. 01 أغسطس 2020

إيلي كوهين: الرحلة من الأرجنتين إلى دمشق

مقدّمة العسّاس |

يقدّم العساس سلسلة الجاسوسية التي تتناول خفايا أبرز الجواسيس بين “إسرائيل” والعالم العربي (سوريا ومصر على وجه التحديد)، متقصيًا المراجع الإسرائيليّة حولهم، ويبدأ هذه السلسلة بمادة من جزئين حول الجاسوس الإسرائيلي الأشهر إيلي كوهين.

طالما تغّنت “إسرائيل” بجاسوسها الياهو شاؤول كوهين، الذي تمكّن من التخفي تحت اسم “كامل أمين ثابت” لسنوات داخل سوريا، واستطاع التقرّب من صناع القرار بالحكومة السورية. إلا أنه ومع مرور السنوات بدأت المراجع الإسرائيلية بتقفي أثر الجاسوس كوهين، وكشف النقاب عن خفايا العملية الاستخباراتية المرتبطة به، التي تفنّد محاولات الأسطرة المخابراتية وتضع مسألة التفاخر الإسرائيلي بإنجازها في موضع الشك.
من هو إيلي كوهين؟ وما هي التفاصيل التي أدت إلى فضح أمره؟

هذه المادة تعرّف بإيلي كوهين، أبرز جواسيس “إسرائيل” الذين تم زرعهم في الوطن العربي، وتكشف مزاعم تعظيم إنجازه، والتفاصيل التي أدت إلى فضح أمره ثم إعدامه.

إعداد العسّاس | 

تعتبر “إسرائيل” إيلي كوهين، الذي تطلق عليه اسم “رجلنا في دمشق” واحدًا من أهم جواسيسها وأعظم إنجازاتها في حرب المخابرات مع العالم العربي، لا سيما مع وصوله لمنصب رفيع في سوريا قبل شنقه في دمشق عام 1965، تحت اسم كامل ثابت أمين.

وأنتجت “إسرائيل” عنه فيلمًا وثائقيًا ومسلسلًا، إضافة إلى كل ما كتب ونشر عنه في الصحافة العبرية وفي موقع إنترنت يحمل اسمه، فما هي قصة هذا الجاسوس؟

التجنيد:

استغلت “إسرائيل” الانقلابات العسكرية المتعددة في سوريا لزرع جاسوس فيها، إذ جنّد الموساد، في 24 أيار 1960، إيلي كوهين لهذه المهمة، وتم تدريبه على تقوية الذاكرة والتمويه والإفلات من المراقبة والتنكر والتخفي والتصوير بتكنولوجيا الميكروفيلم والتأقلم في المجتمع والبيئة السورية، وتعلم العادات العربية والإسلامية والصلاة وزيارة المساجد والقرآن، وكذلك بناء قصة تغطية.

بعد الدورات التدريبية المكثفة، سافر بجواز سفر فرنسي إلى سويسرا، ومن هناك إلى يونس آيريس في الأرجنتين عن طريق داكار “السنغال”، حيث بدأ ببناء غطائه كابن مهاجر سوري ورجل أعمال ناجح، وبنى علاقات مع الجالية العربية هناك حتى تعرف على أمين الحافظ خلال حفل عيد ميلاد الملك حسن، ملك المغرب، وحصل منه على توصية للسفر إلى دمشق والإقامة فيها.

غادر كوهين الأرجنتين في 24 أغسطس/آب 1961، وبعد شهر ونيف من وصوله، قام مأمون الكزبري بانقلاب عسكري تولى بعده السلطة، وأنهى الوحدة مع مصر.

وقبل دخوله إلى سوريا، قضى عطلة قصيرة توفي والده خلالها، وبعد أيام الحداد “سبعة أيام لدى اليهود”، فارق عائلته إلى الأبد متجهًا إلى سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 1961، ثم سافر إلى أوروبا مرة أخرى، وأبحر إلى بيروت عن الطريق الإسكندرية في مصر. (1)

رسالة زميله “فريد”

في عام 2010، تلقت عائلة كوهين في “إسرائيل” رسالة باللغة الإنجليزية تمتد على 6 صفحات، من شخص يدعى فريد، يمدح فيه الجاسوس لأنه لم يوقع برفاقه في الشبكة ولم يذكر أسماءهم، لكن في “إسرائيل”، لم يعرف أحد من هو فريد ولا ماذا كان دوره مع إيلي كوهين، وإن كان له أي علاقة باعتقاله وإعدامه وفضح الشبكة.

جاء في بداية رسالة فريد، هو اسم مستعار لتفادي أي تعقيدات في حال علمت السلطات السورية: “عرفت كامل (اسم كوهين في سوريا) في سنواتي العشرين، كان صديقًا لكثير من أقربائي، وسمعت الكثير من الأحاديث عنه، وبعد اعتقاله، اعتقل أقربائي أيضًا وكانوا على وشك الموت”.

وأشار فريد إلى زيارته الشقة التي عاش فيها كوهين عدة مرات، التي استأجرها من وحيد قطب، وكان فيها “سرير حديدي واحد وخزانة من بابين وكاميرا من طراز كانون وراديو ماركة زنيت غالي الثمن، أمّا في المطبخ كانت ثلاجة وفرن وغاز وطاولة صغيرة عند مدخل المنزل، بينما باقي الغرف كانت فارغة، لقد عاش حياة متواضعة”. (2)

بداية الشك وارتكاب الأخطاء

 وفق الرسالة، بدأ المقربون منه بالشك في السنة الأولى، لأنه قال لهم إنه عاد إلى سوريا من أجل الاستثمار، وطوال العام الأول لم يستثمر أي أموال، معللًا ذلك أمامهم بأنه يدرس السوق حتى الآن، وكانت إجاباته مبهمة حول مجال الاستثمار الذي يريد الخوض فيه، وأي نوع من الأعمال كان يمارس قبل عودته إلى دمشق، لا سيما أن رجال الأعمال كانوا يغادرون دمشق بسبب عدم الاستقرار بينما يعود هو بأمواله إليها.

