مقدّمة العسّاس |

تعتبر عملية سوزانا (سميت على اسم واحدة من أفراد المجموعة) واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ المخابرات الإسرائيلية، إذ تمكنت السلطات المصرية من كشف الخلية المكونة من 13 عميلًا، واعتقال معظم أعضائها ومحاكمتهم، من خلال تتبعهم وكشف أحد أفرادها. تمكن فردان منهم فقط من الهروب، أحدهما كان إيلي كوهين (رابط لمادة إيلي كوهين ورأفت الهجان). وسميت بفضيحة لافون نسبة لوزير الأمن الإسرائيلي في حينه بنحاس لافون.

هذه المادة (في جزئيها الأول والثاني)، تعرّف بعملية سوزانا أو فضحية لافون، وهي عملية إسرائيلية فاشلة في مصر أدت إلى كشف 13 عميلًا إسرائيلًا. وترصد مآلاتها والهزّة التي أحدثتها في السياسة الاسرائيلية، فضلا عن تتبّع تصريحات وأحاديث آخر أفرادها المتبقّين في الحياة وهما مارسيل نينيو (توفّت قبل عام تقريبا)، وروبيرت داسا (لا يزال على قيد الحياة).

إعداد العسّاس | 

المجموعة:

أقام جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلي “أمان” وحدة متخصصة بتجنيد شبان يهود في الدول العربية، من أجل تنفيذ عمليات تخريبية وتفجيرات، والمساهمة في تهريب اليهود من الدول العربية إلى “إسرائيل”، سميت وحدة العمليات 131، وقامت بتجنيد شبان من الشبيبة الصهيونية في مصر، الأمر الذي اعتبر لاحقًا عديم المسؤولية بسبب كون هذا التنظيم مراقب من قبل المخابرات المصرية بجميع المنتمين له، وتم وضع هذه المجموعة تحت مسؤولية أفري إلعاد، أحد الضباط الذي تحوم حوله ألف علامة استفهام.

تلقى أفراد المجموعة تدريبات متواضعة على تنفيذ العمليات السرية “عملية دولفين”، وكانت مهمة هذه المجموعة، المؤلفة من شبان من القاهرة والإسكندرية، وضع عبوات ناسفة ومتفجرات في منشآت تابعة لبريطانيا والولايات المتحدة، من أجل زعزعة الاستقرار في مصر، وحث بريطانيا على عدم إجلاء قواتها كما هو مخطط، خاصة بعد تأميم قناة السويس، وذلك من خلال “دقّ اسفين” بين البريطانيين والمصريين لتعطيل مفاوضات الجلاء.

كان التخطيط للعملية، بوصف المحللين الاسرائيليّين، عديم المسؤولية وبلا تنسيق ودون وضع خطة للهروب، وتم اعتقال أعضاء المجموعة يوم 23 تموز 1954 “ذكرى الثورة”، ولم يكن قائد أركان الجيش في حينه، موشيه دايان، في “إسرائيل” لعدة أيام لأسباب غير واضحة، وتم تقديم أفراد المجموعة للمحاكمة في كانون الأول 1954.

وحكم على اثنان منهم وهما د. موشيه مرزوق وشموئيل عازار بالإعدام شنقًا، وتم تنفيذ الحكم في نهاية كانون الثاني 1955، وحكم على 6 آخرين بالسجن لسنوات طويلة، وتبين بعد عدد من السنوات أن إلعاد، الذي كان الضابط المسؤول عن العملية، كان عميلًا مزدوجًا لـ “إسرائيل” ومصر، وأنه من أبلغ عنهم وهرب من مصر، وتمت محاكمته في “إسرائيل” لاحقًا بتهم أخرى، وليس بتهمة الخيانة وتسليم أفراد المجموعة، وحكم عليه بالسجن 12 سنة. (1)

 “العمل المخزي” من التخطيط حتى الاعتقال

تم تجنيد أفري إلعاد في الوحدة 131، ليكون الضابط المسؤول عن العملية، وكان ضمه للوحدة وتعيينه كمسؤول عن عملية حساسة كهذه أمرًا إشكاليًا، إذ عرف بسيرته السيئة وانخراطه في جرائم جنائية وفساد، وتم طرده على أثرها من الجيش الإسرائيلي، في حين جاء تجنيده نتيجة لرؤية رائجة حينها، وهي أن على كل من يريد تطهير اسمه وتحسين سمعته القيام بمهمة استخبارية أو عملية معقدة على أكمل وجه.

وصل إلعاد إلى مصر في حزيران 1954 وتواصل مع أعضاء الشبكة، الذين تعاونوا معه على أكمل وجه، ونفذت المجموعة في القسم الأول من شهر تموز ثلاثة عمليات تفجيرية: في الفرع المركزي للبريد في الإسكندرية، والمكتبة الأميركية في القاهرة وفي المكتبة الأميركية في الإسكندرية.

