مقدمة العساس | بعد اكتشاف حقول ضخمة للغاز الطبيعي في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، ظهرت عدة تحالفات لحماية المصالح الاقتصادية، كان لها العديد من الانعكاسات على الوضع السياسي في المنطقة.

ما هي هذه التحالفات؟ وهل تقارب “إسرائيل” مع اليونان كان لهذه الغاية فقط؟

هذه المادة تتحدث عن تاريخ العلاقات الإسرائيلية اليونانية، وتوضح مدى تطورها عبر السنوات وصولًا إلى التحالف الاقتصادي الحالي.

إعداد العساس | بعد النكبة، كانت اليونان من أشد الدول عداء لـ “إسرائيل” دبلوماسيًا، ولم تقبل بإقامة علاقات رسمية ودبلوماسية كاملة حتى عام 1990، حين افتتحت السفارات في تل أبيب وأثينا، رغم ذلك وخلال فترة الحكم العسكري في اليونان “الخوندا”، ارتبطت “إسرائيل” في علاقات اقتصادية غير رسمية بالانقلابيين والدكتاتوريين، إذ شملت النفط وصفقات سلاح وتقارب أيديولوجي مبني على قمع الثوريين والمطالبين بالحرية و”مناهضة الشيوعية”.

رغم تطورات عام 1990، إلا أنه علاقة اليونان بـ “إسرائيل” كانت فاترة بعض الشيء، حتى جاء العام 2010، الذي شهد الانفتاح الأكبر بينها إضافة لقبرص، وما سمي بحلف شرق المتوسط لمواجهة “التهديد التركي”، وأساسه الطاقة “الغاز والنفط” في شرق البحر الأبيض المتوسط.

منذ النكبة حتى 1990

كانت اليونان من أكثر الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، حتى إبان النكبة، وصوتت ضد قرار التقسيم عام 1947، ولم تفوت فرصة لمناصرة القضية الفلسطينية طوال الأعوام التالية، ودعمت على جميع القرارات المناصرة للفلسطينيين في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لاحقًا، وهاجمت “إسرائيل” في عدة مناسبات، وكانت على وفاق مع المجموعة العربية طوال الوقت.

حتى في فترة الحكم العسكري، رغم العلاقات التي ربطت النظام القمعي بـ “إسرائيل”، لم تعلن اليونان أي تقارب رسمي معها، بل واصلت مناصرتها للمجموعة العربية، وبعد سقوط الحكم العسكري وعودة الديمقراطية، زادت مناهضة اليونان للسياسات الإسرائيلية.

واعتبر رئيس اليونان الاشتراكي، أنديراس باباندريو، بمثابة الصديق الشخصي لياسر عرفات، ووصف احتلال “إسرائيل” لجنوب لبنان والمجازر ضد الفلسطينيين بالنازية والفاشية.

في عام 1990، حدث التطور الكبير في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وافتتحت السفارات في كل من تل أبيب وأثينا، لكن العلاقات بقيت فاترة بعض الشيء، واعتبرت اليونان من الدول المعادية لـ “إسرائيل” في الاتحاد الأوروبي، وصنفت في ذات الخانة مع إيرلندا والبرتغال. (1)

عسكر اليونان: القمع محرك للعلاقات

كشفت وثائق إسرائيلية رسمية أن “إسرائيل” كانت على علاقة وثيقة بالخوندا، وأن فترة الحكم العسكري في اليونان كانت برعاية جزئية إسرائيلية، أمدت الجنرالات الذي حكموا البلاد بـ “الحديد والنار”، وقمعوا الحريات واعتقلوا الناشطين واغتالوا المعارضين تحت ذريعة محاربة الشيوعية، بالسلاح والنفط وغيرها.

أمّا في 11 مايو/أيار 1967، بعد شهر فقط من الانقلاب العسكري باليونان، التقى رئيس الممثلية الإسرائيلية لدى أثينا يهوشواع نيسيم شاي، بوزير خارجية الخوندا، وهنأه على اعتلاء الحكم وتمنى لهم، باسم “إسرائيل”، النجاح والتوفيق في الحكم.

ثم في الأول من أغسطس/آب من نفس العام، أبرق شاي لـ “إسرائيل” بأنه التقى بالجنرال نيكولاس مركازوس، أحد الجنرالات الثلاثة الذي أداروا اليونان في حينه، وقال إنه يتطلع للزيارة مع بداية العام، وأنه أثنى على الأعمال الإسرائيلية وإنجازاتها، وأشار إلى لقاءاته وعلاقاته مع رجال الموساد.

