مقدّمة العسّاس |

يقدّم العساس سلسلة الجاسوسية التي تتناول خفايا أبرز الجواسيس بين “إسرائيل” والعالم العربي (سوريا ومصر على وجه التحديد)، متقصيًا المراجع الإسرائيليّة حولهم، ويبدأ هذه السلسلة بمادة من جزئين حول الجاسوس الإسرائيلي الأشهر إيلي كوهين.

طالما تغّنت “إسرائيل” بجاسوسها الياهو شاؤول كوهين، الذي تمكّن من التخفي تحت اسم “كامل أمين ثابت” لسنوات داخل سوريا، واستطاع التقرب من صناع القرار بالحكومة السورية. إلا أن ومع مرور السنوات بدأت المراجع الإسرائيلية بتقفي أثر الجاسوس كوهين وكشف النقاب عن خفايا العملية الاستخباراتية المرتبطة به والتي تفنّد محاولات الأسطرة المخابراتية وتضع مسألة التفاخر الاسرائيلي بانجازها موضع الشك.
من هو إيلي كوهين؟ وما هي التفاصيل التي أدت إلى فضح أمره؟

هذه المادة (في جزئها الثاني) تعرّف بإيلي كوهين، أبرز جواسيس “إسرائيل” الذين تم زرعهم في الوطن العربي، وتكشف مزاعم تعظيم انجازه، والتفاصيل التي أدت إلى فضح أمره ثم إعدامه.

إعداد العسّاس | 

إطلاق النار في القرية الفرنسية

يقول فريد في الرسالة التي وجهها إلى عائلة كوهين في “إسرائيل”، باللغة الإنجليزية والممتدة على 6 صفحات، عام 2010: “في مرحلة متأخرة من السنة، بدأ أصدقاء كامل القدامى يلاحظون التغيير الكبير الذي حل به، إذ تقرّب من مسؤولين كبار في حزب البعث، بينهم العديد من الوزراء والمسؤولين وعائلاتهم، وكان مكروهًا في حينه، خاصة من قطاع رجال الأعمال”.

وأضاف “بعد ذلك بدأ كامل بدعوة المسؤولين الكبار إلى شقته، وكانوا يصلون إليها بسياراتهم المصفحة وحرسهم المسلح، وأقولها بصراحة، وليساعدني الله، كل ما يروى عن الحفلات الصاخبة والهدايا الثمينة التي منحها للآخرين هو كذب، وحتى لو أكد المسؤولون ذلك عنه، فأنا أصر على أنه كذب، أعتقد أنه حاول جمع كل قرش لعائلته، والحفلة الوحيدة التي نظمها كانت لصديقه المغني الدرزي فهد بلان، ورجل آخر صغير يدعى محمد عبد الكريم الملقب بأمير البزق”.

وأوضح “في هذه المرحلة، بدأ أصدقاؤه القدامى بالخوف منه، بسبب حضوره تجمعات حزب البعث وعلاقته بالقيادة العليا، وتعاظم الشك لديهم كون هذه التصرفات لا تليق برجل أعمال. القصة التي سأرويها الآن عرفتها بعد سنوات عندما تم تحرير المعتقلين، كونهم كانوا مرعوبين حد الموت”.

في صيف 1964، خطط وحيد قطب وعادل سعيدي لرحلة إلى أوروبا، وكان عادل في شقة وحيد الواقعة في ذات المبنى الذي يسكن فيه كامل “إيلي كوهين”، وطلب من أحد الأولاد مناداة كامل ليساعدهم على التخطيط، كونه ذو خبرة بالسفر إلى أوروبا، عندما قرع الجرس فتح كامل الباب بغضب لأن أحدهم يقرع بابه في السابعة صباحًا، وعرفت لاحقًا أنه غضبه كان “بسبب خوفه عندما قُرع الجرس خلال بثه تقريره عبر اللاسلكي، وبسبب قرع الجرس وقع اللاسلكي وتعطل”.

