مقدّمة العسّاس |

قسم يعتبرونهم مبعدون.. وآخر عملاء، فما قصة جنود “جيش جنوب لبنان الجنوبي” في “إسرائيل”؟

العساس يُقدّم هذه المادة التي تراجع ما كُتب من تقارير اسرائيلية حولهم.

إعداد العسّاس |

بعد حرب لبنان الأولى، بذريعة محاولة الفصائل الفلسطينية السيطرة على منطقة الجنوب، أدى “استياء” جيش لبنان الجنوبي من جهة، وخوف “إسرائيل” من سيطرة منظمة التحرير على منطقة العرقوب (فتح – لاند) من جهة أخرى، إلى تشكيل وحدة تحالف بينهما بهدف “تحييد التهديد” الفلسطيني من المنطقة.

في تلك الفترة، كان جنود الجيش الجنوبي اللبناني جزءًا لا يتجزأ من جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث تلقى جنوده مساعدات عسكرية وتقنية. (1)

وفي أيّار 2000، انسحبت القوّات الإسرائيلية فجأة من جنوب لبنان دون مشاورة حلفائها في الجيش، ما أدى إلى انهياره وسيطرة حزب الله على المنطقة، إذ نزح بعدها 8500 لبناني إلى “إسرائيل”، إمّا بسبب انتمائهم لجيش لبنان الجنوبي، أو لخوفهم من “حملات انتقام حزب الله”.

الناشط الدبلوماسي جوناثان خوري، ابن ضابط سابق في جيش جنوب لبنان، قال: “كنا خائفين من أن يؤذينا حزب الله جسديًا، إذ كانوا يأتون إلى أماكن العمل ومنازل الجنود، ويعتدون على العائلات بالضرب، وقد هدّد حسن نصر الله الجنود بأنه سيقتل كل من لا يرحل عن المنطقة”.

حتى عام 2017، بقي 30% منهم فقط في “إسرائيل”، ما يعادل حوالي 3000 شخص موجودين بالأساس في منطقة الجليل، حيث انتقل الكثير منهم إلى دول أوروبية، وعاد بعضهم إلى لبنان على الرغم من الثمن الباهظ الذي ينطوي عليه ذلك. (2)

نحو الاندماج في المجتمع الإسرائيلي

اندماج عائلات جيش جنوب لبنان في المجتمع الإسرائيلي لم يكن سهلًا خصوصًا على الكبار منهم، فبالإضافة إلى صعوبة تعاملهم مع قضية انسحابهم من لبنان، اضُطروا إلى التعامل مع صعوبات أخرى، كفجوة اللغة، والأزمة الاقتصادية والعنصرية.

تحكي مارلين، إحدى الفتيات من أسرة جنود جيش لبنان: كان اليهود يرشقوننا بالحجارة لأننا لبنانيون، ويطلبون منا العودة إلى “حسن نصر الله”. في حين يؤكّد جورج ابن أسرة لبنانية أخرى، أن القرى العربية في “إسرائيل” كانوا ينعتونهم بالخونة. ويسرد علي: لم يكن الاندماج سهلاً، خصوصًا في المدارس الإسرائيلية. مع أنهم يعرفون أننا قاتلنا إلى جانب الجيش الإسرائيلي، وأننا لا نُعرِّف أنفسنا كعرب. لكننا لم نتعلم اللغة العبرية، ولم نعرف إن كنّا سنبقى هنا أم لا. لقد عانينا من الفوضى دائمًا، وكانوا يشتمونني “عربي قذر”، مع ذلك، فإن أعز أصدقائي اليوم هم إسرائيليون. (2)

اختلف الوضع بعد سنوات عدّة، فقد اندمج جيل الشباب منهم تقريبًا بشكل كامل في المجتمع الإسرائيلي، إذ تجاوز ذلك تمكّنهم من اللغة العبرية والخدمة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليصبحوا مرتبطين أيضًا بالقواعد الثقافية الإسرائيلية.

عُديّ الذي لجأ مع عائلته إلى “إسرائيل” بعمر الخمس سنوات يقول: نحن إسرائيليون في كل شيء، ما يفعله إسرائيلي يفعله اللبناني أيضًا. في جيلنا، أي “الجيل الثاني”، هناك من يؤدّي الخدمة العسكرية وآخر يؤدّي الخدمة الوطنية، وهناك من يسافر بعد الخدمة بالجيش وبعضهم يدرس المواضيع نفسها. بالضبط المنطق الإسرائيلي نفسه. (4)

تجاهل الحكومة الإسرائيلية 

حسب القانون “الإسرائيلي” يحق للجنود المسرحين المعاقين في الجيش الإسرائيلي الحصول على مساعدات ومزايا مقدمة من قبل القسم والصندوق الخاص بالجنود المسرحين وقسم إعادة تأهيل المعاقين التابعين لوزارة الأمن. وهذه المزايا لم تمنح لجنود جيش جنوب لبنان، فيتم التعامل معهم كقادمين جدد وليس كجنود خدموا في الجيش، لهذا هم موجودون تحت إشراف وزارة الهجرة واستيعاب القادمين الجدد في “إسرائيل” وليس تحت إشراف وزارة الأمن.

