مقدمة العساس |

ناقش ياسر عرفات وإيهود باراك، في قمة كامب ديفيد بالولايات المتحدة بين 11 و25 يوليو/تموز 2000، المسائل الشائكة للمرة الأولى، لكن القمة السابعة من أصل ثماني قمم مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون تعثرت حول مصير القدس واللاجئين الفلسطينيين.

نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية سلسلة مقابلات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل عشرين عامًا، إيهود باراك ، تحدّث في جزءها الأوّل عن الانسحاب من لبنان في أيار/مايو 2000، وفي الجزء الثاني عن روايته حول مؤتمر كامب ديفيد عام 2000.  

هذه المادة المترجمة عن مقابلة حديثة لإيهود باراك، تكشف تفاصيل ما حدث قبل 20 عامًا في المفاوضات التي جرت برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

ترجمة العساس |

 قاد باراك خطوتين إستراتيجيتين كبيرتين في فترة سنة وتسعة أشهر، خلال فترة توليه منصب رئيس الحكومة: وكانت الخطوة الأولى الانسحاب من لبنان بعد 18 عامًا، والثانية هي محاولة التوصّل لاتفاق دائم مع الفلسطينيين وإنهاء الصراع من خلال مؤتمر.

كامب ديفيد

بعدما تولى باراك رئاسة الحكومة في يوليو/حزيران 1999، اجتمع مع حسني مبارك في القاهرة ومع ياسر عرفات في حاجز إيريز في غزة، وبعد أسبوعين التقى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، إذ عقد 12 ساعة من المداولات، وقال له: “لا أعرف إذا ما كانا سنحقق أي شيء، ربما سنحقق أشياءً جزئية، كالتي حقّقها بيغين والسادات وقد لا نحقّق شيئًا”، وكان كلينتون قلقًا بشأن تأجيل تنفيذ اتفاقية واي بلانتيشن، دون التيقن من الموافقة على نية البدء بالموضوع السوري.

(واي بلانتيشن: تنص على إعادة انتشار إسرائيلي في بعض المناطق الفلسطينية، وتشكيل لجنة ثنائية للتنسيق الأمني).

أمّا في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام (…) التقى كلينتون وعرفات في أوسلو وتحدثنا طويلا في بيت السفير الأمريكي”.

وعن كيفية إقناع الأمريكيين، قال باراك إنه: أجاب المبعوث الأمريكي دنيس روس الذي حاول استيضاح موقفه بشأن القدس “أنا لا أستطيع تقديم الإجابات (…) إلا أنني لا أقدم تنازلات في شأن يبدو لي مصلحة إسرائيلية عُليا”. 

وأضاف باراك حينها: “مع كلينتون والأمريكيين لخصت نقطتين: الأولى لا اتفاق حتى الاتفاق على كل شيء، لذلك في حال فشل المؤتمر فإن كلّ المقترحات لاغية من أساسها، والثانية ألا توجد مفاجآت بيننا، والحقّ يُقال، التزم الأمريكيون بذلك بشكلٍ شبه مطلق”.

بعد موافقة عرفات خرج القرار بعقد القمة في 11 يوليو/تموز عام 2000 في كامب ديفيد لمدة ثمانية أيام قبل أن يسافر كلينتون في اليوم التاسع إلى مؤتمر القوى الصناعية الثمانية في اليابان.

وبحسب باراك فإن الاتفاق كان على مناقشة قضايا الأمن والحدود واللاجئين والقدس، والمحور الرئيسي هو: “نهاية الصراع ونهاية جميع المطالبات المتبادلة”.

وقال باراك: “اجتمعت بالحكومة وعرضت الصورة على الوزراء (…) من المسؤولية القومية القصوى محاولة منع انفجار الأوضاع، وبالطبع لا عودة إلى حدود 1967. ستبقى القدس موحّدة وستدرج الكتل الاستيطانية في الأراضي المحتلة ضمن الحدود الإسرائيلية، ولن يكون هناك جيش أجنبي غربي الأردن، وإذا توصلنا إلى اتفاق، فسوف نعرضه على الاستفتاء العام”.

