مقدّمة العسّاس |

تسيطر الأحزاب اليمينية على مقاليد الحكم في “إسرائيل” منذ عام 1997 ضمن رؤية واحدة متطرفة، أدت إلى تزايد الرهان على الشخصيات بدلًا عن الأحزاب ذات التوجهات الواضحة، وهذا بانحصار المنافسة في الانتخابات المقررة الرابعة بين أحزاب اليمين.

هذه المادة تشرح الأسباب التي جعلت المشهد السياسي الإسرائيلي يقتصر على منافسة بين الأحزاب اليمينية.

إعداد العسّاس |

أظهرت نتائج استطلاع للرأي بشأن الانتخابات الإسرائيلية الرابعة خلال العامين الأخيرين، سيطرة أحزاب اليمين على أصوات الناخبين، إذ أنه لو أجريت الانتخابات بتاريخ 11/01/21، وكانت صورة الأحزاب كما هي حاليًا، سيحصل الليكود برئاسة نتنياهو على 29 مقعدًا، وسيكون “تكفا حدشاه” حزب جدعون ساعر المنشق عن الليكود الثاني بقوة 16 مقعدًا. وسيحصل حزب “يمينا” التابع لبنيت على 13 مقعدًا في المركز الثالث، والأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة “شاس ويهدوت هتوراة” ستحافظ على سلطتها بثمانية مقاعد لكل منها، بينما سيحظى حزب ليبرمان “يسرائيل بيتينو” على 7 مقاعد.

أما عن أحزاب “اليسار – المركز” فسيحصل “ميرتس” على خمسة مقاعد، وحزب رون خولدائي “هيسرائيليم” على 6 مقاعد، وحزب “أزرق وأبيض” على خمسة مقاعد. في حين ستحصل القائمة العربية الوحيدة “القائمة المشتركة” على 10 مقاعد، وستندثر كثير من الأحزاب ومنها حزب العمل العريق. (1)

استنادا إلى هذه النتائج فإن المعركة الانتخابية المقبلة في “إسرائيل” ستكون على الحكم داخل صفوف اليمين الذي سيسيطر تقريبًا على 87 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست الإسرائيلي، بدون أن تكون هناك فوارق جوهرية بين الأحزاب في قضايا الأمن والسياسة والاقتصاد.

بل على العكس، فإن قيادات الأحزاب تتبارز فيما بينها اليوم على من هو الأكثر تطرفا بقضايا مثل دعم الاستيطان في الضفة الغربية، رفض حل الدولتين وفرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن.

كما الأحزاب التي تعبر عن نفسها كـ “يسار– مركز”، مثل أعضاء حزب “يش عتيد”، فهي تفتقر إلى أي صلة لآراء اليسار الكلاسيكي، إذ يتفاخر لبيد في كل فرصة بأنه رجل يميني نشأ طوال حياته في منزل يميني. (2)

ولا يمكن تجاهل شعار حملة غانتس من حزب “كاحول لافان”، في الانتخابات الأخيرة: لا يمين ولا يسار، “إسرائيل”.. أولًا.

ومن وجهة نظر الباحثة في قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية، جيل تلشير، يبدو أن النظام السياسي في “إسرائيل” اليوم مختلف تمامًا على ما كان عليه قبل سنوات، إذ تقول: “في المعسكر اليميني، هناك منافسة على من هو الأكثر يهودية. بينما في معسكر يسار الوسط، المنافسة هي من هو الأكثر إسرائيليًا […] يمكنك أن ترى أنه لا توجد فوارق تقريبًا بين المعسكرين، وذلك بسبب عامل الهوية”.

وأضافت تلشير “المعسكر اليهودي يجذب قطب الإثني – الديني، والمعسكر الإسرائيلي يجذب قطب القومية المدنية، وأحزاب اليسار الوسط  تدعم مفهومًا مدنيًا لدولة إسرائيلية، مما يسمح بإدراج مواطنين غير اليهود، كما يحمل المفهوم أجندة دولة رفاه الشاملة، وينعكس بوضوح في الاحتجاج الاجتماعي الذي زاد من حدة الاختلافات بين اليمين واليسار على النطاق المدني-الاقتصادي.

