مقدّمة العسّاس |

يُشكل اليهود الشرقيون “السفارديم”، وهم الذين هاجروا إلى الأراضي المحتلة من بلاد آسيا وأفريقيا، ومن الأقطار العربية والمغرب العربي بخاصة، أكثر من ثلث اليهود في “إسرائيل”، إلا أنهم تعرضوا وما زالوا لأنواع مختلفة من التمييز والعنصرية.

كيف وصل اليهود المغاربة إلى الأراضي المحتلة؟ كيف تمت معاملتهم؟  

هذه المادة تتحدث عن اليهود المغاربة وأوضاعهم عند الهجرة، هي مُقابلة من موقع “ذي ماركر” مع أهرون كوهين الحاصل على الدكتوراة في الجغرافيا السياسيّة ومُحاضِر في كلٍّ من “جامعة بن جورويون” وكُليّة “سابير”.

ترجمة العسّاس |

لقد بحثت في تاريخ ونشأة “مُدُن الهامش” (المدن الريفية)، لماذا جاء إليها تقريبًا فقط اليهود الشرقيين؟

على الرغم من أن الصهيونية كانت تحلم بتجميع المنفيين وبوتقة الصهر، إلا أنها في الواقع كانت تهمش وتقصي الشرقيين.

لم ينجحوا في إقناع اليهود الشرقيين في استيطان الصحراء، لم يُحاولوا أصلًا! كانوا من الفقراء، ومرتبطين بالمؤسسة من الناحية الاقتصادية، وببساطة أخذوهم إليها عن طريق الإكراه والخديعة.

نعم، تمّ تحميلهم في شاحنات دون إخبارهم عن الوجهة. أحيانًا، عندما فهموا ماهيّة الوجهة واشتكوا أو أرادوا الهرب، أخبروهم أنّ هذا وضع مؤقّت وسيتغيّر، أو أنّ هذه حتّى الآن ليست أرض “إسرائيل”، هي محطة على الطريق فقط.

 حدث أحيانًا أن البعض رفض أن ينزل من الشاحنات بفِعل بعض المشاهد القاسية التي رأوها، والمسؤولين عن استيعاب المهاجرين بمُساعدة الشُرطة استخدموا معهم القوّة، وأخبروهم أننا سنبحث لاحقًا عن حلّ.

حل لعدم رضا المُهاجرين النزول من الشاحنات؟

نعم، ببساطة أحضروهم في مُنتصف الليل، في الظلام دون أن يروا إلى أين وصلوا، وعليه فإن مُعارضة النزول من الشاحنات قلّت.

في اليوم التالي، عندما تبيّنت الحقيقة، كان هذا مُتأخرًا جدًا، إحدى القصص التي سمعتها من بن  تسيون جلر، من كيبوتس روحما، وهو الذي أوكلت إليه مهمة إقامة المُخيم، والذي تحوّل لاحقًا لمدينة “سديروت” (المترجم: على الحدود مع قطاع غزة)، وكان عن مجموعة المُهاجرين الأولى التي وصلت هُناك.

أيضًا هم تمّ إحضارهم بالقوّة؟

بن تسيون أُخبِرَ أنّ المهاجرين يصلون فقط بعد عيد “الشفوعوت”، ولكنهم وصلوا حتّى قبل عيد الفصح (العبري)، كما أن بن تسيون يُخبرنا أنّه في أحد الأيام، عندما كان مشغولًا في بناء الخيام، فوجئ بسماع صوت شاحنة كبيرة تقترب.

قبل أنْ يرى السائق حتّى، سمع أحدًا يُناديه بصوتٍ عالٍ: “من هذا هنا؟ بن تسيون جيلر؟” وبعدها مُباشرة: “تعال وقّع هنا على استلام البضاعة”، اقترب إليه ولم يفهم عن أيّ بضاعة يدور الحديث، كانت لديه كل أدوات ومواد بناء الخِيَم!

ومن ثمّ رفع السائق غطاء الشاحنة وقام برمي ثلاث عائلات من كردستان، بالضبط كما يُرمى الوحل.

كان أيضًا مهاجرين من أوروبا وصلوا في هذه الأيام، ماذا عنهم؟

اللقاء الأول بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين كان مؤلمًا جدًا، في عام 1947، غادرت من الجزائر ثلاث سُفن تحمل مُهاجرين من المغرب وتونس، كانوا من الناس التي دفعت ما تملك كي تُهاجر إلى هذه البلاد، بعيونٍ حالمة، قام البريطانيون بإرسالهم إلى مُعسكرات التجميع في قبرص.

كان قد تجمّع في المعسكر عشرات آلاف المهاجرين اليهود الأوروبيّون، حتى ذلك الوقت كان الاستقبال الطبيعي لكل سفينة تصل يكون بالرقص والأهازيج.