يصف باراك الوضع حين عرض الصورة على الحكومة: “دار جدل حاد بعد أن أعلنت بأننا سنناقش هذه القضايا، شارانسكي وحزب المفدال وشاس انسحبوا من الحكومة، وبقيت حكومة أقلية استندت على وجود 43 عضو كنيست”.

وعن سؤال ما الذي كان يرجوه باراك من المؤتمر: “لم يتحدث أحد عن اتفاقية سلام نهائية، كان الهدف اتفاق إطاري، فهذا ما تم تحقيقه في قمة كامب ديفيد التي شارك فيها مناحيم بيغن (مع الرئيس المصري أنور السادات) في عام 1978، ولم نفكّر في التوصل إلى اتفاق وإنما إلى اتفاقية إطار، لكننا لم نكن متأكدين من ذلك أيضا”.

طريق مسدود

عن طواقم المفاوضات قال باراك: “كانت هناك خمس فرق، فريق الأمن والحدود واللاجئين والقدس وإنهاء الصراع، وبعد يومين من المفاوضات لم تحرز أي تقدّم، ثم التقينا جميعًا لتناول طعام الغداء والعشاء، أكلنا، تحدثنا، لكن المحادثات كانت عقيمة تمامًا ولم يحدث أي شيء”.

وأوضح باراك: “بعد ذلك بيومين قدم دينيس روس وثيقة تُحدّد اتفاق الفريق وخلافاته. قلت بغضب لكلينتون: ماذا فعلت؟ الفكرة كلها هي أن تكون المفاوضات مباشرة، بمجرد التدخّل سيصبح مشروعًا أمريكيًا حيث لا يقدم كل طرف مواقفه ويجب اتخاذ قرارات، ولكن عوضًا عن ذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الأمريكيون”.

بهذا الشأن قال كلينتون: “خطأي” في اليومين التاليين لم يكن هناك تقدم مرة أخرى”. 

وفقًا لباراك خلال تفقد كلينتون فرق التفاوض، وصل عند فريق التفاوض على الحدود الذي يضمّ جيلي شير وشلومو بن عامي، ومن الطرف الفلسطيني أحمد قريع أبو علاء، صرخ كلينتون بفظاظة على أبو علاء، بأن “إسرائيل” مستعدة لمنح الفلسطينيين 85% من الأراضي، ولكن أبو علاء رفض الخوض في ذلك حتى، في المساء أخبرني كلينتون المحبط بأن عرفات يطلب توقف المفاوضات بالفرق الخمسة. 

عقب ذلك، قرّر كلينتون بأن “يعيّن كل طرف مندوبين للجلوس طوال الليل وفي الصباح يعلنوا عن ما من يمكن أن يتفقوا بشأنه”. 

وحضر عن الطرف الإسرائيلي جيلي شير وشلومو بن عامي وعن الطرف الفلسطيني صائب عريقات ومحمد دحلان، والأمر الوحيد الذي تم طرحه، هو فكرة عريقات لتقسيم السيطرة على القدس، الأحياء اليهودية تسيطر عليها “إسرائيل”، إذ كان هذا الاقتراح “مخالفًا للمبدأ الأساسي بأن تبقى القدس تحت السيادة الإسرائيلية”. 

واعترف باراك أنه مارس ضغطًا على كلينتون وكتب له: “أنا مستعد لاتخاذ قرارات صعبة، لكن إن لم يكن هناك استجابة من الجانب الفلسطيني لن أقود “إسرائيل” للتنازل عن المشروع الصهيوني، (…) وعليك أن تقنع عرفات باتخاذ خطوات قاسية”.

