مقدّمة العسّاس |

طالما حاولت “إسرائيل” وضع نفسها في مكانة متقدمة ضمن الدولة المصنعة والمصدرة للسلاح، ويبدو أنها نجحت في ذلك إلى حد كبير، عبر بيع الأسلحة وعقد الصفقات الأمنية مع أنظمة قمعية ودكتاتورية.

هذه المادة تتحدث عن تطور الصناعة العسكرية الإسرائيلية، ووصولها إلى العديد من دول العالم بهدوء وسرية.

إعداد العسّاس | 

خلال الخمس سنوات الأخيرة تحوّلت “إسرائيل” إلى قوّة تصدير الأسلحة الثامنة في العالم، ووفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدوليّ لأبحاث السلام، ارتفع عدد الأسلحة التي تصدّرها “إسرائيل” في نفس الفترة بنسبة 77%، ما يُمثّل نسبة 3% من سوق تصدير الأسلحة العالميّة، مقابل 1.8% فقط في الفترة التي سبقت ذلك.

أمّا الدول الرئيسيّة التي تصدّر “إسرائيل” لها، فهي: الهند (التي تستورد 45% من الإنتاج الحربيّ الإسرائيلي)، أذربيجان (17%) وفيتنام (8.5%). (1) 

بالإضافة إلى ذلك، صدرت المؤسسات الأمنيّة الإسرائيليّة الأسلحة في العشر سنوات الأخيرة إلى 92 دولة في العالم على الأقل، إلّا أنّ وزارة الأمن تحافظ على السرّيّة فيما يتعلّق بأسماء الدول التي تُصدَّر إليها الأسلحة. (2) 

في ضوء ذلك، يتيح نظام إعداد وتقديم التقارير إلى الأمم المتّحدة الإمكانيّة إلى تشكيل تصوّر حول وضع التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ الحقيقيّ، وتوقّع أعداد الصفقات في العقدين الأخيرين.

قوائم البيع والشراء التالية توفّر لمحة عن نسب التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ، لكنّها بالطبع قوائم جزئيّة، حيث تعتمد على التقارير الطوعيّة المقدّمة للأمم المتّحدة من قبل الدول المُستوردة فقط: باعت “إسرائيل” 17 دبابة، و74 مركبة مسلّحة، وأكثر من 8600 أنظمة مدفعيّة، و37 طائرة حربيّة، وعشر سفن حربيّة، وحوالي 2500 صاروخ وقاذفات صواريخ. (2) 

في عام 2018، قُدِّرت أرباح التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ بنسبة 7.5 مليار دولار، وفقًا لوزارة الأمن، وكشفَت أنّ سجلّاتها تحتوي على 1600 رجل أعمال أصحاب رخصة لتصدير السلاح للخارج، وغيرهم العشرات من تجّار السلاح الإسرائيليّ الذين يقطنون خارج البلاد في دول العالم الثالث، وهذه الشخصيّات بالغالب ما تكون مقرّبة من الحكومات والسلطات المحلّيّة هناك.

 هؤلاء الأشخاص في الغالب هي شخصيّات لم يسمع عنها العامّة أبدًا، عدا عن بعض الأسماء المتفرّقة التي يتحدّث عنها الإعلام بسبب النزاعات القانونيّة المتعلّقة بالأعمال، أو بسبب الفساد، مثل بيرتس وورلند، واللواء الإسرائيليّ زيف، و”خازي بتسلال”، و”روعي بن يمي”، و”عَمِي لوستيج”، و”إيتان ستيفا”، و”إيتسيك تسديك”.