لم يصب أي شخص في العمليات الثلاثة، في حين كانت المجموعة تتحضر للعملية الكبرى يوم 23 تموز، في ذكرى ثورة الضباط الأحرار التي تعتبر عيدًا وطنيًا في مصر، وخططت المجموعة تنفيذ سلسلة من التفجيرات المتزامنة ضد عدد من الأهداف: دار سينما في القاهرة ومثلهما في الإسكندرية ومستودع الأغراض الشخصية في محطة قطارات القاهرة.

 أحبطت العملية على درج سينما “ريو” في الإسكندرية، عندما اشتعلت قنبلة حارقة مع فيليب نتانسون (أحد أفراد الشبكة) قبل أوانها، وتم اعتقاله أولًا ومن ثم اعتقال كل أفراد الشبكة بعده.

بالتزامن مع اعتقال أفراد الشبكة تم اعتقال مائير “ماكس” بينيت، ضابط في الوحدة 131، الذي تواجد في مصر من أجل مهمة أخرى لا علاقة لها بالشبكة ونشاطها، وهو الذي انتحر لاحقًا في سجنه ولم تعرف تفاصيل ودوافع انتحاره.

واعتبرت الجهات المختلفة هذه العملية وصمة عار على جبين كل المؤسسة الأمنية وفضيحة بكل المقاييس، وأثارت أسئلة عديدة على مختلف الأصعدة: وعلى الصعيد الإستراتيجي كان السؤال هو كيف اعتبر مخططو العملية أن عملية تكتيكية محدودة مثل هذه قد تحبط خطوات إستراتيجية تم الاتفاق عليها بين مصر وبريطانيا؟، وعلى صعيد علاقات القيادة بالمخابرات طرحت أسئلة صعبة: كيف يتم إحاطة رئيس الحكومة، موشيه شاريت، في وقت لاحق حول العملية؟ وكيف لم يهتم المستوى العسكري بالحصول على موافقة وزير الأمن، بنحاس لافون؟

وعلى صعيد العلاقات الخارجية الإسرائيلية، من الواضح أنه لم يتم حساب موقف “إسرائيل” أمام العالم في حال حدث أي خلل في العملية، كذلك لم يفكر القائمون على العملية بإسقاطاتها السلبية الممكنة على الجالية اليهودية في مصر في حال فشلها.

بينما وعلى الصعيد العملياتي تطفو الأسئلة الأصعب، ففي حال تم تجاهل كيفية تعيين ضابط مثل إلعاد مسؤولًا عن العملية، والتدريب السطحي الذي تلقاه أفراد الشبكة والإمكانيات التي تم تزويدهم بها كانت متواضعة، لم يتم الحفاظ على المساحة الكافية بين أعضاء الشبكة وبين مائير بينيت، كما لم توضع خطة هروب في حال الفشل.

كيف كشفت الشبكة؟

التقدير الأرجح هو أن أفري إلعاد سلم أفراد الشبكة ومعهم مائير بينيت، إذ تمت إحاطة إلعاد بمهمة بينيت في مصر قبيل إرساله إلى هناك. وبدأت الشكوك عندما بقي إلعاد، الوحيد من أفراد الشبكة الذي لم يعتقل، إذ بعد عدة أيام بعد اعتقال أفراد شبكته رتب أموره بهدوء وغادر إلى أوروبا، ومن ثم عاد إلى “إسرائيل” وتم التحقيق معه وأدلى بشهادة كاذبة.

وبسبب عدم إمكانية مقارنة روايته برواية أي من أعضاء الشبكة المعتقلين في السجون المصرية ودعم رئيس أمان، بنيامين جيبلي، وقائد الوحدة 131، موردخاي بن تسور له، تم اعتماد روايته ولم يتخذ أي إجراءات ضده سوى الاستغناء عن خدماته في الجهاز، وبعدها اعترف بن تسور أن الشهادات الكاذبة التي أدلى بها الثلاثة كانت منسقة، وبدأ التحول عام 1957 عندما كشف عن علاقة بين إلعاد وبين ضابط مخابرات مصري له علاقة بالتحقيق مع أفراد الشبكة وتعذيبهم، وتم إحضار إلعاد إلى “إسرائيل” والتحقيق معه لكنه لم يقدم للمحاكمة بسبب عدم كفاية الأدلة حول تسليمه أفراد الشبكة.

بعد ذلك، تمت محاكمته بالتواصل مع عميل أجنبي وحيازة مواد سرية دون صلاحية وإدانته ومن ثم الحكم عليه بالسجن لـ 12 سنة، وحتى وفاته عام 1993، أنكر ألعاد تسليمه أفراد الشبكة.

الجزء الثاني| آخر الجواسيس الأحياء يتحدثون: “باعونا”

المصادر:

(1) “الدفاع الإسرائيلي”: https://bit.ly/317ItM3

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on