مقدمة العساس | لم يثر اليهود موضوع البحث عن “هيكل سليمان” وإعادة بنائه حتى القرن الـ 19، وهذا على ما يبدو يأتي ضمن المزاعم التاريخية لليهود في فلسطين تمهيدًا لإصدار وعد بلفور الشهير والبدء في إقامة دولة قومية لهم على الأراضي الفلسطينية. فكيف يعمل الاحتلال حاليًا على تحقيق ذلك؟ وما هي حركات الهيكل المزعوم؟

هذا المقال المترجم عن أطروحة علمية مقدمة إلى جامعة حيفا من الباحثة مروة الخطيب، يتحدث عن الحركات الصهيونية الداعمة لفكرة “جبل الهيكل”، ويوضح توجهاتها الأيديولوجية.

ترجمة العساس | يتضمن المعتقد اليهودي الحالي أن “جبل الهيكل”، هو الذي أقيم عليه الهيكل الأول والثاني، وبحسب شريعة حكماء “إسرائيل” فإن الهيكل هو “المكان الذي يختاره الرب” والمذكور مرات عدة في سفر “التثنية”.

وبحسب هذا المعتقد، تكمن قداسة جبل الهيكل في شريعة السماح وتقييد الوصول إليه حسب مستويات “الطهارة والقداسة”، إذ أن الدخول إلى الدوائر القريبة من جبل الهيكل يتطلب طقوس تطهير من النجاسة، كما تتطلب هذه الطقوس الحصول “رفات البقرة” التي لم يتم العثور عليها بعد، وبالتالي فقد تم تقييد الدخول إلى الدوائر الخارجية، وهي مُجمل جبل الهيكل، فضلًا عن الدوائر الداخلية وهي الهيكل نفسه. (1)

بعد خراب الهيكل الثاني، أظهرت المصادر الدينية استمرارية الصعود إلى القدس والدخول إلى جبل الهيكل، وفي فترات لاحقة يمكن إيجاد طوائف مختلفة صعدت إلى جبل الهيكل وتعاملوا معه على أنه مكان يُحجّ إليه، وظل الوضع هكذا حتى تم المنع في فترة الخلافة العثمانية.

أمّا في القرن الـ 19، وبالتحديد في فترة حكم محمد علي (1833-1841)، ظهر نقاش ديني يهودي جديد يطالب بتجديد العمل من أجل عودة الصعود إلى جبل الهيكل، إلا أنه قوبل بالرفض الشديد من بعض الحاخامات، بيد أنه عاد وتجدّد وتم البناء عليه وبمساعدة الدول المسيحية (على خلفية التنظيمات العثمانية) وتم السماح لغير المسلمين بدخول محيط جبل الهيكل بما فيه “قدس الأقداس” أي محيط المسجد الأقصى.

وبهذا أصدر الحاخام إبراهيم إسحق كوك بيانًا باسم “الحاخامية الرئيسية لإسرائيل” والتي كان يترأسها، لمطالبة اليهود بعدم الدخول إلى جبل الهيكل نفسه، وإنما الاكتفاء بالصلاة في محيطه، أي في ساحة حائط البراق الغربيّ، وهو “حائط المبكى” حسب الرواية اليهودية. (2)

بعد حرب الأيام الستة:

بعد احتلال القدس عام 1967، تمكّن غير المسلمين من دخول جبل الهيكل، واستطاع ألاف اليهود زيارته بعدها، رغم أن الزيارة لم تكن دارجة في أوساط الجماهير الصهيونية المتدينة، إضافة إلى أنّ المعظم التزم بفتوى الحاخامية الرئيسية بعدم الدخول إلى محيط المسجد الأقصى والاكتفاء بحائط البراق. (3)

اعترض حاخام الجيش الإسرائيلي “شلومو جورن” على هذا القرار، وحاول مرارًا الدفع نحو الصعود إلى جبل الهيكل، إلا أن وزير الأمن وقتها “موشي ديان” أمر بترك إدارة شؤون المسجد الأقصى للأوقاف الأردنية، وأصدر قرارًا يقضي بإخلاء المسجد نهائيًا. (4)