 بالإضافة إلى ذلك، إنّ معظم المتخصصين في المجال الأمنيّ هم وسطاء أو ممثلون عن الشركات، منهم الوزير ورئيس بلديّة تل أبيب سابقًا “روني ميلو”، و”دافيد كوليتش”، و”عَميت سديه”، و” مُوشيه ستاف”. (3) 

ومن بين المعلومات التي كشفت وزارة الأمن الإسرائيليّة عنها، كانت قيمة الصفقات التي وقّعتها مع دول أخرى، وجاء التصنيف وفقًا للقارّات التي تقع فيها هذه الدول، على سبيل المثال، في عام 2012 وُقّعت صفقات بمقدار 3.83 مليار دولار مع دول آسيا والمحيط الهادئ، وصفقات بقيمة 1.73 مليار دولار مع دول أوروبا، و1.1 مليار دولار مع الولايات المتّحدة وكندا، و604 مليون دولار مع دول أمريكا اللاتينيّة، و107 مليون دولار مع دول أفريقيا.

 مع ذلك لم يكن هنالك أيّ تلميح يدلّ على أسماء الدول التي استوردت أسلحة من “إسرائيل”. (2) 

إنّ الشركات اللواتي يتمتعن بأعلى نسب من الأرباح من التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ، هي: شركتا “هتعسياه هأفيريت” (شركة صناعات الفضاء الإسرائيليّة)، و”رفائيل” الحكوميّتان، وشركة “ألبيت” المسؤول عنها “ميكي فيدرمان”، وهو الشخص الأكثر غنى من بين تجّار السلاح، إضافة إلى مُنتج آخر مهمّ هو “سامي كيتسف”. (3) 

مع ذلك، يوضّح تقرير منظّمة العفو الدوليّة أنّ الصناعة الأمنيّة ليست صناعة التصدير الأكبر في الدولة ولا تدرّ بالأرباح الأكبر، ووفقًا لوزارة الأمن، صناعة الأمن تشكّل نسبة 10% من سوق التصدير الصناعيّ في “إسرائيل”.

كما أن الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، وتُصدِّر لها “إسرائيل” الأسلحة، في الغالب، هي دول فقيرة، بالتالي صفقات التصدير الأمنيّ معها صغيرة، لذلك التوقّف عن التصدير لها لن يضرّ في أرباح الصناعة الأمنيّة وبالتأكيد لن يضرّ بـ “إسرائيل”.

وهذا يعني أنّه لا يوجد أيّ مبرر اقتصاديّ أو دبلوماسيّ أو أمني أو استراتيجيّ للتصدير الأمنيّ لهذه الدول، كما تَتَّبِع “إسرائيل” سياسة الغموض فيما يتعلّق بصناعة الأسلحة وتصديرها. (2) 

بعد أن قام المحامي “إيتاي ماك” بتقديم التماس إداريّ مطالبًا بالكشف عن أسماء الأشخاص والشركات المسجّلة في سجلّات التصدير الأمنيّ، وتراخيص التسويق والتصدير الأمنيّ الصادرة عن قسم مراقبة التصدير الأمنيّ، رفضت “إسرائيل” الكشف عن أسماء الدول المُصدَّر إليها، الصفقات وتفاصيلها لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ بحدّ قولها، وبهدف الحفاظ على الثقة المتبادلة بينها وبين هذه الدول، بادّعاء أنّ الكشف عن تراخيص التسويق والتصدير ستؤدّي بالضرورة إلى الكشف عن أسماء ” الدول غير المهتمّة بكشف علاقاتها الأمنيّة مع “إسرائيل”، وذلك نتيجةً لوضعها الدوليّ الحسّاس”.

وادّعت المحاميّة ليمور خلد-رون، من مكتب المدّعي العام في تل أبيب أنّ نشر مثل هذه المعلومات قد يؤدّي إلى قطع العلاقات الأمنيّة الاستراتيجيّة بين “إسرائيل” وبين هذه الدول وإلى تفعيل ضغط على دول أخرى لقطع علاقاتها الأمنيّة مع إسرائيل أيضًا. (2) 

رغم من ذلك، عندما طلبت المحكمة الإداريّة في تل أبيب من “إسرائيل” الكشف عن تفاصيل الصفقات في العشر سنوات الأخيرة، اكتفت “إسرائيل” بالكشف عن قائمة الصفقات في العامين 2011-2012 بينها وبني خمس دول أخرى فقط هي: الولايات المتّحدة، والمملكة المتّحدة، وإسبانيا، وكوريا الجنوبيّة، وكينيا.

