مقدّمة العسّاس |

دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حالة تناقض واضحة حول تعامله مع وسائل الإعلام، إذ يسعى إلى السيطرة عليها وتسخيرها لمصلحته، ويحاول في ذات الوقت الهروب منها ومن انعكاساتها السلبية عليه.

كيف يتم ذلك؟ وما هي سياسية نتنياهو الحقيقية تجاه الإعلام؟

هذه المادة تكشف محاولات نتنياهو للسيطرة على الإعلام، وتشرح أسلوبه في الهروب منها وملاحقتها في ذات الوقت.

إعداد العسّاس | 

في مقابلة أُجريت مع المسؤول عن “بيبي-فلوغ”، توباز لوك؛ وهي مدونة توثق يوميّات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من خلال نشر فيديوهات من حياته اليوميّة، أبدى امتعاضه من وسائل الإعلام الإسرائيليّة، مبيّنًا أن هذا السبب الذي دفع نتنياهو إلى فتح قناته الإعلاميّة الخاصّة.

وتهدف المدونة إلى إنشاء قناة تتجاوز وتلتف على وسائل الإعلام من خلال كشف شخصيّة نتنياهو مباشرة وعن قرب للمشاهدين، إذ انتقد لوك الإعلام بصورة لاذعة، مدّعيًا أن وسائل الإعلام حرصت على تصوير نتنياهو بشكل سلبيّ من خلال نشر الأخبار الزائفة والأكاذيب حوله. بالتالي قال لوك إنّ مدى ثقتهم في وسائل الإعلام “أقلّ من مستوى البحر الميت”. (6)

تتلاءم هذه التصريحات مع تاريخ العداء الطويل بين نتنياهو وأجهزة الإعلام الإسرائيليّة؛ إذ طوال سنوات عمله السياسيّ استمرّ بالهرب منها من ناحية، ومطاردتها من ناحية أخرى.

وعلى الرغم من استخفافه بها وإلغائه أقوالها، إلّا أنّه مهووس بشكل واضح بكل كلمة تكتب عنه، وفي السنوات الأخيرة، وصلت حقيقة مطاردات رئيس الوزراء لأجهزة الإعلام إلى غرف الاستجواب. (8)

وكشفت الشرطة عن ملفّات نتنياهو الجنائيّة؛ وبرزت فيها محاولاته للسيطرة على الإعلام، كما أنه في العقد الماضي مارس العديد من الضغوطات، وقام بتفعيل قوّة على أجهزة الإعلام بهدف التأثير على الرأي العام في كلٍّ من التلفزيون والراديو والإنترنت والصحافة المطبوعة، وذلك منذ أن نصّب نفسه وزيرًا للإعلام 2015. (7)

من خلال تولّيه منصب وزير الإعلام، حاول نتنياهو الحد من مخاطر سوق الإعلام من خلال إدارته بنفسه، وذلك لعدم ثقته بأيّ شخص آخر لهذه المهمّة. (2)

حتّى بعد أن اضطر نتنياهو للتخلّي عن هذا المنصب، عندما أصبح مشتبهًا به في سلسلة من القضايا الجنائيّة التي ارتبطت جميعها بمحاولات السيطرة على وسائل الإعلام (هَعَاين هَشفِيعيت)، كانت اختياراته للوزراء والمسؤولين في وزارة الاتّصالات تقع على المقرّبين منه، من أجل ترسيخ سلطته أمام القنوات التلفزيونيّة؛ وخاصّة أمام شركات الأخبار. 

كذلك، حاول نتنياهو تعزيز المنافسة في سوق الإعلام، وعلى الرغم من اعتبار هذه السياسة محمودة؛ إلّا أنّه يصعب عدم الشك في أنّ الهدف الحقيقيّ لنتنياهو، الذي ادّعى مرّات عديدة من انحياز الأخبار ضدّه، هو محاسبة وإغلاق وسائل الإعلام من خلال إضعاف قوّتها. (5)

اتّبع نتنياهو طريقة العصا والجزرة من أجل خلق إعلام بديل، وقمع الصحافة الناقدة؛ وذلك على أربعة مراحل تمثلت بـ: شنّ هجمات متكرّرة ضدّ الصحفيّين ووسائل الإعلام الناقدة، ونشر الأخبار التي تخدمه وتخدم حملته بالإضافة إلى تنشئة الصحفيّين وتجنيدهم بشكل منهجيّ.

