مقدّمة الملف |

لا تزال الجاسوسيّة وخفاياها تجتذب إلى حقلها الأقلام الصحافيّة والإعلامية والأدبية والسينمائية على مختلف وتنوّع مُنطلقاتها، إذ طالما بدا هذا الحقل موردًا يُفجّر في كل عام عنوانًا: بين تسريب جديد، وتسجيل خفيّ حصري، وكشف للمستور السريّ وغيرها من العناوين التي لا تتنوّع في مصادرها فسحب، بل تتضارب في كثير من الأحيان.

لم تقف ماكنة الموساد في موقع المتفّرج إزاء هذا الحقل، إذ حاول الجهاز الشهير دخول اللعبة تارةً على يد تعظيم إنجازات الاختراقات التي أحدثتها في صفوف الدول العربية (سوريا ومصر تحديدًا)، أو من خلال تثبيط وتفنيد روايات (شبه مؤكدة) عن اختراقات مضادة نجحت في تحقيقها المخابرات المصرية.

وامتدت هذه الأساليب إلى التسريبات الصحفية المختلفة، وإلى الأعمال السنيمائية والدراميّة التي كتبها مخرجون إسرائيليّون، كما جرى مؤخرًا مع فيلم “الملاك” ومسلسل “إيلي كوهين”.

في هذه السلسلة يقوم العسّاس بإعداد وتقديم مواد تتقفّى آثار القصّة الإسرائيلية حول أبرز الجواسيس التي استحوذت على الواجهة، سواء الإعلامية الإبداعية أو السنيمائية (ايلي كوهين، رفعت الجمال، مجموعة لافون وأشرف مروان)، وذلك بعيدًا عن التوّرط في الدعايات السياسية المختلفة أو الحماسة في المقابل.

 نتطلع إلى كشف مزاعم الرواية الإسرائيلية الرسميّة التي تبالغ في تقدير حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي، التي حاول الموساد ومؤسساته زرعها، سواء في أسطرة جواسيسه أو في محاولة إخفاء الجواسيس المضادة، وذلك من خلال تتبّع المراجع الإسرائيلية المختلفة حول الموضوع.

يعيد الملف من خلال مواد مطوّلة فتح ملفات أربعة من أبرز من تناولتهم روايات الجوسسة وهم: ايلي كوهين ورفعت الجمال وأشرف مروان وخليّة سوزانا، كنماذج نضع من خلالها الرواية الإسرائيلية المخابراتية تحت المجهر.

في الوقت الذي قامت به مؤسسات إسرائيلية مختلفة على الاعتداد بإنجازات إيلي كوهين أو (كامل أمين ثابت)، أظهرت مراجع مقابلة تواضع إنجازاته وقدراته الاستخباراتية، كما جاء على لسان ابنته نقلًا عن أحد مشغّليه، إذ أنه رفض في بداية الأمر انتسابه للموساد. 

وهذا الأمر تم الكشف عنه في سلسلة الوثائقي الأخير الذي أنتجته قناة “كان” الإسرائيلية في أيار 2020، فضلًا عن تسريب حصري لتسجيل صوتي يرجع لرئيس الموساد السابق مائير عميت، حصلت عليه قناة “12” الإسرائيلية، جاء فيه أن كوهين كانت أخطاءه الاستخباراتية قاتلة، وقد وصل الأمر حدّ تقليل أسرة كوهين نفسها بموضوعية وحيادية مسلسل “العصفور” الذي أنتجته شبكة نتفلكس وأخرجه جيدي راف في أيلول 2019 حول إيلي كوهين. 

لم يكن الأمر ببعيد عن ذلك أيضًا إزاء كشف حيثيات وخفايا الجاسوس أشرف مراون، فقد حاولت روايات إسرائيلية عدّة جعله أحد الإنجازات الاستخباراتية الإسرائيلية التي على الموساد الاعتداد بها، لا سيما أن مروان كان صهرًا لجمال عبد الناصر، وهو ما جاء في رواية الباحث الإسرائيلي، اوري بار يوسيف، التي نقلها المخرج ارئيل فورمان إلى فيلم سينمائي انتجته نتفليكس، ورغم اختلاف أحداث الفيلم عن كتاب بار يوسيف.

وأظهرت مراجع إسرائيلية أخرى أظهرت أن مروان كان عميلًا مصريًا بامتياز زرعه أنور السادات، وقد فنّد المستشرق الإسرائيلي شمعون ميدنيس رواية بار يوسيف في مناظرة شهيرة بين الاثنين جرت في أيار 2016. 

أما فيما يتعلّق بالجاسوس الأشهر رفعت الجمال (رأفت الهجّان)، وبعد بزوغ نجم الهجّان والاحتفاء به دراميًا وفنيًا من خلال المسلسل الشهير، الأمر الذي أكّدت حدوثه تحقيق استقصائي في الإعلام الإسرائيلي تحت عنوان “خيانة من تل أبيب”، حاولت روايات إسرائيلية، بعضها رسمية، كما جاء على لسان يهودي يعاري، وبعضها الآخر غير رسمي، التقليل من إنجازات الجمال وصولًا إلى محاولة إظهاره بالعميل المزدوج تحت مسمى عمية “يتيد”، كما كشف الإسرائيلي يوسي ميلمان في أكثر من مقال في هآرتس. 

كما يتناول الملف قصّة مجموعة لافون أو “عملية سوزانا” التي أعطيت الكود الإسرائيلي “وحدة 131″، وهي مجموعة من العملاء اليهود المصريين، درّبها وشكّلها الموساد بالتعاون مع جواسيس إسرائيليين دخلوا القاهرة أوائل الخمسينيات بعد ثورة يوليو، بهدف القيام بعمليات إرهابية لدقّ “إسفين” بين بريطانيا إبان مباحثات الجلاء بين مجلس قيادة الثورة والبريطانيين.

فشلت العملية فشلًا ذريعًا وألقي القبض على معظم أعضاء الشبكة الارهابيّة، وما زال أحد من أعضائها على قيد الحياة في “إسرائيل” إلى اليوم، هو روبيرت داسا، غذ أن مارسيل نينيو قد توفيّت قبل أقل من عام، (وكان داسا ونينيو قد أفرج عنهما في عملية تبادل للأسرى)، إذ يقوم العسّاس بتتبع آخر ما جاء على لسانهم خلال السنوات الأخيرة حول العملية.

من خلال تناول خفايا هذه القصص، سيقوم العساس بسبر غور الرواية الإسرائيلية وإماطة اللثام عن جوانب المبالغة بها والأسطرة التي حاول الموساد نسجها، مستعينًا بمصادر عبرية أصليّة، بعيدًا عن البروباغندا الإسرائيلية من جهة، وعن الحماسة المضادة التي قد تقود إلى قصور في فهم قوّة الجوسسة الاسرائيلية من الجانب المقابل. وذلك بصرف النظر عن منطلقنا الأخلاقي في اعتباره مؤسسة استعمارية كانت وما زالت جزءً من ماكنة القتل الإسرائيلية.

طالع الملف