مقدّمة العسّاس |

يبدو أن مخطط الضم الإسرائيلي واقتراب تنفيذه، وضع بعض الدول الخليجية التي كانت تتجه إلى تطبيع أوسع وأكثر صراحة مع “إسرائيل” في موقف يضطرهم إلى تأجيل هذه الخطوات التطبيعية.

من هي هذه الدول؟ وكيف تقرأ دراسات اسرائيلية سيناريوهات علاقات التطبيع في ظل المسعى الاسرائيلي الحثيث نحو الضم؟

هذه المادة المترجمة عن مركز دراسات الأمن القومي الاسرائيلي تتحدث عن العلاقات التطبيعية الخليجية مع “إسرائيل” وتناقش مدى تأثرها بسبب مخطط الضم.

ترجمة العسّاس |

في ظل النقاشات والمحادثات الجارية في الدولي العربية حول الضم وبسط السيادة الإسرائيلية على مناطق، صغيرة كانت أم كبيرة، في الضفة الغربية (استخدم اسم يهودا والسامرة في النص العبري)، بشكل غير اعتيادي، مع أنه ليس بجديد، توجهت ثلاث شخصيات خليجية رسمية ورفيعة، بشكل علني ومباشر، إلى الجمهور الإسرائيلي وهي: وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، وسفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، والمحاضر والمستشار السابق للحكومة السعودية، نواف عبيد، وعرضوا موقف بلادهم من إشكالية الضم.

لم تكن الرسائل التي عرضها الثلاثة متطابقة، ويمكن ملاحظة التناقض بينهم ومن الواضح أن هذه الصياغة جاءت لتمنح دول الخليج مساحة للمناورة في مسألة الضم والعلاقة مع “إسرائيل”.

 وعلى خلفية هذه المواقف يطرح السؤال، هل سيضر الضم بالعلاقة بين “إسرائيل” ودول الخليج؟ وما مدى هذا الضرر؟

للإجابة عن السؤال يجب التطرق إلى الازدواجية في العلاقات التي تراكمت على مدار السنوات بين “إسرائيل” وبعض هذه الدول: معارضتها العلنية ستستمر، وبالمقابل سيستمر التنسيق الأمني السري، خاصة مع وجود مصلحة مشتركة بردع التطلعات الإقليمية والنووية الإيرانية.

تطورت العلاقات بين “إسرائيل” ودول الخليج خلال العقود الأخيرة، خاصة في السنوات الأخيرة، من خلال عدة قنوات تتقاطع أحيانًا، لكنها في الأغلب منفصلة وهي: قنوات أمنية واستخباراتية، تبقى في نطاق السرية في معظم الحالات.

كما تتضمن قناة اقتصادية وتجارية مخفية بعض الشيء، وفي السنوات الأخيرة تشكلت قناة الحوار بين الأديان والثقافات، وبالإضافة إلى السرية التي غلفت معظم قنوات التواصل، تطورت مع الوقت علاقات علنية أقل متانة، وتشمل لقاءات بين مسؤولين من الطرفين، خاصة أولئك الذين شغلوا مناصب رسمية رفيعة في السابق، فضلًا عن تبادل رسائل علنية.

وفي الفترات التي شهدت تطورات على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية كانت العلاقات أكثر علنية من الآن، وشملت في حينه على وجود بعثات وممثلين إسرائيليين في عُمان وقطر.

هذا التذبذب في العلاقات بين التقرب من “إسرائيل” والابتعاد عنها، يأتي كنتيجة لقرارات الأخير السياسية بكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وتظهر هذه العلاقات والردود التوجه الإيجابي من قبل دول الخليج بين التطبيع مع “إسرائيل” وبين اتخاذها إجراءات إيجابية للتوصل إلى حل مع الفلسطينيين.

امتدادًا لهذه الديناميكيات، يمكن أن يؤدي الضم إلى تراجع دول الخليج عن تطلعها إلى التطبيع مع “إسرائيل”، وخاصة التطلعات العلنية. وذلك على الرغم من أن القضية الفلسطينية لا تقع في أعلى سلم أولويات هذه الدول وإظهارها بعض العداوة والخلافات أحيانًا مع السلطة الفلسطينية أو مع حماس.

