مقدمة العسّاس | لعلّ تأخر إعلان صفقة القرن يأتي متوافقًا مع استراتيجية قديمة لنابليون بونابرت وهي: “ألا تقاطع عدوك أبدًا عندما يرتكب خطأ”، ربما هذا ما يحدث على الساحة الفلسطينية مع استمرار الانقسام لنحو 12 عامًا، وما ترتب عليه من تضارب في الرؤية في السياسية الفلسطينية، وتراجع واضح لدور منظمة التحرير على الصعيد الدولي، وخسارة التأييد المضاد للاحتلال الإسرائيلي.

هذا المقال ضمن ملف “نظرة على”، المترجم عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، يتحدث عن الصراع بين حركتي حماس وفتح، في ظل تراجع دور منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني، سيما مع الوضوح التدريجي لصفقة القرن.


ترجمة العسّاس | تأزم الصراع بين الطرفين الفلسطينيين الكبيرين منذ فشل المحاولات المصرية الأخيرة في جمعهما، وذلك بعدما أعلن أبو مازن في 22 ديسمبر/كانون الأول 2018 حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تملك حماس الأغلبية فيه منذ عام 2006، ثم في انسحاب موظفي فتح من معابر غزة في 6 يناير/كانون الثاني 2019.

بذلك، فرض أبو مازن على مصر إغلاق معبر رفح كما كان الحال قبل عودة مسؤولي فتح عام 2017، عندما كان فتح المعبر ضمن وتيرة قليلة ولوقت قصير، وكل هذا في ظل أن الحوار الجاري بين فتح وحماس آخذ بالتدهور، وكل طرف يهاجم ويتهم الآخر.

كما انعكس هذا التوتر على مؤتمر الفصائل الفلسطينية في موسكو وسط فبراير/شباط 2019، إذ امتنع الجهاد الإسلامي عن إصدار تصريح فلسطيني مشترك، وأقنع حماس بالامتناع عن التصريح ” بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”.

وكان تبرير حركة الجهاد بأن منظمة التحرير انحرفت عن المسار الصحيح، وحال العودة إلى الصواب يمكن الاعتراف بها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وذلك لا يتم إلا بإلغاء إعلان استقلال الدولة الفلسطينية، والتخلي عن المنجزات السياسية التي قامت بها حتى الآن.

من ناحية أخرى، ادّعى عزّام الأحمد، رئيس وفد فتح في هذه المحادثات وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن الاعتراف بالمنظمة لا يمكن أن يكون مشروطًا، وأن المنظمة هي ذاتها مع جميع التزاماتها واتفاقياتها الموقعة ولا شيء غير ذلك.

ووصف الأحمد أعضاء الجهاد الإسلامي بالجُهال، كما أن انجرار حماس وراء حركة الجهاد التي تعتبر تحتها هرميًا، كان مفاجأة، سيما أن الخلافات بينهما وصلت أكثر من مرة إلى مستوى المواجهة.

ويدور التنافس بين حماس والجهاد، حول التغييرات التي حدثت في السنوات الأخيرة في ركيزة حماس تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تم التعبير عنها في أحدث برنامج سياسي، وهي وثيقة حماس التي تم نشرها في 17 مايو/ حزيران 2018. وتنص على أن “منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني لجميع الفلسطينيين”.

في الآونة الأخيرة في غزة، خرج متظاهرون بقيادة حماس، بدعوة تنادي إلى رحيل أبو مازن عبر هتاف “ارحل”، مثلما حدث في مصر مع نهاية عهد مبارك، وينبع هذا الهتاف من حالة الإحباط والغضب من أبو مازن لعدم دفع رواتب الموظفين في قطاع غزة وخفض الميزانية، ويعتبر ذلك في نظر فتح والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بمثابة السابقة الخطيرة، التي قد تؤدي إلى تآكل الاعتراف بالمنظمة في العالم على أنها “الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين”.

ويظهر هذا في سياسة حماس الخارجية، التي تديرها بصورة مستقلة، الرامية خلال كل منتدى يظهر فيه أبو مازن أو أحد ممثلي السلطة، إلى التأكيد أنهم ليسوا الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني.

في خلفية الصراع فإن السياسة التي اتخذتها إدارة ترامب وتبنتها “إسرائيل”، سعت في العامين الأخيرين إلى إضعاف السلطة وتعزيز حماس وبقية الفصائل المناوئة للسلطة، وألغت الميزانية التي قدمتها الإدارات السابقة إلى الأونروا، وقررت أن مشكلة اللاجئين موجودة فقط في أبعاد صغيرة.

وكذلك كان موقف إدارة ترامب من القدس قريبًا من موقف “إسرائيل”، ومنذ ذلك الحين تأزمت علاقة ترامب مع أبو مازن، وبات خطاب إدارة ترامب بمثابة العائق والحاجز، على خلاف الموقف العالمي الذي يراه كرجل سلام.

