مقدّمة العسّاس|

يتظاهر آلاف الإسرائيليين في تل أبيب بشكل أسبوعي، ضد ما يعتبرونه “تهديدات للديمقراطية الإسرائيلية”، وضد سياسة الحكومة الإسرائيلية، رافضين الحالة السياسية الحالية التي ألقت بظلالها على الأوضاع الاقتصادية المتردية بسبب أزمة كورونا وطريقة الحكومة الإسرائيلية في التعاطي معها.

ما هو أصل المظاهرات؟ وها هي حركة الأعلام السوداء؟

هذه المادة تشرح أصل الاحتجاجات الأخيرة في “إسرائيل”، وتوضح ما مدى تأثيرها؟

إعداد العسّاس | 

 تقف “إسرائيل” اليوم على حافّة أزمة جدّيّة، وذلك مع تزايد عدد المظاهرات التي يتم تنظيمها بشكل أسبوعيّ في مراكز عدّة في البلاد، حيث اندلعت العديد من الاحتجاجات في الآونة الأخيرة، وتحوّلت إلى الموضوع الأكثر تداولًا في الإعلام الإسرائيليّ.

السبب الرئيسيّ الذي فجّر هذه المظاهرات هو أزمة كورونا والتقييدات التي تلتها، ما أدّى إلى أزمة اقتصاديّة أخرى مع خروج الآلاف من الإسرائيليّين إلى عطل غير مدفوعة الأجر، وطرد غيرهم من أماكن عملهم، مع عدم دعم الحكومة لهم والاهتمام برفاهيّتهم وحالتهم الاقتصاديّة المتردّية.

مع ذلك، لم تكن أزمة كورونا هي السبب الوحيد لاندلاع المظاهرات، ويبدو أنّ أزمة كورونا فجّرت مشاعر الإحباط، وخيبات الأمل والصعوبات والضّغوطات التي واجهها الإسرائيليون لسنوات، كلّ في مجاله. حيث عبّر المتظاهرون أنّ استهتار واستهزاء الحكومة أدّى بهم إلى محاولة التعبير عن آرائهم من خلال المظاهرات الشعبيّة المنظّمة، التي انضمّ إليها متظاهرين من جميع أنحاء “إسرائيل” للوقوف في وجه الحكومة التي فشلت بتوفير الأمان الاقتصاديّ، الصحّيّ والاجتماعيّ، بهدف بناء مستقبل أفضل لأنفسهم.

برز ذلك في مظاهرة كورونا التي امتدّت لأسابيع عديدة الآن، والأسبوع الماضي فقط قام الآلاف من المتظاهرين بالاحتجاج أمام منتزه “تشارلز كلور” في تل أبيب، ومثلهم المئات أمام مقرّ رئيس الحكومة في القدس.

وبَيَّنَ المتظاهرون أنّ الأزمة الاقتصاديّة هي جوهر هذه الاحتجاجات، وهي تشكّل كارثة تهدّد وجود “إسرائيل”، لا سيما مع اضطرار الآلاف من الإسرائيليّين إلى اقتراض الأموال من البنوك، وهي قروض سترافقهم لعشرات السنوات، فيما يلتفت أعضاء الحكومة إلى العلاقات العامّة، عوضًا عن الاهتمام بالمشكلة الجوهريّة والأساسيّة، ألا وهي الوضع الاقتصاديّ للإسرائيليّين.

تلت هذه المظاهرة، مظاهرة أخرى باسم مظاهرة الضرائب لأصحاب الأعمال والمستقلّين، التي شدّد المسؤولون عنها أنّهم لا يحاربون كورونا بل عدم الأمان الذي خلقته الحكومة، ووصفوها بحكومة الخبث والظلم، وبأنهّا حكومة محطّمة للحالمين والمبادرين والمبدعين.

وكتب “ينون يعوز”، أحد المبادرين لمظاهرة الضرائب مهدّدًا بوقف دفع الضرائب للدولة، وأنّ هذه التدابير الإقصائيّة والجذريّة ضروريّة كي يمنعوا الحكومة من أن تقودهم إلى الضياع. وشارك “ينون” أنّ ما دفعه إلى فقدان الثقة بالحكومة هي كلّ الوعود التي لم تفِ بها، الأكاذيب والقرارات الشعبويّة.

كما انطلقت مظاهرة العاملات الاجتماعيّات والعاملين الاجتماعيّين، التي امتدّت لثلاثة أسابيع أمام مقارّ ومباني الحكومة في حيفا وبئر السبع وتل أبيب، وفي بعض الأماكن العامّة الأخرى، حيث حاصروا هذه الأماكن، وأغلقوا الشوارع ورفضوا منح العلاج حتّى للحالات الخطيرة التي وصلت “وزارة الرفاه”.

وكان الضغط الذي ولّدته أزمة كورونا عاملًا أساسيًّا في تحفيز العاملات الاجتماعيّات للخروج والتظاهر ضدّ العنف الذي يتعرّضن له خلال عملهن، وتدهور الخدمات الاجتماعيّة والأجور المنخفضة.