وتضمنت هذه المراحل أيضًا تشجيع وسائل الإعلام والصحفيّين من المجموعة الثانية على شنّ اعتداءات عدوانيّة ضدّ الصحفيّين والإعلاميّين من المجموعة الأولى، وإنشاء صحف بديلة: منشورات نتنياهو، إلى جانب مجموعة مختارة من الأخبار والمقالات المكتوبة على يد صحفيّين مُختارين بسبب تمسّكهم برسالته. (9)

وتدور معظم أخبار نتنياهو في السنوات الأخيرة حول علاقات رئيس الوزراء بالإعلام والقضايا الجنائيّة ضدّه المتعلّقة بها، إذ يتناول ملف 1000 علاقته بأرنون ميلتشين، أحد مالكي القناة العاشرة، وملف 2000 علاقته مع ناشر يديعوت أحرونوت؛ نوني موزيس، وملف 4000 يتعلّق بشركة بيزك وموقع والاه الإخباريّ.

كما أن جميع هذه الملفات تكشف عن مطاردة نتنياهو لأجهزة الإعلام، والعكس صحيح؛ في حلقة مفرغة لا نهاية لها، أحيانا يكون هو القط فيها، وأحيانا أخرى يكون الفأر؛ أحيانًا يهربُ منها، وأحيانًا ​​يطاردها عندما يستشعر في أخبارها أيّ تهديد عليه؛ دون أن ينجح بالخروج من هذه الحلقة. (8)

ومع انتشار قضايا الفساد ضدّه، حاول نتنياهو استفزاز ومهاجمة الصحفيّين والأجهزة الإعلاميّة التي عملت على كشف ملفّاته الجنائيّة، إذ تكشف هذه الممارسة القليل فقط عن استراتيجيّته في التعامل مع أجهزة الإعلام. (9)

في السابق، انشغل لأسابيع وشهور في محاولات تفكيك هيئة البث العامّة، وإغلاق القناة العاشرة، وتقسيم القناة الثانية وموقع والاه، كما قام بحلّ الكنيست بسبب قانون “يسرائيل هيوم”، عدا عن تنصيب المقرّبين منه في المواقع الهامّة في وزارة الاتّصالات. (8)

بالإضافة إلى ذلك، تحوّلت مهاجمة الصحفيّين في صفحة نتنياهو على فيسبوك إلى ظاهرة روتينيّة، ومن خلال تحليل نشاط نتنياهو في صفحته يمكن تقسيم خريطة وسائل الإعلام الإسرائيليّة إلى قسمين: في القسم الأوّل وسائل الإعلام الناقدة التي تلعب دور البطولة في منشورات نتنياهو العدوانيّة، وعلى رأسهم أخبار 12.

كذلك، وصف نتنياهو القناة العاشرة بأنها قناة أخبار زائفة، وكذا الأمر مع موقع واينت وهآرتس ودي ماركر وريشيت ووالاه وهيئة البث العامّة.

أمّا القسم الثاني فيشمل وسائل الإعلام التي نادرًا ما يُهاجمها نتنياهو، إذ تعتبر هذه الأجهزة الإعلاميّة مزوّدي المحتوى الذي يميل نتنياهو إلى مشاركته مع متابعيه؛ على رأسهم “يسرائيل هيوم”، الناطقة بلسان نتنياهو شبه الرسميّة، ووسيلتين إعلاميّتين وهما القناة 20 وموقع “ميدا”. (9)

هذه المُطاردة الدائمة لأجهزة الإعلام، أوقعت نتنياهو في ثلاث قضايا رشوة (8)، حيث تدخّل نتنياهو في 13 جهاز إعلاميّ إسرائيليّ في المجمل (7)، وذلك بهدف تقييد حرّيّة الإعلام؛ وسعيه المستمرّ للقضاء على القناة 10، وإضعاف القناة الثانية وإنشاء أجهزة إعلاميّة داعمة له بهدف منع أيّ رقابة ممكنة عليه. (2)

المصادر:

(1) “جلوبس”: https://bit.ly/3a7w4NP
(2) “كالكيست”: https://bit.ly/2MWeL9v
(3) “واينت”: https://bit.ly/3d7G3nY
(4) “جلوبس”: https://bit.ly/2Z1Pk8T
(5) “كالكيست”: https://bit.ly/2Z7cUB6
(6) “ICE”: https://bit.ly/3tKiGH0
(7) “ذي ماركر”: https://bit.ly/3a4LylF
(8) “مكور ريشون”: https://bit.ly/3a5lBSQ
(9) “هَعَاين هَشفيعيت”: https://bit.ly/2Z63UfU