وتم إصدار مرسوم وقع عليه معظم حاخامات “إسرائيل”، وكانوا بين كل فترة وأخرى يعيدون التوقيع عليه بدليل أنهم ما زالوا يوافقون على منع الصعود إلى جبل الهيكل، وحتى عندما عُين الحاخام “شلومو جورن” كحاخام “إسرائيل” الرئيسي عام 1972 فشل في فرض واقع جديد، بل وطَلب منه إنجاز بحث حديث يقيس فيه مساحة المسجد الأقصى وما حوله، ويؤصل شرعيًا لأي فتوى يريد إصدارها إذا أراد تغيير الفتوى الحالية، وهذا ما لم يحدث وبقي الحال كما هو. (5)

الثمانينيات:

شهدت سنوات الثمانين انقلابًا كبيًرا في سير الأحداث وفي حركة الصعود إلى “جبل الهيكل”، إذ كان أكبرها بعد تأسيس حركات “أمناء أرض إسرائيل وجبل الهيكل” في العام 1967، وحركة “معهد الهيكل” في العام 1984، و”الحركة لإقامة الهيكل” في العام 1987.

وتعتبر حركة أمناء جبل الهيكل صهيونية قومية تابعة لليمين المتطرف، وهي الأكبر من حيث عدد الأفراد وقوة التأثير، يترأسها “جرشون سولمون” والذي كان ينتمي إلى حزب الليكود حتى اعترض على أطروحاته عقب اتفاقية كامب ديفيد واستقال منه.

وعلى عكس قيادات حركات الصعود إلى الهيكل، لا يرى سولمون نفسه متدينًا أو ملتزمًا بأداء الصلوات، لكنه يعتبر أن واجبه القومي يحتم عليه الدفاع عن جبل الهيكل كمكان مقدس خاص بشعب “إسرائيل”.

ويعتبر هذا التوجه طابع الحركة ككل، إذ أنّ ما يهمها في المسجد الأقصى “جبل الهيكل” هو كونه مركزًا قوميًا دينيًا يتبع لشعب “إسرائيل”، دون الاهتمام إلى جزئية وجود أو انعدام العبادات الدينية اليهودية فيه، إضافة إلى أن احتلال المسجد الأقصى يصب في صالح تنفيذ الوعد الصهيوني القومي، وذلك بعدما رأى سولمون في منامه أن “الله يطلب منه إنقاذ جبل الهيكل”.

وتتمثل نشاطات هذه الحركة في تهويد المسجد الأقصى على يد دولة “إسرائيل”، وإجلاء المسلمين من القدس وهدم المسجد من أجل إقامة الهيكل مكانه، كما تنظم الحركة العديد من المظاهرات والاحتجاجات ضد الحكومة الإسرائيلية التي تمنع أو تؤخر فرض الوجود والسلطة الدينية اليهودية على جبل الهيكل.

وتتلقى حركة أمناء الهيكل تمويلها من جهات “مسيحية إنجيلية” أو ما يعرف باسم “الصهيونية المسيحية” من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشكل جزءًا من اللوبي المؤيد لـ “إسرائيل” هناك، ضمن رؤية دينية ترى أن قيام “إسرائيل” هو ضرورة حتمية لتحقيق نبوءات “الكتاب المقدس بعهديه” واقتراب مجيء المسيح المخلص. (6)

أما معهد الهيكل، فهو يعمل منذ تأسيسه على نشر العقيدة وإحياء موضوع الهيكل وتقريب المفاهيم المتعلقة به إلى أذهان الناس، من رؤية تستند إلى أنّ الهيكل هو مركز الحياة اليهودية، وهو يشكل “رابطًا حيًا بين الشعب اليهودي وبين أبيه في الجنة”، لذلك فإن هذا المعهد يشجع على نشر الوعي بقضية الهيكل لجميع طبقات الشعب اليهودي في كل مكان بمختلف الوسائل والأنشطة التعليمية.

ولا يعمل المعهد بصورة رسمية في “جبل الهيكل”، إلا أنه ينظم العديد من الجولات المخصصة لجنود الجيش الإسرائيلي، ويتطوع فيه العديد من الشباب الذين يعملون في “الخدمة المدنية”، إضافة إلى اعتراف وزارة التربية الإسرائيلية بهذا المعهد.

ويحصل المعهد على تمويله في كثير من الأحيان من الحاخامية الرئيسية لـ “إسرائيل”، ويترأسه الحاخام “يسرائيل اريئيل” وهو عضو فعّال في حركات الصعود إلى جبل الهيكل والصلاة فيه، ويؤمن أن هدف المعهد هو التأصيل شرعيًا وعلميًا من أجل إقامة الهيكل. (7)

بينما “الحركة لإقامة الهيكل”، فهي حركة ينتمي معظم أفرادها إلى الطائفة الحريدية الأصولية، والذين يعملون من أجل دراسة وفهم النصوص الدينية المتعلقة بالهيكل، إضافة إلى صناعة الأدوات المقدسة التي ستستخدم من أجل بناء الهيكل، وأسس هذه الحركة الحاخامان “ديفيد وافيغدور ألبويم” بعد اختلافهما فكريًا مع حركة “أمناء من أجل الهيكل” وانفصالهما عنها.