من ناحية أخرى، فإن تصور اليمين هو أن “إسرائيل” هي أولاً وقبل كل شيء دولة يهودية تنتمي إلى الشعب اليهودي، وهذا يعني اليهودي بالمعنى الديني وليس القومي فقط، ولقد فهم نتنياهو أن منافسته الكبرى على الأصوات كانت مع الأحزاب الدينية وعلى رأسها البيت اليهودي، ولقد جاء في الواقع إلى ناخبي اليمين وقال لهم: “إذا كنت تريد “إسرائيل” يهودية، صوّت لنتنياهو. (3)

وبحسب تلشير، لا يوجد مركز في السياسة الإسرائيلية: “الأمل في تغيير الحكومة يمر في الوسط السياسي – الوسط هو المنطقة التي من المفترض أن تنقل الأصوات من اليسار إلى اليمين والعكس، لذلك تطورت كتلة أحزاب الوسط، ونرى تجمع كل الأحزاب الشخصية في الوسط – يائير لبيد، بيني غانتس، موشيه كحلون ليفني: عضو في حزب العمل لن يصوت لليكود، لكنه سيصوت لغانتس أو ليفي أباكسيس، هذه هي المنطقة التي ستحدد من سيكون رئيس الحكومة، لكنني أقول لا يوجد مركز في “إسرائيل”، لأن جميع الأحزاب إما يمين أو يسار.

وأوضحت “في محاور الهوية الاجتماعية الاقتصادية، والأمن والسياسة، تكان تكون مواقف أحزاب  المركز خالية منها تمامًا”. (3)

بدوره، يقول الكاتب في الموقع الإسرائيلي “ماكور ريشون”، يائير شليج: إن حرب النكسة كانت نقطة تحول في التاريخ الإسرائيلي جغرافيًا وسياسيًا، بينما كانت حرب أكتوبر نقطة تحول اجتماعيًا وسياسيًا، إذ أدت إلى انهيار حكومة المركز الإسرائيلية المتمثلة في حزب العمل، تشكلت ولاية اليمين المحافظة الأولى في “إسرائيل” على يد مناحيم بيغن عام 1981 بفوز الليكود وحصوله على 48 مقعدًا.

واتسعت دوائر اليمين السياسي خلال انتخابات 1996، بتحالف ضخم للأقليات بقيادة نتنياهو، يتضمن: الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، والمهاجرين الجدد، وسكان الضواحي والقوميين. (2)

وتفتقر الأحزاب، التي تطلق على نفسها اسم “اليسار”، إلى أي بوصلة أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، فكل حملاتهم الانتخابية مبينيه على الإطاحة بـ بنيامين نتنياهو.

ويشير تعريف “اليسار” و “اليمين” في “إسرائيل” اليوم بشكل أساسي إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي، وليس إلى معظم القضايا التي تُميز الخطاب السياسي في البلدان الأخرى. (4) (5)

بهذا الشأن، تشير الباحثة في قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية، جيل تلشير، إلى أن “كل من يعارض وجهة النظر المحافظة يعتبر خائنًا، لا يقتصر الأمر على الإعلام والمعارضة فحسب، بل يشمل أيضًا اليمينيين البارزين مثل الرئيس رؤوفين ريفلين، ووزير الأمن السابق بوجي يعلون، ودينا زيلبر، ومؤخراً جدعون ساعر، وهذا هو السبب في أن الانتخابات هي صراع من أجل الديمقراطية الإسرائيلية وحراسها”. (3)

كما أن اليسار الاسرائيلي غير قادر على التعامل مع الجمهور الذي تشكلت آراؤه السياسية خلال 73 عامًا من التعليم على أساس ديني – قومي، والحزب الذي يعلن نفسه على أنه يساري ويحذف “الصهيونية” من اسمه سيتعين عليه التنازل عن مبادئ لا هوادة فيها، فقد يكون في الحكومة، لكن ليس في اليسار، وربما لن يتغير هذا الوضع، لأن الديموغرافيا تعمل أيضًا لصالح اليمين.

إضافة إلى ذلك، يتزايد عدد السكان في المدن الأرثوذكسية المتطرفة والأحياء والمستوطنات بمعدل مختلف عن التجمعات اليسارية، وحزب العمل الذي شغّل 56 مقعدًا عام 1969، لا يجتاز نسبة الحسم اليوم، واليسار شبه معدوم في الخطاب العام، بالتالي فإن الجدل الأيديولوجي الحقيقي آخذ في الاختفاء. (2) (4) (5)

المصادر:

(1) “ماكو”: https://bit.ly/3bZJVHr
(2) “مكور ريشون”: https://bit.ly/2XRi5Vs
(3) “ذي ماركر”: https://bit.ly/3sOKQAq
(4) “معاريف”: https://bit.ly/38XYPvF
(5) “هآرتس”: https://bit.ly/3qB1AJu