ترجمة العساس | في بداية التسعينات كان نقاش وسائل بناء الثقة والأمن البحري إحدى النقاط الأساسية في محادثات “ضبط السلاح والأمن الإقليمي” (ACRS) التي أجريت في تلك الفترة، خاصة في مجالات الإنقاذ البحري والتعامل مع الحوادث البحرية. آنذاك اعتمدت الفكرة على النموذج الأوروبي لبناء الثقة والأمن البحري في الشرق الأوسط المليء بالصراعات.

وكانت الأسباب وراء اختيار التعاون في المجال البحري لبناء الثقة متنوعة: أولًا، الاعتقاد أن المجال البحري هو “أكثر هدوءًا” بالمقارنة مع مجالات عسكرية أخرى، لذا سيكون من الأسهل “المخاطرة” في التعاون بهذا المجال بين سلاح البحرية للدول المختلفة حتى في الأوقات التي يكون فيها الجو العام مشحونًا. ثانيًا، تعتمد الكتائب البحرية طرق إدارة خاصة بها، كما أن لها لغتها المشتركة المتعدية لحدود القومية.

إن إنجازات مجموعة ACRS في المجال البحري كانت تبني قرارات في مجال الإنقاذ والحوادث البحرية خلال الجلسة العامة التي أجريت في تونس عام 1994، إضافة لاتفاقية مبدئية لإجراء تدريبات بحرية وتنظيم لقاءات بين ضباط البحرية التابعين لجيوش المنطقة. لكن منذ تجميد المحادثات في أواخر عام 1995 لم تجر أية محاولة لاستئناف المحادثات في هذا السياق، لكن هناك حاجة اليوم لدراسة الأمن البحري كوسيلة لبناء الثقة بين “إسرائيل” وبعض جاراتها، وذلك بهدف تقليص المصادر المحتملة للاحتكاك والتصعيد في البحر المتوسط، خاصة في الجزء الشرقي منه.

ماذا تغير في البحر المتوسط؟

إن البحر المتوسط مهم جدًا للدول المطلة عليه، بسبب اعتمادها على النقل البحري كجزء من التجارة العالمية. مع ذلك، منذ اكتشاف مرافق الغاز الكثيرة في “المياه الاقتصادية” الإسرائيلية عام 1999، وكذلك في المياه الاقتصادية لقبرص، ازدادت أهمية موضوع الاقتصاد القومي لتلك الدول، وكان من المتوقع أن تعزز من وجودها العسكري في البحر المتوسط من أجل الحفاظ على منشآت الغاز. مما يعني رفع احتمال حدوث احتكاك بين سلاح البحر الإسرائيلي ونظرائه التابعين للدول المجاورة.

وهنا يذكر أن “إسرائيل” خصصت ميزانية كبيرة لبناء قدرات دفاعية لمرافق الغاز التي تملكها. وإضافة لقبرص التي تملك الغاز وتتمتع بعلاقات ودّية مع “إسرائيل”، تنضم دول أخرى معادية مثل سوريا ولبنان واللتين تملكان إمكانيات اكتشاف الغاز في مجالهما البحري. على ضوء ذلك، تكونت مصلحة مشتركة لهذه الدول تدفعها لإيجاد آليات منع الاحتكاك غير الضروري بين كتائب البحرية.

تكمن مصلحة “إسرائيل” هذه المرة بتجديد المحادثات حول الموضوع، ودعوة دول عربية جديدة لم تشارك في المحادثات السابقة، مثل لبنان وسوريا وليبيا إضافة لمصر التي شاركت سابقًا. بالإضافة إلى تركيا ودول أوروبية مثل قبرص واليونان، والدول العظمى الفاعلة في البحر المتوسط كالولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا.

وعلى الرغم من المصلحة المشتركة لتعزيز وسائل بناء الثقة في البحر، قد ترفض دول مثل سوريا ولبنان المشاركة بسبب وجود “إسرائيل” في المحادثات. وعليه فإن إحدى الطرق للتغلب على هذه المعارضة هي ترك إدارة المحادثات للولايات المتحدة وروسيا أو عن طريق الأمم المتحدة، ومن ثم ستجند روسيا سوريا للمشاركة.

إن النجاح في عقد اتفاقية بناء الثقة البحرية قد يساهم في التغلب على بعض العوائق التي ظهرت خلال محاولة الاجتماع حول موضوع المنطقة منزوعة السلاح، كما تساهم في تمهيد الطريق لبناء الحوار حول القضايا الأمنية المشتركة لدول الشرق الأوسط.

 

المصدر : http://heb.inss.org.il/index.aspx?id=4354&articleid=11794

Leave a Reply

Your email address will not be published.