كانت الأسباب التي دفعت أصحاب المطاعم بالخروج إلى المظاهرات شبيهة لتلك التي سبقتها، وهي القرارات الاعتباطيّة التي اتّخذتها الحكومة في كلّ ما يتعلّق بقطاع المطاعم في فترة كورونا هي العامل الأساسيّ لاندلاع مظاهرات المطاعم، إذ نمّت هذه القرارات عن جهل بالتفاصيل الدقيقة وعمليّات التحضير التي تجري وراء الكواليس في سوق المطاعم، بالتالي تعريض أصحاب المطاعم إلى خسائر جسيمة، خاصّة بعد أن قلّ عدد الزبائن الذين يرتادون المطاعم عقب أزمة كورونا. مع ذلك لا يمكن أن نتجاهل العوامل المتراكمة لسنوات مثل تأثر سوق المطاعم من التقلبات السياسيّة، الحروب، المقالات الإعلاميّة والأخبار.

لم تتوقّف الاحتجاجات عند ذلك، وقام الشباب والشابات بالاحتجاج على وقف نشاطات الحركات الشبابيّة، والمئات منهم احتجّوا في دوّار رابين، و170 مكانًا آخرًا في أنحاء البلاد ضدّ قرار وقف الأنشطة التعليميّة والشبابيّة بعد ازدياد إصابات فيروس كورونا.

وشارك رئيس حركة “هتسوفيم- المشاهدين” بأهمية هذه النشاطات مثل مجابهة الظواهر والأفعال السلبية التي قد يمارسها الشباب، مثل شرب الكحول، ومساعدة الشباب الموجودين في ضائقة، وذوي الاحتياجات الخاصّة.

أمّا المظاهرة التي خرجت في الثاني عشر من تموز في القدس فقد اشترك فيها آلاف الشباب. وقد لقيت احتجاجاتهم دعمًا من رؤساء البلديّات والمجالس في الدولة.

كان غضب الإسرائيليين في المظاهرات بغالبه موجّهًا إلى رئيس الحكومة الذي استغلّ جميع الأنظمة والأجهزة الحكوميّة لمصالحه الشخصيّة، متّهمين إيّاه بالانشغال بنفسه وهمومه الشخصيّة، عدا عن أنّ الغضب وُجّه إلى غيره من الوزراء الذين تصيّدوا لبعضهم البعض الأخطاء، وقذفوا بعضهم بالطين محاولين إلقاء اللوم على بعضهم البعض.

كما كانت الرؤية التي اعتقد بها المسؤولون عن احتجاج الضرائب في أن الحكومة تعمل من أجل المجموعات التي تمارس الضغط عليها وأصحاب المصالح وليس من أجل المواطنين هي ما دفعتهم للقيام بمظاهرة الاحتجاج.

ليس ذلك فحسب، أحد المطالب الأساسية للمتظاهرين كان تغيير رئيس الحكومة المُنشغل بالنجاة بنفسه، فهم يريدون رئيس حكومة يعمل من أجلهم وحسب. لذلك رأى قادة المظاهرات أنّ على الإسرائيليين تولي القيادة عندما تغيب القيادة الحقيقيّة، وذلك خاصّة مع محاولات نتنياهو للتهرّب من العقاب بسبب جرائمه، وحالة الذعر التي ولّدتها الأزمة الاقتصاديّة.

كانت الحكومة قد سمحت بإقامة معظم المظاهرات، مع تمركز مئات رجال الشرطة في مواقع إقامتها بهدف الحفاظ على النظام دون خرق أيّ قوانين، والاحتياط من انتشار فيروس كورونا من خلال الاهتمام باتّباع المتظاهرين للشروط المفروضة من قبل الحكومة، وذلك من أجل الحفاظ على حقّ الاحتجاج والتظاهر. 

مع ذلك حاولت الشرطة أن تعترض إقامة بعض المظاهرات مثل مظاهرة العاملات الاجتماعيات التي وصلت إلى شارع “ديزنجوف” في تل أبيب وأغلقت الشارع، حيث طلبت الشرطة من المتظاهرين إخلاء الشارع بادّعاء إقامتهم لمظاهرة غير قانونية وهدّدوهم باستخدام القوّة في حال لم يستجب لهم المتظاهرون.

يشبّه “ينون”، من مظاهرة الضرائب، الطريقة التي تتعامل بها “إسرائيل” مع أصحاب الأعمال والمستقلّين بالصورايخ التي تقذفها حماس باتّجاههم، مصرّحًا أنّ مثل هكذا سياسات ستؤدّي إلى القضاء على المستقلّين وبالتالي الاقتصاد.