وأضاف في حال لم يغيّر الفلسطينيون موقفهم، وكانت تهديدات باراك شديدة اللهجة: “سنوسع السيادة لتشمل الكتل الاستيطانية، ونقيم منطقة أمنية على طول نهر الأردن وغور الأردن، وسنحتفظ بوجودنا الأمني في الضفة الغربية كلها، وسيعمل الجيش في أي مكان ضدّ أي تهديد أمني”.

جاء رد كلينتون لباراك على النحو التالي: “بأن الاتفاق حول 90% و92%، بالإضافة بعض المبادلة الرمزية بنسبة 10% (من مساحة الضفة الغربية)، التي لها علاقة بصيغة المرحلة الثالثة الأصلية من اتفاقية واي بلانتيشن وما قبلها. (…) عرفات يريد سيطرة فلسطينية على غور الأردن، وأنه يدرك أن الأمر يتعلق باحتياجات “إسرائيل” الأمنية وأنه مستعد للاستماع إلى ترتيبات أمنية، لكن موقف عرفات صارم بشأن القدس وحسب أقواله فإن كل شيء مشروط باتفاق بخصوص القدس”.

أما بالنسبة لردّه على أقوال عرفات: “أنه من دون المس والمساومة على السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل (المسجد الأقصى) وحائط البراق، من المهم إيجاد طريقة تتيح لعرفات الادعاء بموثوقية أن له دور في القدس، على سبيل المثال، السيطرة الإدارية في بعض الأحياء العربية، قلت إن القدس قضية حساسة وأردت أن أستشير الوفد المرافق لي”.

وعندما انتهوا من التشاور بعد خمس ساعات وبقي يوم واحد على انتهاء القمة كان ردّ كلينتون على ما أسفر عن الاجتماع التشاوري: “جعلتني أنا وعرفات ننتظر 10 ساعات، لتقول لي الآن إنك لن تنسحب من 11% من الضفة”.

فقال باراك لكلينتون بأن الحلّ بين يديك الآن أن أقترح إيداع وديعة للتفاوض مع عرفات وكانت تفاصيل الوديعة كما يلي: “سيحصل الفلسطينيون على 91% من المساحة، وسيكون هناك تبادل للأراضي، ولكن لن تكون نسبة واحد إلى واحد، نريد السيطرة على غور الأردن بأكمله، لكن إذا نجحت الترتيبات الأمنية بعد فترة طويلة من 15 عامًا، فسوف نمنحهم السيطرة على جزء من غور الأردن، وسوف ننقل إلى سيادتهم بعض الأحياء العربية في شرق القدس وجميع المدن والقرى الخارجية”.

 وكشف باراك: “سنحاول أن نمنحهم حيًا أو اثنين من الأحياء الداخلية، ليس فقط الأمور الإدارية ولكن السيادة، ستكون الأماكن المقدسة ضمن سيادتنا، لكن لجنة إدارة المواقع الإسلامية في الحوض المقدس أيضًا إلى جانب الأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب”.

كان الموقف الفلسطيني الرافض التنازل عن القدس معروف مسبقا للإسرائيليين: “عرفنا ذلك من الأمريكيين وبصورة غير مباشرة من مخابراتنا، كنا على اتصال دائم بمبارك وعبد الله، وقمت باطلاعهما على التحديثات الجارية، وقام كلينتون بتبليغ السعوديين والخليج والمغرب بكل جديد، إلخ.. (…) قال لي، مبارك وعبد الله، أنهما سيدعمان ما يقرره الفلسطينيون، لكنهما لن يجبروهم على شيء، وقالوا حينها: ليس لدينا تأثير حقيقي عليهم. لا نريد أن تشعر بالحرج لأنهم لا يستمعون إلينا”.

 

المصادر:

(1) “معاريف”: https://bit.ly/3dgwctm ( الجزء الأول)
(2) “معاريف”: https://bit.ly/2Antkwe (الجزء الثاني)

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on