جولي، ابنة أسرة جنود جيش جنوب لبنان: “اليوم بعد عشرين عامًا من الانسحاب، ما زالت أسر جنود جنوب لبنان على أمل أن توفي الحكومة الإسرائيلية بوعودها بتأمين حقوقهن الأساسية الممنوحة من وزارة الدفاع”. (1)

وأوضحت: “جميع أعضاء جيش جنوب لبنان كانوا جنودًا، لذا يجب معاملتهم تحت إشراف وزارة جيش الدفاع (المترجم: الاحتلال). بعد أن يتعاملوا مع هذا الأمر، هناك طلب مهم آخر نتحدث عنه دائمًا وهو إحياء ذكرى آبائنا والتقدير. لم يكن آباؤنا مرتزقة، بل شركاء في كل شيء في محاربة عدو مشترك. يجب الاعتراف بهذا التحالف والاحتفال به. مع الأسف، لا يعرف جيل الشباب في “إسرائيل” قصة جيش جنوب لبنان على الإطلاق. يجب أن يكون جيش جنوب لبنان جزءًا من تاريخ “إسرائيل”.

في العاشر من حزيران للعام الجاري، منظمة ممثلي جنود جنوب لبنان في “إسرائيل” أرسلت رسالة غاضبة تحت عنوان “ظلم تاريخي ضد مقاتلي وجنود جيش جنوب لبنان” إلى رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال أفيف كوخافي بعد استبعاد المقاتلين، بمن فيهم عائلات الثكلى والمعاقين من جيش جنوب لبنان من عشية الذكرى العشرين لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان.

يقول أعضاء المنظمة إن هناك 680 أسرة من جيش جنوب لبنان، حوالي ثلثيها غير معترف بهم من قبل وزارة جيش الاحتلال، فلماذا يختار يتجاهل الجيش وجودهم ويناقش ويقيّم أمسية تقدير “للكبار” و”المتميّزين” من بينهم؟

وكتبوا إلى رئيس الأركان: لا يمكن إقامة أمسية تكريم لجنود جنوب لبنان، في حين أن 480 أسرة منهن بالكاد ينهون الشهر ولا تتم رعايتهم من قبل أي وزارة حكومية. (3)

يوضّح جوناثان “لقد حاولنا تعزيز بناء نصب تذكاري لآبائنا لفترة طويلة جدًا. لم يحدث أي تقدم. ومن المهم أيضًا بالنسبة لنا أن يتحدثوا عن جيش جنوب لبنان في نظام التعليم. يجب ألا ننسى أفعال أهالينا. إنه أمر مؤلم للغاية على سبيل المثال، ألا يظهر موقع “يذكر” (يزكور) خسائر جيش جنوب لبنان على الإطلاق. لقد طلبنا إنشاء صفحة منفصلة لأعضاء جيش جنوب لبنان وأرسلنا لهم استعلامًا في الماضي، لكننا لم نتلق أي رد. (1)

يضيف ريمون، أحد أفراد أسرة لبنانية، أن معظم العائلات تعاني من أزمة اقتصادية حادّة وأزمة سكن، لدرجة أن بعضهم لم يتمكنوا من التعامل مع الوضع، حيث انتحر أحدهم في كريات شمونة لأنه لم يستطع كسب لقمة العيش وقرر آخر العودة إلى لبنان، ولكنه قتل بعد تعرضه للضرب في السجن هناك.

في عام 2015، عيّن رئيس الوزراء إيغال بريسلر، مسؤولاً عن حل مشكلة الإسكان لعائلات جنود جنوب لبنان. وصاغ بريسلر قرارًا يقضي بأن تمنح الدولة منحة قدرها 450 ألف شيكل لكل عائلة لحل الأزمة، ولكن المسألة مجمدة عند وزارة المالية حتى اليوم. (3)

 

المصادر:

(1) “إسرائيل هيوم”: https://bit.ly/31xrz9L
(2) “هآرتس”: https://bit.ly/3a8g2l4
(3) “إسرائيل هيوم”: https://bit.ly/3fGGdR7
(4) “كان”: https://bit.ly/33IWKBQ