في حين لم تصل مفاوضات العمّال الاجتماعيّين مع وزير الماليّة إلى حلّ، وكانت رابطة العاملات الاجتماعيّة قد شاركت رأيها في نهاية اجتماع تفاوضيّ مع الماليّة: أنّ الماليّة تنشرُ الأكاذيب بشأن المنح المخصّصة للمواطنين والعمّال الاجتماعيّين، وطالبت باحتضان العاملات الاجتماعيّات عوضًا عن خنقهن. وأضافت أنّ الماليّة تعمّدت أن تضع على طاولة المفاوضات المعاشات الأكثر تدنّيًا، بهدف عدم الوصول إلى حلّ، وبذلك تحطيم معنويّات العاملات الاجتماعيّات. 

موجة المظاهرات هذه استحضرت مظاهرة عام 2011 من جديد التي خرجت ضدّ أسعار البيوت والاستئجار، والعدالة الاجتماعيّة. مع ذلك أشار الإعلام الإسرائيليّ أن لا يمكن مقارنة كلتا المظاهرتين، حيث هنالك اليوم مئات الآلاف من العاطلين عن الهمل، وانهيار للأعمال، والجوع، وفقدان الحكومة للسيطرة على الأزمة.

 في لقاء بين الشخصيّات المفتاحيّة والقياديّة من كلتا المظاهرتين بعد تسع سنوات، قام إيتسيك ألروف، الشخص الذي أثار كلّ الضجّة قبل تسع سنوات حول أسعار البيوت، بمواجهة أفير كارا، مؤسس جمعيّة “أنا شولمان”، وإلقاء اللوم على قادة مظاهرات اليوم الذين يتأرجحون ويصدّقون كلّ ما يقوله نتنياهو، وليست مظاهرة من أجل المستقلّين.

في مقارنة بين المظاهرتين، شارت ستاف شفير، إحدى المشاركات في جلسات التخطيط الأولى لمظاهرة 2011، أنّ الوضع آنذاك لم يختلف كثيرًا عن اليوم، عندما حاول نتنياهو تحويل الاهتمام من خلال الحديث عن التهديد الإيرانيّ، ومحاولة إخماد القضيّة.

في حين أشار ريجف كونتش أنّه لم تكن هناك إنجازات جذريّة لمظاهرة 2011، وما زال السؤال المطروح على الطاولة إن كانت هذه المظاهرات سياسيّة؟ اجتماعيّة؟ أم اقتصاديّة؟

أمّا أساف مدورسكي فقد شارك بوجوب اختلاف الأهداف والأساليب بين المظاهرتين، إذ هدفت مظاهرات 2011 للحصول على العدالة الاجتماعيّة، إلّا أنّ هذا المصطلح كان ضبابيًّا رماديًّا، بل وكان الاحتجاج رومانسيًّا إلى حدٍّ ما، مليئًا بالأمل. لذلك يجب على مظاهرة اليوم في رأيه أن تحاول إنجاز ما هو أكثر من تغيير الخطاب العامّ.

اللافت للانتباه في ذلك كلّه هو مشاركة حركة ” الأعلام السوداء” في هذه المظاهرة من ضمن العديد من المنظّمات.

حركة “الأعلام السوداء” هي حركة تمّ إقامتها بعد قرار رئيس الكنيست آنذاك، “يولي أدلشتاين”، بعدم عقد جلسة لانتخاب رئيس كنيست جديد مباشرة بعد انتهاء الانتخابات.

ومؤسسو هذه الحركة هم أربعة إخوة بأسماء “إيل”، “شيكما”، “يردين” و”داكل” من عائلة “شفارتسمان” الذين تظاهروا احتجاجًا على انتهاكات الديموقراطية.

إلا أن هناك شكوك أن يكون من أنشأ المظاهرة هم زملاء لرئيس الحكومة السابق إيهود باراك، وهناك من يعتقد أن باراك هو من يموّل الحركة بنفسه وهو وزير الأمن السابق في حكومة نتنياهو، واليوم أحد المعارضين الشديدين له.

المؤكّد أنّ الشركة التي تموّل الأعلام السوداء ويطلق عليها اسم “المسؤولية القوميّة- أحريوت لئوميت” أقيمت عام 2017 على يد المحامي “أوشي ألمليح”، الذي كان المستشار السياسيّ لـ “باراك” عندما كان وزيرًا للأمن.

ومن بين أصحاب الشركة السبعة الآخرين نجد “طال بورغ” ابنة أخ “باراك”، مستشاره البرلمانّي السابق “إيتاي فينطرشتاين” وغيرهم.

من جهتها، رفضت حركة “الأعلام السوداء” دعم حكومة موجّهة لرئيسها تُهمًا، وعوضًا عن الالتفات لبناء خطط لمنع موجة ثانية من كورونا انشغل الرئيس بالتهرّب من محاكماته.

المصادر:

(1) “مكور ريشون”: https://bit.ly/30RRp7S
(2) “سروجيم”: https://bit.ly/338qfwC
(3) “ice”: https://bit.ly/3fcJaII
(4) “إسرائيل اليوم”: https://bit.ly/30RRp7S
(5) “ويللا”:https://bit.ly/2CYKQbS
(6) “واينت”: https://bit.ly/3gerZI4
(7) “حدشوت13”: https://bit.ly/3jRD4Bf

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on