مقدّمة العسّاس |

لم تدّخر السلطات الإسرائيلية جهدًا منذ احتلال كامل مدينة القدس عام 1967 لتهويد القسم الشرقي منها وضمّه للسيادة الإسرائيلية الكاملة، لكنّها حتى اليوم، ورغم إعلانها القدس بشرقها وغربها عاصمة لها، لم تنجح في هذه المساعي، وأيضًا لم تتوقف عن المحاولة.

ولتهويد شرق القدس خطوات عدّة؛ سواء عن طريق الاقتصاد أو مناهج التعليم أو سوق العمل أو الصحة، وكان للقطاع الأخير نصيب كبير من المخططات الساعية لجعله تابعًا بالكامل لوزارة الصحة الإسرائيلية.

هذه المادة تتحدث عن المساعي الإسرائيلية لضم قطاع الصحة في القدس إلى سيطرتها بالكامل، وتعرض أيضًا الإشكاليات التي تقف أمام ذلك.

إعداد العسّاس | 

الضم الزاحف لقطاع الصحة 

في مقال نشرته صحيفة “ذا ماركر”، ذكرت رئيسة تحرير الصحيفة، ميراف أورلوزوروف، أنه “رغم مرور أكثر من 52 عامًا على ضم شرقي القدس، إلا أن ملامح السيادة الإسرائيلية لا تزال ضئيلة، إذ أن القسم الشرقي لا يزال في وضع مبهم، بين معنا وليس معنا. أكثر من 340 ألف شخص يحملون شهادات إقامة ويشكلون ثالث أكبر مدينة في “إسرائيل” من ناحية عدد السكان، لكنهم لا يحملون المواطنة الإسرائيلية، وفي حين يجب أن يقتصر الفارق بين الإقامة والمواطنة على التصويت للكنيست وحمل جواز السفر، يدور الحديث هنا على فجوة كبيرة في الحقوق”.

وتابعت أورلوزوروف، أنه يحق لسكان شرق القدس “كمواطنين” كامل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: التعليم، الصحة، الرفاه، مخصصات التأمين الوطني، الأمن وغيرها. ولكن، لا تقدم “إسرائيل” شيئًا من هذه الخدمات، سواء مخصصات التأمين أو الخدمات الصحية، وحتى الأخيرة فإنها لا تقدم بشكل مباشر، إذ تعمل صناديق المرضى الإسرائيلية بطريقة مزود الخدمة الثانوي، أي أنها لا تفتتح العيادات وتشغلها كما تفعل في كل المدن والبلدات الإسرائيلية، بل تستعين بمزودي خدمة ثانويين لتشغيل العيادات التي تحمل اسمها وتوفير خدمات الصحة للسكان. (1)

الخطر في حال رفض العلاج الإسرائيلي

كشف تقرير أعدّته منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” عن الخطر الذي يواجه الفلسطينيين في شرق القدس في حال أصرّوا على الخدمات الصحية الفلسطينية عوضًا عن الإسرائيلية، والكيفية التي تعمل بها “إسرائيل” على وضع حواجز مدروسة تخدم هذا الهدف، بدءًا من جدار الفصل العنصري، ووصولًا إلى الحواجز ووقت الانتظار الطويل الذي يعتبر أثمن ما يملك المريض في حال الخطر. 

ومن ضمن هذه العوائق، وصول سيارات الإسعاف إلى المستشفيات، الأمر الذي يجب أن يتم بسرعة فائقة، إلا أنّ هذا النقل لا يتم بذرائع مختلفة، أبرزها الخطر الأمني، حيث لا تصل سيارات الإسعاف التابعة لنجمة داوود الحمراء إلى أحياء القدس الشرقية التي خلف الجدار، ويُستعاض عنها بسيارات خاصة أو سيارات إسعاف بدائية تواجه عراقيل الحواجز العسكرية والجدار. (2)

خنق المستشفيات الفلسطينية

وأظهر التقرير الذي أعدّته المنظمة أيضًا، كيف تعمل السلطات الإسرائيلية على خنق المستشفيات الفلسطينية في شرق القدس، لكي يصبح الفلسطينيون في شرق القدس رهينة بيد وزارة الصحة الإسرائيلية في كل المراحل، سواء العيادات أو صناديق المرضى، ووصفَ هذه العملية بالموت البطيء للمستشفيات.