وصرّح أبو مازن عن عدم ثقته بترامب، وأنه لم يعد الوسيط بالمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك يرفض أبو مازن استقبال مبعوثي الولايات المتحدة، وبدأ يحاربهم عن طريق الدول العربية، وبذلك أخرج نفسه من دائرة نفوذ الإدارة الأمريكية.

في الواقع، تحترم الفصائل الفلسطينية موقف أبو مازن و معارضته لأفكار الإدارة الأمريكية، مع ذلك قد بُني الاستنتاج بأن منظمة التحرير الفلسطينية ليس لها سلطة دون دعم أمريكي إسرائيلي، وأنها ببساطة تفقد أهميتها، وسط عدم استيعاب فتح أنها لم تعد الحركة الأولى، وأن المساواة بين الحركتين الرئيسيتين في فلسطين يتطلب التوقف عن التصرف بشكل مستقل.

إلا أن فتح تستصعب في تقبل واقع المساواة هذا، مما يضرّ بوضعها ويسبب الشلل في النظام السياسي الفلسطيني، كما يُواصل أبو مازن إخضاع حماس للسلطة الفلسطينية، تحت شعار “سلطة واحدة، وسلاح واحد”، هو يعتقد أن الوحدة الفلسطينية فقط بإمكانها التعامل مع صفقة القرن.

على الرغم من إدراك أبو مازن أن الدعم الإسرائيلي والأمريكي والعربي فقط هو القادر على تعزيز مطالبته بوحدة السلاح والحكومة، فإنه يتمسك بالالتزامات الدولية التي تعهدت بها منظمة التحرير الفلسطينية ويخشى من “لبننة” الساحة الفلسطينية التي لن تسمح بالامتثال لهذه الالتزامات.

(المترجم: المقصود من “لبننة” هو أن تصبح السياسة الفلسطينية كما السياسة اللبنانية)

أمّا في السنة الأخيرة، تزايد قلق أبو مازن بشأن ما يراه كمحاولة أمريكية تدعمها “إسرائيل” بتحويل قطاع غزة إلى كيان فلسطيني مستقل، عوضًا عن السعي إلى تجديد المفاوضات على مناطق C وB، كما هو منصوص باتفاق أوسلو.

بينما تمسكت حماس من جهتها بسلاح المقاومة، وما دام هناك احتلال وتسليم سلاح الشرطة والأمن الداخلي، تؤمن قيادتها بأنها تحظى بدعم شعبي لموقفها هذا، لكنها تخشى من الضغوط الاقتصادية التي يمارسها عباس عليها إن لم تجد حلًا بديلًا.

ويتمثل الواقع غير المسبوق، بأن الجمهور الفلسطيني الذي رأى بالمنظمة الممثل الوحيد، لا يمكنه تجاهل هيمنة حماس، التي تناضل منذ عام 1987، ويبدو أنه بعد كل التحركات التاريخية التي اتخذتها منظمة التحرير، وبعد كل المحاولات وحتى بعد كل الإخفاقات التي مرت بها الساحة الفلسطينية، يظهر اعتراف علني واسع النطاق بأنه لا مفر من الدمج المتفق عليه بين استراتيجيتي نضال فتح وحماس.

وترتكز قضية “من سيرث أبو مازن”، بشكل أساسي على مسألة المسار الذي سيسلكه الشعب الفلسطيني، بدلاً عمن سيرثه في مناصب مختلفة، كما أن الأمور التي أدخلها ترامب للنقاش الفلسطيني تعتبر مأساوية، لما فيها من تشجيع لأعداء أبو مازن، ما يعني سحب البساط من تحته بدون الدعم الأمريكي والإسرائيلي.

وفي غياب إنجاز حقيقي للفلسطينيين في إطار صفقة القرن، سيتعمق الجمود السياسي وسيرافقه زيادة الإحساس بالفشل في رام الله، وفي ظل هذه الظروف، ستجد منظمة التحرير الفلسطينية صعوبة في الاستمرار في العمل “كممثل وحيد للشعب الفلسطيني” والسلطة الفلسطينية كنظام داخلي، ستضعف أكثر.

كما أن زعزعة الاستقرار في الساحة الفلسطينية وزيادة التوترات بين المعسكرات، ستدفع “إسرائيل” إلى تحدٍ أمني لم تعالجه في السنوات الأخيرة، ومن المحتمل جدًا أن تحسم “إسرائيل” الصراع الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية لصالح المعسكر الوطني فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا سيقوض شرعية هذا المعسكر وسيضعفه، وهناك حالة شكّ ما إذا كان سيتمكن من مواصلة التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، كما هو معروف بشكله الحالي.

المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي
عنوان المادة الأصلي:نهاية عصر منظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني
تاريخ نشر المادة:18.03.2019
رابط نشر المادة:https://bit.ly/2Txtp4f