مع ذلك، تشير التقديرات إلى أن تصريحات المسؤولين في دول الخليج ليست مجرد كلام، وسيلحق الضرر بمخططات التطبيع الجارية حاليًا. كذلك من المتوقع أن تكون العلاقة طردية بين حجم المناطق التي ستضمها “إسرائيل” ووتيرة معارضة الشعوب العربية له، وبين حجم العلاقة مع دول الخليج.

إضافة إلى ذلك، يُمكن توقع أن العلاقات الأمنية السرية، التي ستتأثر سلبًا من سوء العلاقات، لن تتضرر بشكل كبير أو طويل الأمد، مع ذلك ورغم الاهتمام الذي أولته “إسرائيل” طوال السنوات للعلاقة العلنية مع الدول العربية، لا سيما تلك التي لا تجمعها بها علاقة رسمية لكن هناك مصالح مشتركة معها ومن الممكن أن تتضرر علاقاتها العلنية التي راكمتها بعد سنوات من الجهد والتعب، ستحمل هذه الخطوة تبعات إستراتيجية سلبية من ناحيتها.

ونشرت الصحافة الإسرائيلية مؤخرًا مقالات ليوسف العتيبة (21 حزيران – يديعوت أحرونوت)، نواف عبيد (16 حزيران – هآرتس) حملت توجهات مباشرة وعلنية للإسرائيليين.

وطالبت هذه المقالات، التي تعتبر بذاتها تطبيعًا، على لسان أصحابها ثني “إسرائيل” عن ضم مناطق في الضفة الغربية، وشملت كذلك تهديدات بتضرر العلاقة مع “إسرائيل” في حال حدوث الضم.

 بفي ذات الوقت، تم التلميح إلى إمكانية تطوير العلاقات حال إلغاء الضم، إذ ربط العتيبة في مقاله بين العلاقات مع “إسرائيل” وبين حوار التسامح بين الأديان، الذي انتشر مؤخرًا في العالم العربي، وألمح إلى أن هذا المجال ستضرر أيضًا.

بينما أشار نواف عبيد إلى أن اتفاقية استعمال الأجواء السعودية للطيران من الهند إلى “إسرائيل” يمكن التراجع عنها في حال تم الضم.

في حين اتجه قرقاش إلى موقف مخالف تمامًا حول الضم، إذ قال في مؤتمر للجنة اليهودية الأميركية (AJC) عقد بين 14-18 حزيران، وأظهر معارضة لأي خطوات إسرائيلية أحادية الجانب وحث على المفاوضات مع الفلسطينيين، لكنه فصل بين التباين في الآراء والمواقف مع “إسرائيل” حول القضية الفلسطينية وبين إمكانية وضرورة التعاون معها في قضايا إقليمية أخرى.

 وقال قرقاش “بإمكاننا مخالفة “إسرائيل” الرأي في قضايا سياسية والتعاون معها في مجالات أخرى، مثل مواجهة كورونا ومجال التكنولوجيا”، مؤكدًا أن التعاون مع “إسرائيل” لن يغير موقف الإمارات من الضم.

وأثار مقال العتيبة وتصريحات قرقاش موجة انتقادات حادة على شبكات التواصل الاجتماعي، لا سيما بين الفلسطينيين، خاصة تصريحات العتيبة حول “إسرائيل” بأنها “فرصة وليس عدو” ووعدها بمقابل معين في حال تراجعت عن “السيطرة غير القانونية على أرض فلسطينية”.

 وتصريحات قرقاش التي وعد فيها بمواصلة التعاون مع “إسرائيل” حتى في حال الضم. وتفسر هذه الانتقادات قلق المسؤولين في دول الخليج من المس بمكانتهم في العالم العربي والإسلامي ومن حالة الغليان الشعبية التي قد تزعزع استقرار حكمهم في حال لم يعلنوا معارضة واضحة وشديدة للضم.