شك المقربون منه بروايته، إذ لم يدل أي شيء في شقته على الثراء الذي تحدث عنه، كما أنه لم يملك سيارة وكان يتهرب من دفع الحساب بشتى الطرق عندما يذهب برفقة أصدقائه، ولم تكن هناك أي دلالات على أنه يملك خطة استثمارية أو خطة لبناء مصلحة تجارية، كذلك كان يقرأ الصحيفة العسكرية، التي يمكن يقرأها أحد في حينه.

ذات مرة، صعد أحد الجيران إلى السطح ووجده يمسك بجهاز كهربائي، صعق كامل من وجود الجار، وقال: إنه حاول ضبط هوائي المذياع لسماع الأخبار من خلال الإذاعة الأرجنتينية، ولم يصدق الجار الرواية، وأخبر صاحب الشقة التي يسكنها كوهين، لكنّ الأخير هدأ من روعه.

في ربيع عامه الأول في دمشق، طلب من أصدقائه أخذه إلى منطقة الحمة، وفي الطريق مروا من هضبة الجولان، طلب كوهين تصوير بعض المناطق بادعاء أنه أحب الطبيعة والمناظر الخلابة، ورغم معارضة أصدقائه لأن التصوير ممنوع لأسباب أمنية، التقط بعض الصور.

أمّا في الحمة، ارتكب خطأ رفع وتيرة الشك، وبعد أن دخل أحد ينابيع المياه الساخنة، وفقد وعيه ونقله أصدقاؤه إلى عيادة عسكرية في إحدى القواعد العسكرية القريبة، إذ لم يكن هناك مستشفى أو عيادة مدنية يمكن نقله إليها، وخلال معاينة الطبيب له فتح عينيه دفعة واحدة، وقال الطبيب في تقريره وللأصدقاء أن فقدانه الوعي مزيف وأنه كان يدعي ذلك، ما أثار المزيد من الشكوك والتساؤلات بين الأصدقاء.

ثم في صيف ذات العام، ارتكب المزيد من الأخطاء عندما قال إنه سيسافر برحلة إلى أوروبا، ومع عودته، أحضر ربطات عنق كهدايا لأصدقائه وقال لهم إنه اشتراها من أغلى المتاجر في فرنسا، وبعد مغادرته منزل أقاربه، اكتشفوا أنه يكذب لأنه نسي إزالة بطاقة السعر عن ربطة العنق، وكانت تحمل اسم محلات “الهندي” في دمشق.

في البداية، شك أقاربه أنه جاسوس مصري أو عراقي، وخشي الجميع أن تتسرب هذه الشكوك إلى السلطات وتوقعه في ورطة، في حين دافعت النسوة كبار السن عنه مبررين ذلك بالقول: إنه “ما الضرر من كونه جاسوسًا لدولة عربية؟”.

بعد ذلك، بدأ كوهين أو كامل، بالتودد لبعض السكان في حارة اليهود في دمشق وبعض الشخصيات من الطائفة الدرزية، ومن ثم التحق مع عادل السيدي، بدروس اللغة العبرية في جامعة دمشق، وبنى علاقة طيبة وقريبة مع بعض الأساتذة.

بدأ الشك يتعاظم في نفس عادل، خاصة بعد سؤاله لكامل عن سبب التحاقه بهذه الدروس، وإجابته بأنه هناك بسبب اصطياد الفتيات، ما جعله ينقل هذه الشكوك لكل الأصدقاء، وقال ذات مرة: “في حال كان ما أفكر فيه صحيحًا، سنقع كلنا في ورطة شديدة”.

ويقول فريد في رسالته، ما زاد الشك في داخلي كانت محادثة في بيتنا، كنا لوحدنا عندما قال إنه سمع من بعض معارفه أن اليهود في “إسرائيل” يعيشون ظروفًا قاسية، إذ يضطهد اليهود الغربيون اليهود الشرقيين، وفي حال امتلك أحد الشرقيين شهادة جامعية فيمكنه العمل كعامل نظافة في الحدائق العامة، إذ بدى عليه الكثير من الأسى عند الحديث، واكتست حديثه نبرة حزن.

وكذلك كان كامل “كوهين” شديد الهجوم على هتلر، على عكس كل العرب، ووصف اليهود بالمساكين لما فعله بهم، وهذا ما زاد الشك في داخلي، بحسب ما قال فريد.

الجزء الثاني| إيلي كوهين: أخطاء تنسف رواية الأسطورة

المصادر:

(1) “موقع إيلي كوهين”: https://bit.ly/2PeXVQT
(2) “معاريف”: https://bit.ly/3k21N5W

 


اقرأ أيضًا :
ملف | كورونا : "إسرائيل" تحت الحجر
منذ 5 أشهر

القدس.. كورونا لم تمنع الاعتداءات!

معهد البحوث البيولوجية: مختبر الموت

الحريديم: عنصرية عكسية!

ضَبط : ما هي وسائل الاحتلال في الضبط والسيطرة؟
تَمدّد : كيف يتمدّد الاحتلال إلى الخارج؟
مُكوّن : ما هي مكوّنات الاحتلال وركائزه؟
مُكوّن منذ 4 أسابيع

جنود “جيش لبنان الجنوبي في إسرائيل”

ما قصّة الاحتجاجات في “إسرائيل”؟

تقرير مراقب الدولة: رصد بعين واحدة

بالمختصر

تنفيذ و استضافة ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية