مقدمة العساس | ارتبطت سهولة الوصول وتوفر المواصلات بشكلٍ مباشر بحضارة الدول التاريخية، وكانت في بعض الأحيان سببًا في قيام حضارات واندثار أخرى، إلا أن الحال لدى الاحتلال الإسرائيلي يبدو خليطًا ما بين سوء الإدارة وتعمد إهمال خدمات المواصلات العامة المُقدمة للعرب وفلسطيني الداخل، فما مدى سوء المواصلات العامة في “إسرائيل”؟ وكيف اكتسبت طابعًا عنصريًا؟

هذا المقال يتحدث عن الأزمة المرورية في “إسرائيل”، ويوضح آثارها على مختلف طبقات المجتمع مع التوجه إلى المركبات الخاصة وإهمال المواصلات العامة.

ترجمة العساس | تعتبر كثافة حركة المرور على الطرق في “إسرائيل” أعلى بـ 3.5 مرة من المتوسط لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCED، وهذا ما انعكس في تقرير مراقب الدولة يوسف شابيرا الذي وجه انتقادات قاسية لسلوك وزارة النقل، في ظل ازدياد استخدام المركبات الخاصة وتضاؤل استخدام وسائل النقل العام.

ويعاني السكّان الإسرائيليون يوميًا بسبب واقع المواصلات العامة الصعبة، التي تضر بإنتاجية العمل وتسهم في تلوث الهواء، وورد في تقرير شابيرا أن عام 2016 شهد ارتفاعًا ملحوظًا بعدد السيارات، إذ تم تقديره بحوالي 277 ألف سيارة، وفي عام 2017 أصبحت الزيادة 280 ألف سيارة.

كما أن ازدياد أعداد السيارات بين عامي 2009 و2017 كان بنسبة 24.9%، وفي عام 2017 سافرت على الشوارع الإسرائيلية 2.86 مليون سيارة خاصة. 

وتدرك وزارة المواصلات أن وسائل النقل العام هي الحلّ الأمثل لمشاكل المواصلات في المدن الكبيرة، وأنها بمثابة المركب الهام في دفع الاقتصاد، وبهذا الصدد يشير مراقب الدولة إلى أن وزارتي المالية والمواصلات تدعي خسارة 15 مليار شيكل قبل سبع سنوات، وإذا استمر الوضع الحالي دون تغييرات في القطاع فسوف تخسر حوالي 25 مليار شيكل بحلول عام 2030.

في منطقة تل أبيب الحضرية، تتركز 50% من جميع أماكن العمل في البلاد، ووفقًا لوزارة النقل في عام 2016 تم القيام بستة ملايين سفرية يومية في تل أبيب، أي ما يقارب نصف مجموع السفريات التي تمت في “إسرائيل” في تلك السنة. 

ويقول شابيرا: “من المتوقع زيادة الازدحام على الطرق في السنوات المقبلة إلى درجة ستسبب بفشل عام لشبكة الطرق الشريانية في منطقة تل أبيب-يافا خلال ساعات الذروة من الصباح”، محذرًا “من أن هناك فجوة كبيرة بين العالم الغربي و”إسرائيل” من حيث طول البنية التحتية الحصرية للنقل العام.

يذكر أن المواصلات العامة في “إسرائيل” تعتمد بشكل أساسي على الحافلات التي تقدم خدمات تعاني من انخفاض الكفاءة ونقص القدرة وانخفاض سرعة السفر.

وورد في تقرير مراقب الدولة أن وسائل النقل العام تعاني أيضًا من عدم الدقة في المواعيد، مع وجود أوجه قصور خطيرة، بما في ذلك انخفاض وتيرة خطوط الحافلات والقطارات، وأوقات السفر الطويلة في كل من الحافلات والقطارات التي يتم تحديدها بسرعة منخفضة نسبيًا، وهذه كلها أسباب دفعت الناس إلى تفضيل امتلاك سيارات خاصة للسفر.

كما أن الأجور المتدنية لسائقي الحافلات وظروف العمل القاسية تؤثر على مستوى الخدمات التي تقدمها شركات الباصات العامة، ويواجه هذا القطاع نقصًا حادًا بالإمكانيات والموارد البشرية.

ليس هذا فقط، بل أنه تم العثور على أخطاء جسيمة في إدارة نظم القطارات، جرّاء النقص بعدد المسافرين بين الأعوام 2013-2017 الذي أدى إلى صعوبات في التخطيط والتواصل بين المكاتب المختلفة، وكذلك إلى نقص في القاطرات ومستلزمات تشغيلها، فأصبحت كثافة المسافرين عالية في المقطورات. (1)

ويظهر تقرير مراقب الدولة أن أكثر من 60% من العمال في “إسرائيل” يأتون إلى العمل عبر مركبات خاصة، إذ أن نسبة العاملين خارج مكان إقامتهم ارتفعت إلى 66%، كما أن 20% من العمال يصلون عبر المواصلات العامة، و7.8% عن طريق المواصلات المنظمة التي يقدمها أصحاب العمل، و7.6% من العمال يصلون إلى العمل سيرًا على الأقدام.