يأتي ذلك بالإضافة إلى كون تركيا وإيران، المنافسات لدول الخليج إقليميًا، ستكسبان أفضلية بسبب معارضتها للضم، وبذلك يمكن تصوير المسؤولين الخليجيين على أنهم متعاونون مع “إسرائيل” وليس فقط متخاذلين مع القضية الفلسطينية.

ويعتبر موقف دول الخليج من القضية الفلسطينية غير ثابت ومر بتحولات عديدة في العقدين الأخيرين، ففي السابق، اشترطت هذه الدول السلام الشامل مع الفلسطينيين مقابل تطوير العلاقات مع “إسرائيل”.

 لكن في السنوات الأخيرة تم خفض هذا السقف بدرجة كبيرة، واليوم موقف هذه الدول أقرب للحالة التي وصفها عبيد في مقاله، الذي جاء فيه أن أي تطور في العلاقة بين “إسرائيل” والفلسطينيين سيتبعه تطور في العلاقات العلنية مع “إسرائيل”.

ويعتبر هذا الموقف تسوية بين الموقف الإسرائيلي والفلسطيني، إذ أنه في السنوات الأخيرة، طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، منح الأفضلية لتطوير العلاقات مع دول الخليج والمغرب العربي على العلاقات مع الفلسطينيين (من الخارج إلى الداخل).

في حين ادعى داعمو هذه الإستراتيجية أنها مفيدة لتشكيل ضغط على الفلسطينيين لإظهار بعض المرونة والتوصل إلى تسوية سياسية، في حين يدعي معارضوها أنها جاءت من أجل سد الأفق أمام أي حل سياسي.

في كلا الحالتين، عمل الفلسطينيون على لجم تطبيع العلاقات بين “إسرائيل” والدول العربية، خاصة دول الخليج، من أجل الحفاظ عليها كورقة مساومة مع “إسرائيل”.

تأتي تصريحات المسؤولين الثلاثة كحلقة ضمن سلسلة الازدواجية في العلاقات بين “إسرائيل” ودول الخليج في السنوات الأخيرة.

يذكر أن الازدواجية في العلاقات تعود إلى رغبة الدول الخليجية في الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن، خاصة في ظل “التهديد الإيراني”.

ولهذا تملك دول الخليج القدرة على توثيق العلاقات مع “إسرائيل” وإعلانها رغم الجمود السياسي على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، لكن التهديدات المشتركة نجحت في الحفاظ على التعاون بين الجانبين، الذي يعتبر سريًا بطبيعته، ويجب توقع أن خطوة الضم، في حال وقعت، لن تعود بالضرر الكبير على التعاون الأمني السري.

في جميع الحالات، ستستفيد إيران من ضم “إسرائيل” مناطق في الضفة الغربية، ليس لأنها ستتمكن فقط من تسليط الضوء بعيدًا عن برامجها النووية العسكرية، بل لأن مثل هذه الخطوة ستعيق “إسرائيل” من الحصول على شرعية دولية لأي خطوة تتخذها ضدها.

وبناء على أقوال المسؤولين الثلاثة من دول الخليج حول الضم، لن تتجمد العلاقات بين “إسرائيل” وهذه الدول في حال الضم، لكن من الممكن أن يمس بالعلاقات العلنية بينها.

ورغم العلاقات مع “إسرائيل”، لا تستطيع دول الخليج إدارة ظهرها للقضية الفلسطينية، فمن ناحيتها، الجمود السياسي على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، يتيح الوضع القائم المجال أمامها للتركيز على المشاكل الأكثر إلحاحًا، داخليًا وخارجيًا.

كما انه من غير الواضح إذا ما تم منح “إسرائيل” أي وعد بمقابل معين في حال قلصت الضم أو ألغته، لكن لا شك أنها ستعود بالفائدة عليها لأن دول الخليج تعمل الكثير لمصلحتها في الوضع الحالي، خاصة أن القضية الفلسطينية ليست بطريقها للحل. (1)

 

المصادر:

(1) “معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي”: https://bit.ly/3gpJlRX

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on