بينما نوفمبر/تشرين الثاني 1968، تحدث الملحق التجاري الإسرائيلي في أثينا، يعقوب بن شاحار، حول لقاء جمعه بمركازوس، وتم الاتفاق فيه على أن يزور وفد عسكري يوناني شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية بشكل سري، دون ارتداء الزي العسكري ولا نشر أي خبر عن الزيارة.

بعد الزيارة، أبدى العسكريون اليونانيون اهتمامهم ببنادق من طراز “عوزي” وقنابل مضيئة وقنابل دخان، وطلبوا أن تقوم “إسرائيل” بتعزيز وصيانة الطائرات الحربية اليونانية وتساهم في بناء مصنع للصناعات العسكرية في اليونان.

 وكتب الوفد العسكري اليوناني في تقريره بعد الزيارة إن “إسرائيل تعتبر سوقًا جيدًا ورخيصًا للأسلحة في الوقت الحالي، إلى حين تصنيع سلاح محلي، وهذه العلاقة قد تكون فاتحة لعلاقات تجارية واسعة في المستقبل”. (2)

العقد الأخير: العلاقات في أوجها

أنشأت “إسرائيل” مع اليونان وقبرص خلال السنوات الأخيرة “تحالف شرق المتوسط” (EMA)، لمواجهة ما دعوه “التهديد التركي” لمصادر الطاقة الطبيعية التي اكتشفت في شرق البحر الأبيض المتوسط.

وترى “إسرائيل” في تركيا خصمًا في المنطقة، وتعتبرها من أشد الدول عداوة لها و”ممولة للإرهاب الإسلامي” الذي يهدف للقضاء على “إسرائيل”، وأن الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، يسعى لإعادة السلطنة العثمانية والسيطرة على المناطق التي كانت تتبع للدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى.

في حين، ترى كل من قبرص واليونان تركيا تهديدًا لسيادتها، وأنها تنتهك هذه السيادة باستمرار مستعملة قواتها الجوية والبحرية، وتعترض أي محاولة لضخ الغاز شرق قبرص. وترى اليونان بتركيا تهديدًا أكبر بسبب أزمة اللاجئين، إذ تتهم أنقرة بافتعال هذه الأزمة من أجل زعزعة استقرار اليونان ومنعها من النهوض والتطور بعد الأزمة الاقتصادية. (4)

وبلغت العلاقات الإسرائيلية اليونانية أوجها في العقد الأخير، وبدأت من خلال لقاءات مجموعة مستشارين سياسيين من كلا البلدين، سميت “مجموعة إلكترا”، وعملوا سويًا بشكل غير رسمي. وكانت النتيجة محادثة بين وزير الأمن الإسرائيلي في حينه، إيهود باراك، مع رئيس الحكومة اليوناني، جورجيوس باباندريو (ابن رئيس اليونان الأسبق المناهض لإسرائيل) وبعدها كانت محادثة هاتفية أخرى مع رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وفي نهاية 2009، التقى باباندريو بوزير الأمن الإسرائيلي الجديد حينها، أفيغدور ليبرمان، ليتبعه لقاء مع نتنياهو في موسكو خلال شهر شباط 2010، الذي كان بداية العلاقات الوثيقة التي ارتفعت وتيرتها بسرعة.

في تموز 2010، زار رئيس الوزراء اليوناني “إسرائيل”، وبعد شهر زار نتنياهو أثينا في أول زيارة لرئيس حكومة إسرائيلي لليونان. وكانت اليونان أول من هب لمساندة “إسرائيل” في كارثة حريق جبل الكرمل في كانون الأول 2010، وفي ربيع 2011 تكررت المساعدة في اعتراض أسطول الحرية الذي كان في طريقه إلى قطاع غزة لكسر الحصار البحري عنها.

وفي 2013، عقدت جلسة أولى بين الحكومتين في القدس، وفي 2014 سنت اليونان قانونًا يمنع إنكار المحرقة النازية، ثم في 2017 صوت البرلمان على منح الجنسية اليونانية لمن يملك جذورًا من يهود اليونان الذين قتلوا في المحرقة.

مع حلول عام 2012، تطورت علاقات ثلاثية بين اليونان وقبرص و”إسرائيل”، التي تكللت بقمة مشتركة في كانون الثاني 2016، والتقى رؤساء الحكومات الثلاث للمرة السادسة في “إسرائيل” في مارس/آذار 2019، وشاركهم وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، اللقاء.