وذكر التقرير أن السلطات الإسرائيلية تضع العراقيل والعقبات في طريق السكان الفلسطينيين للمستشفيات الفلسطينية، وأبرزها مستشفى المقاصد ومستشفى الهلال الأحمر، وتبسطها أمام المستشفيات الإسرائيلية. 

ولا تكتفي السلطات الإسرائيلية بمحاولة سلب المرضى من المستشفيات الفلسطينية فحسب، بل تمنع وصول المرضى الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة عبر الجدار والحواجز، ويعتبر هذا مصدر دخل كبير.

ووفق التقرير، وصل في عام 2002 إلى المستشفيات والعيادات الفلسطينية في شرق القدس، 344٫172 مريض من الضفة الغربية وقطاع غزة، في حين انخفض هذا العدد إلى النصف تقريبًا في عام 2003، إذ استقبلت هذه المستشفيات والعيادات 177٫500 مريضًا فقط. 

وتعمد السلطات الإسرائيلية إلى قطع مصادر التمويل عن هذه المستشفيات، التي تعتمد بالأساس على مصادر عدّة: السلطة الفلسطينية، والأونروا، والتأمين الوطني الإسرائيلي (قسم التوليد لمن يحمل الإقامة الإسرائيلية)، والعلاج الخاص، والتبرعات. ومن خلال قطع طرق المرضى إلى هذه المستشفيات، تضعها “إسرائيل” في ضائقة مالية مستمرة ستؤدي في النهاية إلى إغلاقها، ليصبح الفلسطينيون في شرق القدس رهينة بيد المؤسسة الصحية الإسرائيلية، ولن يكون أمامهم أي خيار بديل. (3)

خطر على “إسرائيل” 

أمّا في ظل انتشار فيروس كورونا، فيرى مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أنّ على “إسرائيل” الاستثمار في المستشفيات الفلسطينية في شرق القدس، من أجل الحد من انتشار الفيروس وخطره على “إسرائيل”. 

ويرى المركز أن تفشّي وباء كورونا في الضفة الغربية وقطاع غزة من شأنه أن يشكل خطرًا أمنيًا لا يستهان به على الاحتلال، وأن عليه العمل على مكافحة انتشاره في هذه المناطق؛ لأن لا قدرة لحماس أو للسلطة الفلسطينية على فعل ذلك، كما أن انتشار الفيروس سيجعل من المنطقتين قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، وانفجارها سيمس بـ “إسرائيل” بشكل كبير. 

وبحسب مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، فإن على “إسرائيل” أيضًا تقوية المستشفيات الفلسطينية وإمدادها بالمعدات والطواقم الطبية اللازمة، كونها تعتبر عاملًا أساسيًا في الجهاز الصحي الفلسطيني، كما عليها معالجة المرضى من الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس. 

وفي حال تفشي الوباء، فسيكون العبء الأكبر على هذه المستشفيات، إذ ستُنقَل إليها معظم حالات الإصابة بالفيروس، ولا يمكن الاعتماد على المرافق الصحية في المدن الفلسطينية في الضفة والقطاع.

وفي حال لم تنقل معظم الحالات لمستشفيات القدس، سينهار جهاز الصحة الفلسطيني الضعيف أساسًا، وبالتالي ستنهار باقي القطاعات، خاصة البنى التحتية والاقتصاد، ويصبح الوضع بالنسبة لـ “إسرائيل” أكثر خطورة.

المصادر:

(1) “ذي ماركر”: https://bit.ly/35mEP2Y
(2) أطباء لحقوق الإنسان: https://bit.ly/37zqva9
(3) أطباء لحقوق الإنسان: https://bit.ly/3mfDQsh