ويبلغ متوسط طول السفر في المركبات الخصوصية إلى مكان العمل (في أي اتجاه) حوالي 26 دقيقة، بينما تتقلص هذه المدة إلى 13.9 دقيقة بالنسبة للمسافرين في مركباتهم الخاصة للعمل داخل مناطقهم السكنية، وتزداد إلى 33.3 دقيقة للمركبات الخاصة للعمل خارج مناطق سكنهم، إلا أن أطول وقت للسفر هو أن يستعمل الركاب القطار للوصول إلى مكان عملهم، إذ تبلغ المدة ساعة وخمس دقائق في المعدل.

أمّا بالنسبة للمسافرين في القطار إلى مكان عملهم خارج مكان سكنهم، تبلغ مدة السفر حوالي 68 دقيقة في المعدّل، في حين أن المسافرين على متن القطار إلى مكان عملهم في بلدتهم التي يقيمون فيها يسافرون لمدة طويلة نسبيًا، مقارنة بقربهم من عملهم – 31.4 دقيقة، وجراء ذلك يتضح أن 0.3 % فقط من جميع العاملين يختارون السفر بالقطار إلى مكان عملهم.

بينما يقضي من يستعمل الباص في السفر ما معدله 41.7 دقيقة، ويستغرق سفر الشخص من مكان سكنه إلى مكان عمله خارج مناطق سكنه حوالي 53.1 دقيقة، بينما داخل مناطق سكنهم فيستغرق السفر 27.6 دقيقة.

وتحتل نتانيا رأس الهرم بالنسبة لوفرة ووصول المواصلات العامة إليها، بالإضافة إلى المدن الكبرى مثل تل أبيب وضواحيها والقدس وحيفا وأشدود، أما المناطق السكنية اليهودية ذات الدخل المرتفع والحياة المرفه فهم استغنوا عن المواصلات العامة واستبدلوها بمركبات خاصة، على خلاف العرب الذين يحتاجون السيارة الخاصة بسبب نقص المواصلات العامة في مناطق سكنهم. (2)

بالإضافة إلى أن المواصلات العامة في “إسرائيل” غير مريحة لاستخدام الجمهور، إلا أن هناك أفراد لا تُتاح لهم من الأساس، مثل فئة ذوي الإعاقة، وهذا رغم توقيع “إسرائيل” على وثيقة عالمية تعنى بتلبية احتياجاتهم في المواصلات، وسبب تأخّر خدمات هذه الفئة هو السعر المرتفع لهذه الخدمة. 

الظروف في “إسرائيل” تشجّع على امتلاك سيارة خاصّة، فهناك امتيازات لكلّ عامل من مكان عمله فيما يخص السيارة ومن يتنازل عن سيارته يتنازل عن علاوة راتب بقيمة تتراوح من 1,200-2,500 شيكل في الشهر، وسيارات الأجرة لا تكفي لسدّ حاجات الجمهور فهي لا تصل إلى الأماكن حيث الظروف الاقتصادية المتدنية، فضلًا عن النقص الحاد بالمسالك المخصصة للنقل، فمثلا نظام الحافلات يشغل 85% من نظام النقل العام ولكنه عالق في ازدحام مروري بسبب نقص المسالك المخصصة له. (3)

ولا تصل المواصلات العامة بالوتيرة والجودة ذاتها إلى المناطق البعيدة عن مركز البلاد مثل منطقة وادي عارة وجنوبي البلاد حيث تتواجد القرى والبلدات العربية بكثافة عالية، وتعتبر المواصلات في القرى والبلدات العربية أقل من المعدّل القطري إذ يعتمد نصف السكان العرب على السيارات الخاصة أو المواصلات التي يوفرها المشغّل. (4)

ويعاني الطلاب العرب في الجامعات والكليات الإسرائيلية من صعوبة المواصلات ومواعيدها، كذلك من مدة السفر إذا ما تمت مقارنتها بخدمات المواصلات المتوفرة للإسرائيليين، وفي مسح أجراه اتحاد الطلّاب أكّد على هذه الحقيقة بوجود قرى عربية غير مربوطة بخط مواصلات يصلها بالجامعات. (5)

ويمكن وصف قطاع المواصلات في “إسرائيل” بـ “المتخلف” مقارنة مع دول عالمية أخرى، وتؤكّد على هذه الحقيقة مراكز الأبحاث، إذ أن الازدحام المروري تطول مدته وعدد السيارات في الشوارع في ازدياد مستمر وهذا الاكتظاظ يخلق صعوبة بالتحرك والوصول إلى مركز البلاد، في أوقات عدة ليس فقط خلال ساعات الصباح وانتهاء العمل.

على مدار السنوات السابقة، كان الاستثمار في النقل البري بنسبة لا تتجاوز الـ 1%، يذهب معظمها إلى تطوير الشوارع، ورغم الاستثمارات في السنوات الأخيرة إلا أن عدد المسافرين للعمل يزداد بسبب النمو السكاني في “إسرائيل”، كما التوسّع المكاني وازدياد الوظائف وأماكن التوظيف وسكن الناس بعيدًا عن أماكن عملهم الجديدة شكّل عبئا على البنية التحتية للنقل. (6)

المصادر :

(1) معاريف : https://bit.ly/2JPr8P4
(2) يديعوت أحرنوت : https://bit.ly/2Sjftfx
(3) جلوبس : https://bit.ly/2XnphXk
(4) بنك إسرائيل : https://bit.ly/2soRqPV
(5) هآرتس : https://bit.ly/2LYXxp9
(6) هون : https://bit.ly/2LnOfU2

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on