 عندما نزل كامل إليهم سأله عادل عن أي دولة أوروبية يمكنه شراء مظلة تلسكوبية من طراز Redpoint منها، أجاب كامل بغضب أن هذا سبب تافه لاستدعائه في هذه الساعة المبكرة، وعلى الطاولة كانت خريطة للقارة الأوروبية، سألهم كامل كيف يريدون السفر فأجابوا برًا بالسيارة، سأل كامل إذا ما أرادوا السفر من خلال الطرق السريعة فردوا بالإيجاب لأنها تختصر الوقت، فقال ضاحكًا “أنا أعرف أوروبا أكثر منكما، سأنصحكم نصيحة لا تنسوها”، ووضع علامات باللون الأحمر على الخريطة قائلًا: إنه في حال أردتم التجول في أوروبا عليكم سلوك الطرق القروية لما فيها من مناظر خلابة وفنادق رخيصة ونساء سهلة المنال، وعلّم لهم الطريق من حدود تركيا حتى الحدود الفرنسية، وسافر الاثنان وفق الخريطة التي رسمها بالضبط.

خلال السفر، دخلوا قرية صغيرة اسمها تيون أو لانس، فور خروجهم من السيارة تعرضوا لإطلاق نار، اختبأ الاثنان تحت السيارة لكن عادل أصيب برصاصة في يده، إذ نقل الاثنان إلى المستشفى بعد وصول الشرطة الفرنسية التي بدأت التحقيق معهم حول إذا ما كان لديهم أعداء هنا أو ينتمون لمنظمة إجرامية أو إذا ما كانوا مهربين، وأجابوا أنهم مجرد سائحين وأن الأمر برمته ممكن أن يكون مجرد خطأ، ضحك الفرنسي قائلًا: إن الرصاصات التي أطلقت عليهم من طراز عسكري، وأن ما حدث أبعد ما يكون عن مجرد حادث، ومنحتهم الشرطة الفرنسية تصريحًا بدخول مستشفيات فرنسا للفحص طوال رحلتهم.

بعد الحادثة، أخبر عادل وحيد أنه واثق أن كامل، الذي أشار عليهم بسلوك هذا الطريق، هو من يقف خلف إطلاق النار وأنه واثق أن كامل عميل لجهة أجنبية، وكان لوحيد نفس الشك وظن عادل أنه كان الهدف لأنه أخبر كامل بضع مرات حول شكوكه، وكان وحيد قد أخبر كامل خلال حديث قبل نحو أسبوعين: “أريد أن أنصحك كصديق، الجميع يعتقدون أنك منخرط في عمل خطير ولا أحد واثق أنك رجل أعمال”، وقال إن علاقاته بحزب البعث وقيادته تثير الشكوك وفي حال مال أحد عن الطريق فسيقوم رجال المخابرات بتقطيع كامل وأصدقائه إلى أشلاء صغيرة. وقرر الاثنان الإبلاغ عن كامل فور انتهاء رحلتهم والعودة إلى دمشق.

الاعتقال والرسالة المشفرة

أبلغ عادل السلطات خلال أيام قليلة بعد عودته إلى دمشق، دون إخبار وحيد، وبدأت المخابرات السورية بمراقبة الشقة طوال أكثر من أسبوع، والتقطوا الصور للداخلين والخارجين وجمعوا المعلومات وراقبوا هاتف كامل، وفي أحد الأيام دخلوا الشقة وفتشوه بغياب كامل، ووجدوا عبوتين ناسفتين صغيرتين وكبسولة سيانيد ولاسلكي مخبأ بعناية، ومع عودته لشقته، اعتقل وألقي في السجن لعدة أيام، وتم اعتقال كل من زاره في الفترة الأخيرة وكل من له علاقة به، باستثناء الوزراء والضباط الكبار، وتم تفتيش منازل كل المعتقلين وكل من ظهر في الصور.
كما أن هناك ثمة روايات أخرى تروي أن الاعتقال تم بسبب المبالغة في كميات المراسلات، حيث تقول الرواية أن موظّفا في السفارة الهندية في دمشق كان قد أبلغ السلطات أن هناك تشويش متكرر في موجات الإرسال حيث اعتاد المراسلة من خلال جهاز مورس، الأمر الذي دعا السوريون إلى فتح تحقيق في هذه التشويشات. إلا أن جاكي حوجي (محلل “اذاعة الجيش” للشؤون العربية) قال إن هذه الرواية جزئية، حيث أنها كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش الشكوك السورية حول ايلي كوهين، لأن الشكوك حوله كانت قد بدأت قبل ذلك بسنتين من قبل المقرّبين منه. (1)

عقب ذلك، تم أخذ كامل إلى الإذاعة لبث تقريره الأسبوعي عبر اللاسلكي باللغة الفرنسية، التي كانت موجهة للمهاجرين العرب في العالم، وطلب منه عدم تغيير أي كلمة، وقرأ التقرير وتمكن من وضع رسالة مُشفّرة للمسؤولين عنه تخبرهم باعتقاله، وفي العادة كان ينهي التقرير بقراءة جملة من أغنية، وفي الأيام العادية كان يخلط الكلمات والجمل، وكانت الشيفرة بينه وبين المسؤولين تضمن أنه في حال قرأ الجملة صحيحة ومرتبة فهذا دليل على أنه كشف واعتقل.