إلّا أنّ “إسرائيل” لم تكشف عن معلومات جديدة، حيث يُمكن الاطّلاع على تفاصيل هذه الصفقات الخمس في منشورات الأمم المتّحدة المُتاحة للجمهور. (2) 

من خلال تحقيقاتها، تمكّنت صحيفة هآرتس من الكشف عن العديد من التقارير التي قُدّمت للأمم المتحدة على يد الدول المُستورِدة، وهي تقارير لم تُسجّل في تقارير قسم مراقبة التصدير الأمنيّ الإسرائيليّ.

ومن بين الوثائق والتقارير التي قدّمت الأمم المتحدة في العشر سنوات الأخيرة، تبيّن أنّ “إسرائيل” قامت بصفقات تصدير أسلحة إلى الدول: تشاد، رواندا، ليسوتو في القارّة الأفريقيّة الجنوبيّة، كازخستان، رومانيا وتشيلي، والبرازيل وإيطاليا، والولايات المتحدة، وفيتنام والكاميرون وأوغندا والهند والمكسيك وإسبانيا وتركيا، والصين وروسيا. (2) 

تبيّن أنّه بين العامين 1992 و2009 اعتادت “إسرائيل” تقديم تقارير طوعيّة إلى الأمم المتّحدة حول تصديرها للأسلحة، وإن كانت هذه التقارير جزئيّة، حيثُ تَبيّن من خلال التقارير التي قُدّمت للأمم المتحدة على يد الدول المُستوردة أنّ نسب التصدير الإسرائيليّة أعلى من ذلك، ففي سنة 2009 بيعت أسلحة إلى سولفاكيا، رومانيا، كولومبيا، بيرو وغيرهنّ من الدول أيضًا. (2) 

يفسّر المحامي “إيتاي ماك” موقفه قائلًا إنّ النقاش حول التصدير الأمنيّ يجب أن يكون نقاشًا عامًّا، موضحًا أنّه: “كلّما مرّ الوقت نرى أنّ هناك أشياء مخفيّة يمكن اكتشافها، وأنّ الدولة أخفتها لكي تمنع النقاش العام، أعتقدُ أنّ الجمهور الإسرائيليّ لا يدركُ أنّ هناك العديد من المصدرين يبيعون الأسلحة باسم الدولة لدول إشكاليّة. كما أعتقد كذلك أنّه وعندما يتمّ تصدير أسلحة إلى دول أخرى فهي تُصدّر باسمي كذلك كمواطن في هذه الدولة، لذا يجب أن يكون هناك مراقبة وإشراف عامّين على ذلك”. (2) 

انتقد تقرير مفصّل وموثوق وشامل لمنظّمة العفو الدوليّة، سياسة التصدير الأمنيّة الإسرائيليّة، إذ تُواصل الشركات الإسرائيليّة تصدير الأسلحة إلى دول تنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجيّ، كما ويتمّ استخدام الأسلحة المصنوعة في “إسرائيل” على يد جيوش ومنظّمات ترتكب جرائم حرب.

 ويذكر التقرير أسماء ثمانية دول متّهمة من قِبل المؤسسات الدوليّة بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، هي: جنوب السودان التي قامت السلطة والجيش فيها بعمليّات تطهير عرقيّ وغيرها من الجرائم بحقّ الإنسانيّة مثل الاغتصاب الجماعيّ لمئات النساء والرجال والأطفال.

 وماينمار التي ارتكب الجيش فيها إبادة جماعيّة، والفلبين التي أعدمت السلطة فيها حوالي 15 ألف مدنيّ دون تُهمة أو محاكمة، والكاميرون، وسريلانكا التي قتلت الكثير من مواطنيها، والإمارات العربية المتّحدة. (2) 

بدوره، قال مدير مشروع التوازن العسكريّ في الشرق الأوسط في معهد دراسات الأمن القوميّ، يفتاح شفير، لصحيفة هآرتس: إنّ “هنالك أمور لا يسعدنا بيعها، وهناك زبائن لا يسعدنا حقيقة أنّهم مُشترين، وهنالك أمور كان علينا تجنّب القيام بها”.

