شخصًا اقترب نحو 100 متر من الشريط الحدودي حيث يقف زملائي، ووقف هناك ليشعل زجاجة حارقة، في هذه الحالة لا تفكر كثيرًا. على الفور أجريت الاتصال وشرحت الوضع، حصلت على الإذن لإطلاق النار وتوترت، كل ما تعلمته وتدربت عليه يصب في هذه اللحظة، تنكمش وتذكر نفسك بضرورة التنفس المناسب، وعندها تطلق، أصبت ركبته وسقط، تأكدتُ أن كل شيء على ما يرام وأن الإصابة كانت دقيقة”.

ويتابع “كانت التعليمات أن نواصل النظر بعد إطلاق النار لنتأكد من تحقيق الهدف، ونبلّغ عن الإصابة فقط بعد التأكد منها بنظرة ثانية، النظر مرة أخرى بعد الإصابة هو الجزء الأسهل، أو للدقة، هو الجزء الذي يمنحك الراحة، لأنه في مثل هذه الحالة، كان المخرب يبعد نحو 100 متر عن زملائي ولم يكن الأمر ليمضي على خير”.

قتل المواشي

ولم يكن تجنيد القناصة لإطلاق النار في المظاهرات فقط، بل وصل حتى إطلاق النار على المواشي. إذ يروي أمير، قناص آخر في الجيش باسم مستعار، أنه “حتى في الأوقات التي لا تنظَّم فيها المظاهرات ويكون الوضع هادئًا نسبيًا، يتم استدعاؤك مع دورية عند اقتراب أحد رعاة المواشي من الشريط الحدودي، ولتكن مدركًا أن هؤلاء ليسوا رعاة بلهاء، بل يعملون مع حماس والجهاد الإسلامي لمضايقتك واستفزازك. يقتربون من الشريط ليروا رد فعلك، ترسل مركبة لتهديده؟ حتى تصل المركبة يكون قد اختفى. تطلق النار بالهواء؟ لا يعنيه أبدًا. وبسبب هذا الهراء لا تنام أبدًا وتتحول وحدة كاملة إلى دمية بيد راعي مواشي”.

ويتابع “ذات يوم قال أحد الضباط في الوحدة أنه لا يمكن أن يستمر هذا الوضع، ويجب أن نقتل إحدى مواشيه التي يبلغ ثمنها بضعة آلاف. وعندها جاء جندي قناص يمتهن الموسيقى ودرس في ثانوية عالية المستوى، تحدث باللاسلكي مع المراقبة وقال لها هل ترين النعجة من ناحية اليسار، أنظري كيف ستسقط. ومنذ ذلك الحين لم يعد الراعي إلى المكان”.

المصادر:

(1) هآرتس