في الوقت الحالي، يترأس الحركة الحاخام “يوسف البويم” ابن الحاخام افيغدور البويم، وتتركز نشاطاتهم في ممارسة العبادات الدينية في جبل الهيكل وتوسعة نطاق ذلك حتى وقت إقامته، وتوجه هذه الحركة انتقادات كثيرة إلى أبناء الطائفة الحريدية -الذين ينتمون إليها- بسبب سعيهم إلى التأثير عليها من أجل إخراجهم من حالة السلبية التي يعيشونها في المجتمع الإسرائيلي.

في الوقت نفسه، تواجه الحركة إشكالية عدم اعترافها بالشكل الحالي لدولة “إسرائيل”، كدولة علمانية لا تطبق تعاليم الشريعة التي يقع الهيكل في مركزها، كما أنها تعمل على توزيع النشرات الدينية التي تنادي الشعب بالنهوض والعمل وتجديد الشريعة اليهودية ووصايا التوراة. (8)

عقب إغلاق المسجد الأقصى في وجه اليهود خلال الانتفاضة الثانية (2000-2004)، حاولت العديد من المنظمات الكبيرة والصغيرة منها “الحركة لإقامة الهيكل” وحركة “نساء من أجل الهيكل”، تأسيس منظمة عليا جامعة بقيادة البروفيسور “هلال فايس” بهدف رسم وتصميم خطة معمارية للشكل الذي سيكون عليه الهيكل عند إقامته، وتم تقديمها فعلًا إلى لجنة التخطيط في بلدية القدس، ولكن المنظمة فشلت وحُلّت بعد خلافات فكرية بين الحركات المختلفة.

ويمكن رؤية تأثير الخلافات الأيديولوجية بين الحركات الثلاث من خلال آلية عمل كل واحدة منها، والمثال الأبرز على ذلك هو موقفهم من “المحتيرت اليهوديت” التي تنادي بضرورة تفجير المسجد الأقصى، وهي نفسها التي نفذت سلسلة من عمليات الإرهاب ضد الفلسطينيين أواخر السبعينات وأول الثمانينات.

وفي حين عبّر الحاخام اريئيل عن دعمه لمواقف “المحتيرت اليهوديت”، عارض “أمناء الهيكل” هذه الفرقة وأجندتها من منطلق قومي يسعى إلى احترام الحكومة ومؤسسات الدولة، أما “الحركة لبناء الهيكل” فعارضت بشكل شديد الحركات اليمينية وعلى رأسهم حركة “كاخ” رغم أن هذه الحركة دعمتهم في بداية مسيرتهم.

ويمكن تلخيص الفروقات بين هذه الحركات الثلاث من خلال علاقتهم بالدولة، والانصياع إلى القانون، وبهدف الجمهور الذين يعملون له.

وبهذا يتضح أن رؤية “أمناء الهيكل” عالمية وجمهورهم هو “كل المؤمنين برؤيتهم سواء من اليهود أو المسيحيين الإنجيليين أو كل من يساعد في تثبيت حكم دولة إسرائيل على جبل الهيكل”، بينما يتوجه معهد الهيكل إلى الجمهور الصهيوني المتدين لتنفيذ رؤية “إسرائيل” ومجيئ الخلاص، أما “الحركة لبناء الهيكل” فجمهورها هم الحريديم ودعوتهم لتنفيذ تعاليم التوراة على أكمل وجه. (9)

 

المصادر:

(1)  كتاب  أبراهام يتسحاق كوك، الإصدار الثاني منقّح.
(2) المصدر السابق.
(3) سيرينا حن، التغييرات في العلاقة الجمهور القومي الدينية إلى جبل الهيكل.
(4) كتاب جبل الهيكل، شلومو جورين.
(5) كتاب الأصولية اليهودية، موتي عنباري.
(6) كتاب الأصولية اليهودية، موتي عنباري.
(7) المصدر السابق.
(8) المصدر السابق و وكتاب جبل النزاع، نداف شراي.
(9) هآرتس: https://bit.ly/2S6Zi4H