وأضاف أنّه “كان من المفضّل ألّا تُباع أنواع أسلحة معيّنة لزبائن معيّنين”، على سبيل المثال ذكر شفير المعاملات التجاريّة التي استمرّت لسنوات بين “إسرائيل” ونظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا: “هذا الزبون الذي سبّب لنا قدر ليس بقليل من الضرر”.

وبيّن: “اليوم هنالك ديكتاتوريّون يستخدمون المعرفة الإسرائيليّة لأهداف كالقمع وارتكاب الفظائع، وكان من الأفضل لو لم نبعهم أسلحة”. (2) 

ووفقًا لمنظّمة العفو الدوليّة، قام قسم مراقبة التصدير في وزارة الأمن بالمصادقة على هذه الصفقات على الرغم من المعرفة المسبقة بوضع انتهاك حقوق الإنسان في هذه الدول، وبوجود خطر مُحتمل لاستخدام الأسلحة الإسرائيليّة المُستوردة في هذه الجرائم.

وقد نَفَت “إسرائيل” هذه التهم في بعض الحالات، كما ورفضت التعليق عليها في حالات أخرى، عدا عن أنّ وزارة الأمن تروّج للفكرة القائلة بعدم وجود أيّ مصالح عامّة تدعو إلى نشر أسماء الدول التي تُصدَّر إليها الأسلحة، الكمّيّات، وتحت أيّ ظروف تُعقد هذه الصفقات.

رغم ذلك، يبدو أنّ منظّمة العفو الدوليّة تعتقد أنّ هذه السياسة خاطئة، وأنّها نتيجة لرغبة “إسرائيل” بإخفاء الحقيقة تحت ادّعاء الرغبة بالحفاظ على الأمن والعلاقات الدوليّة الإسرائيليّة. (2) 

في بعض الأحيان، تصل هذه الأدوات الحربيّة إلى وجهتها بعد سلسلة من الصفقات الفرعيّة من أجل الالتفاف على المراقبة الدوليّة والقواعد التي وضعتها “إسرائيل” بنفسها.

وتدعو منظّمة العفو الدوليّة الحكومة، والكنيست، ووزارة الأمن إلى فرض رقابة أكثر صرامة فيما يتعلّق بتصدير الأسلحة، ووضع قواعد للشفافيّة التي اعتمدتها دول أخرى في العالم الغربيّ، مبيّنةً أنّ الاتّفاقيّات الدوليّة تهدف لمنع تهريب أسلحة حربيّة لحكومات دكتاتوريّة أو حكومات مستبدّة. (2) 

كما أن عدم الشفافيّة وعدم وجود رقابة مكّنت “إسرائيل” لعشرات السنوات من توفير المعدّات والمعلومات الأمنيّة لبلدان مشكوك فيها ولأنظمة ديكتاتوريّة.

وقد استشهد التقرير بمقال كتبه العميد الاحتياطيّ عوزي إيلام، وهو عضو بارز في مؤسّسة الأمن، الذي أشار إلى أنّ عمليّات تصدير الأسلحة الإسرائيليّة لطالما لفّها الضباب.

وشارك عوزي أنّ السريّة التي أحاطت بعمليّات التصدير الإسرائيليّة ساعدتها في تجنّب الضغط الدوليّ، كما وأنّ عدم الشفافيّة حَصَرَ اتّخاذ قرارات تصدير الأسلحة في يد جهات محدودة، وبشكل خاصّ جهات داخل وزارة الأمن. (2) 

المصادر:

(1) “معاريف”: https://bit.ly/2CpO5ca
(2) “هآرتس”: https://bit.ly/30QEdl9
https://bit.ly/3agMORa
(3) “ذي ماركر”: https://bit.ly/3aklf9J