في السجن تعرّض لتحقيق قاسٍ وتعذيب شديد، لدرجة وضع رقابة طبية عليه مدة 24 ساعة، وفي أحيان كثيرة لم ينجح في الوقوف على قدميه، وخلال جلسات المحاكمة، التي كانت معدة من قبل، اضطر شخصان لإمساك ساقيه ليتمكن من الوقوف.

عندما قال كامل اسمه الحقيقي وجنسيته، صعق معظم الحاضرين، لم يتخيل أحد أن يكون إسرائيليًا حتى عندما شكوا أنه جاسوس، ولدى خروجه من القاعة ومر بجانب المعتقلين الآخرين، قال لأقربائي أن لا يقلقوا، لأن كل المعتقلين خافوا من أن يتفوه بشيء يرسلهم إلى حبل المشنقة، لكنه لم يتفوه بأي كلمة تورط أي شخص بريء، كان عدوًا نبيلًا ومحترمًا، بسحب ما قال فريد في رسالته.

محاولة تهريب إلى “إسرائيل”؟

وأضاف فريد في الرسالة “المعلومات التي سأخبركم بها سمعتها من صديقين مخلصين وصادقين، لكني لست واثقًا أن المعلومات صحيحة 100٪”.

وقال “بعد أيام من شنقه، وجد راعي ماشية جثة مغطاة على الجبل الزبداني ولبنان، وتم فتح تحقيق بعد إبلاغ الشرطة، وفي ذات الوقت وصلت معلومات أن قبره فارغ وأن الجثة تعود إلى كامل، وكانت محاولة لتهريب جثته إلى “إسرائيل” عن طريق لبنان”.

وأوضح “تم إرسال الجثة إلى كلية الطب لاستخدامها لأغراض تعليمية، وأكد أحد الأصدقاء هذا الأمر لي شخصيًا وقال إنه تدرب على جثة إيلي، وهذه كل المعلومات التي أعتقد أنها تهمكم، وبقصد تجاهلت بعض المعلومات حول علاقاته ببعض النساء وتفاصيل التعذيب وأمور شخصية أخرى لا تمت بصلة لإيلي، تحياتي”. (2)

تفنيد الأسطورة الإسرائيلية

الأخطاء التي يكشف فريد النقاب عنها، والتي نقلها الإعلام العبري تفنّد المزاعم الإسرائيلية حول أسطرة الإنجاز المخابراتي،  وهو ما تمّ تأكيده مؤخرًا وفق ما نقلته وسائل إعلام تلفزيونية إسرائيلية، إذ بثت قناة “كان” الإسرائيلية سلسلة وثائقي من 4 أجزاء حول خفايا حياة ايلي كوهين في دمشق، وكان من بين ما بيّنته هذه السلسلة، الثقة المتزايدة بالنفس لدى كوهين وبعض هفواته المتكررة.

فضلا عن ذلك، فقد بثت القناة الإسرائيلية “12” في الذكرى الثالثة والستين لعدوان عام 1967 والنكسة، تسجيلاً صوتيًا حصريًا، كُشف عنه لأول مرة، لمائير عميت، رئيس الموساد- جهاز المخابرات الإسرائيلية، في العام 1967، أي في الحقبة التي خدم بها ايلي كوهين في الموساد. ويتطرق عميت خلال التسجيل الى واقعة الإيقاع بإيلي كوهين في دمشق، فيقول: ” لم تُرتكب أخطاء بحق كوهين، أقول لك ذلك في منتهى المسؤولية. تم القبض على الرجل بسبب ثقته المتزايدة بالنفس، وقد تم ذلك بسبب البث”. (2)

الجزء الأول| إيلي كوهين: الرحلة من الأرجنتين إلى دمشق

المصادر:

(1) “معاريف”: https://bit.ly/2BPxaPP
(2) “ماكو”:https://bit.ly/3hR43Lk