ويأتي هذا التقارب، من وجهة نظر “إسرائيل”، بعد تدهور العلاقات مع تركيا التي بدأت مع إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الحربية الإسرائيلية عام 2019، وكذلك عقب أحداث سفينة مرمرة ومحاولات تركيا السعي إلى جانب البرازيل، لتحقيق تسوية حول الملف النووي الإيراني وتصويتهما ضد فرض العقوبات على إيران، وكشف تركيا لشبكة تجسس إسرائيلية عام 2012، الأمر الذي جعل “إسرائيل” تتوجه لبناء علاقات إستراتيجية أخرى في الشرق الأوسط.

وكانت القضية الأبرز للتقارب الإسرائيلي اليوناني هي اكتشاف الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، لا سيما مع قبرص التي تربطها باليونان هي الأخرى علاقات وثيقة في مصلحة مشتركة، هي مواجهة التهديد التركي لسيادة قبرص، المقسمة بشكل غير رسمي إلى قسمين، تركي ويوناني.

في عام 2015، لم تخف “إسرائيل” مخاوفها من تدهور العلاقات مع اليونان بعد اعتلاء حزب “سيريزا” ممثلًا بألسيكسيس تسيبراس سدة الحكم في اليونان، لأن الحزب يحمل آراء داعمة للقضية الفلسطينية ومناهضة لـ “إسرائيل”، وحتى تسيبراس نفسه صرح في أكثر من مناسبة قبل توليه الرئاسة أنه ضد “إسرائيل”، وكان حزبه من أشد المعارضين لزيارة نتنياهو عام 2010. إلا أن هذه المخاوف زالت مع الوقت، حين لم تغير اليونان من مستوى العلاقات، بل على العكس تمامًا، باتت العلاقات أكثر قربًا.

وأبرز مجالات التعاون هي الأمن والطاقة والسياحة والتجارة. ففي مجال الأمن، عقدت “إسرائيل” واليونان عدة تدريبات عسكرية مشتركة، شاركت فيها عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية، وحاكت بعض التدريبات هجومًا على منشآت نووية إيرانية وأخرى حاكت غارات على أهداف في قطاع غزة.

بينما في عام 2014، عينت “إسرائيل” ملحقًا عسكريًا في أثينا للمرة الأولى، إذ كانت العلاقات العسكرية تدار حتى حينه بواسطة الملحق العسكري الإسرائيلي في رومانيا. وفي عام 2015 وقع الطرفان اتفاقًا يسمح بنشر جنود إسرائيليين ويونانيين ثابتين في كلا الدولتين من أجل المشاركة بالتدريبات العسكرية، وفي مارس/آذار 2019، كشف عن إقامة محطات رصد ومراقبة مشتركة في جزيرة كريت اليونانية، كذلك عقدت اليونان صفقات سلاح مع “إسرائيل”، لكن ليس بمبالغ كبيرة بسبب وضعها الاقتصادي المتردي.

وفي قطاع الطاقة، لا يمكن الحديث عن علاقات بين اليونان و”إسرائيل” دون شمل قبرص، لا سيما بعد إعلان وزراء الطاقة للدول الثلاثة وإيطاليا عام 2017 عن بدء إنشاء خط أنابيب غاز طبيعي، يبدأ من سواحل شرق المتوسط المقابلة لـ “إسرائيل” ويمتد حتى قرص فاليونان، ومن هناك يندمج مع خط غاز آخر ليصل إيطاليا، ويبلغ طول خط الأنابيب 1300 كيلومتر في البحر و600 كيلومتر على اليابسة، وقد تصل تكلفته إلى 7 مليار دولار.

والمشروع الآخر الذي يجري التخطيط له هو مد كابل تحت سطح البحر، من “إسرائيل” إلى قبرص فاليونان، يسمح بتبادل الطاقة الكهربائية ونقلها بين الدول الثلاث ويبلغ طوله 1518 كيلومتر، ولم يحدد موعد بدء العمل على تنفيذه حتى كتابة هذه السطور.

وعلى مستوى السياحة، تضاعف عدد السياح الإسرائيليين الذين زاروا اليونان 6 مرات على الأقل خلال العقد الأخير، إذ زار اليونان نحو 150 ألف سائح إسرائيلي عام 2010، وبلغ عددهم عام 2019 نحو 700 ألف سائح.

في حين بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2017 نحو 610 مليون دولار، رغم وضع اليونان الاقتصادي المتردي، مع العلم أن التبادل التجاري بلغ 412 مليون دولار عام 2010. (5)

المصادر:

(1) “هآرتس”: https://bit.ly/36QAVyZ
(2) “ميكوميت”: https://bit.ly/37KF8nM
(3) “الخارجية الإسرائيلية”: https://bit.ly/2t46CWK
(4) “ميدا”: https://bit.ly/2FDF7Gg
(5) “معهد أبحاث الأمن القومي”: https://bit.ly/37TSRZA