لليهود الشرقيين لم يكن كذلك؟

كانت المرة الأولى التي لم يكن كذلك، كان صمتًا مُدويًّا، اليهود الأوروبيّون رأوا أمامهم أُناس يلبسون الجلّابيّات وبعد أيام طويلة لم يستحمّوا فيها ودون تبديل الملابس. وضعوهم في مُعسكر مُنفرِد.

 كما قام ضُباط تنظيم “الهاجاناة” بإرسال برقيّات إلى البلاد بأنّ: “يهود المغرب وصلوا، أُناس يتكلمون بصوتٍ عالٍ ويلعبون شيش بيش”. هناك بدأت تتشكل الأفكار المُسبقة عن اليهود المغاربة.

هل كان هناك الكثير من المُتعلمين بين اليهود المغاربة؟

في المغرب كانت 93 مدرسةً تابعة لشبكة “إليانس”، وقسم كبير من اليهود هناك تعلموا على مستوًى عالٍ جدًا واتقنوا الإسبانيّة، العربيّة والعبريّة، ولكن في عيون اليهود الأوربيّين وبعيون المؤسّسة، اُعتُبروا جميعهم قرويين ومتخلفين وجهلة.

هذه الأفكار المُسبقة أثّرت على اليهود المغاربة لاحقًا، وكانت الكثير من القصص المُتشابهة في هذا السياق، ومُعظم اليهود الذين أرسلوا لمعسكرات التجميع لم يُسألوا أين يُريدون أن يتوطّنوا.

كما أن قسم منهم كان يعرف أين سيتم أخذهم، لكن كُثر منهم طلبوا أن يتم توطينهم في أماكن مُعيّنة أو إلى جانب أقارب وصلوا قبلهم، وُطّنوا على عكس رغباتهم. إحدى القصص المُتداولة هي حول مجموعة مُهاجرين وصلوا ميناء حيفا وتم سؤالهم على أين ينوون التوجّه. طلبوا الذهاب للقدس.

حينها قيل لهم، “لا تقلقوا، سيتم إرسالك للقدس، ولكن اجلسوا هنا بهدوء ولا تنبسوا ببنت شفة”.

ومجموعة أخرى وصلت وطلبت وجهة تل أبيب، وقيل لها أيضًا نفس الكلام، ثم مجموعة ثالثة طلبت وجهة نهريا (المترجم: مدينة على الساحل في شمال البلاد) ومرّت بنفس العملية، لأنّه كان لهم أقرباء هناك، في نهاية الأمر جميعهم حُمّلوا في نفس الشاحنة.

وعندما وصلوا في منتصف الليل لمخيم “يروحام” (في صحراء النقب)، قال لهم السائق “من طلب القدس لينزل”، ومن طلب القُدس نزِل، ومن ثمّ قام بالدوران بالسيارة لمدة عشرين دقيقة، عاد لنفس المكان وقال: “من طلب تل ابيب لينزِل”، في النهاية جميعهم وجدوا أنفسهم في خيم في وسط الصحراء، ولهذا بذلت جهدًا خاصًا للحفاظ على الموضوعيّة، وقابلت الناس كاللوح الأبيض ودوّنت هذه الأمور.

هل كان هذا من بين الأشياء التي خلقت الإحباط؟

إحباط كبير، في المخيّمات كانت الظروف صعبة جدًا، خيم دون بنية تحتيّة، دون المُستلزمات الضروريّة، ودون كهرباء وخدمات دينيّة أو صحيّة وتربية أو مواصلات، كما أن المُهاجرين المغاربة ظُلموا في كل مكان وصلوا له، كانت سيرورة تهميش وإقصاء، والناس لم تنسَ هذا الفقر.

وعن حول اعتبار هذا التعامل مشابه للتعامل مع اليهود القادمين من أوروبا، أكد أهرون كوهين أنه كان هُنالك تصوّر مُختلف بين المجموعتين، الأوروبيّون كان يتم اعتبارهم مدنيين، مُتعلمين وأصحاب مهن مُتقدّمة يجب توطينها في “المُدن البيضاء”.

بينما الشرقيين جهلة، جاؤوا من شبكات الصرف الصحيّ، ويجب عليهم الصمت وتقديم مراسيم الشُكر على قبول الدولة بأن تُحسّن من وضعهم.

في إدارة الوكالة اليهوديّة كان واضحًا أنّه يجب منح الأوروبيين مُعاملة خاصّة، ومن هذه الرؤية انجدلت سياسات توطين اليهود الأوربيين في منطقة المركز، وكان لدى المؤسسة تخوّف، بأنّه إذا تمّ إرسال بولندي مثلًا “لبئر السبع” وهي بلدة من الجنوب سيترك البلاد حالًا.

لم يتم إرسال الأوروبيّين للمدن الريفية، وإن حصل فعلًا فسيكونون يهودًا قادمون من رومانيا أو شرق أوروبا.

المصادر:

(1) “ذي ماركر”: https://bit.ly/3opimue