مقدمة العساس | منذ النكبة، تستعمل “إسرائيل” وحدات النخبة عالية التدريب والوحدات غير الرسمية التي لا ترتبط بالحكومة أو قيادة الجيش بشكل علني، لتنفيذ جرائم ومجازر بحق الشعب الفلسطيني ومقاومته، وكانت هذه الفكرة بالأساس التي قام عليها الجيش الإسرائيلي المُشكَّل من مختلف العصابات الصهيونية المسؤولة عن أبشع المجازر خلال النكبة.

رغم ذلك، من الصعب الحصول على مستند رسمي يثبت هذه السياسات، ودائمًا ما تدعي “إسرائيل” أن لا علاقة لها بمثل هذه الوحدات أو المجموعات، أو أنهم تصرفوا من تلقاء أنفسهم، إلا أن تسريب بعض الوثائق يشير إلى ممارسة هذه السياسة منذ عشرات السنين، وأن الذريعتين الأشهر لحل هذه الوحدات هما تقليص الميزانيات أو مخالفة تعليمات إطلاق النار، بهذا يُسوّق الاحتلال نفسه رسميًا كمن يعارض قتل المدنيين.

هذه المادة تتحدث عن أصل الوحدات الخاصة في جيش الاحتلال، وتوضح مدى التأثير الذي أحدثته خلال العقود الماضية.

إعداد العساس |

البدايات

عام 1952، واجه الاحتلال متاعب جمة بسبب العمليات التي تنفذها المقاومة الفلسطينية من خلال التسلل من مختلف مناطق الحدود، ولم تأت عمليات الجيش الإسرائيلي ومحاولات التمشيط والمراقبة بالنتائج المطلوبة، لذلك كان على “إسرائيل” التفكير بطريقة أخرى.

لم يقتصر التفكير والبحث في حينه على وزارة الأمن والجيش، بل انضمت مختلف الوزارات، ومنها وزارة الخارجية التي كرَّست وحدة البحوث لديها من أجل هذا الغرض، إذ وضعت في حينه تقريرًا على طاولة المسؤولين الإسرائيليين بعنوان “وسائل مكافحة التسلل” وكتبته الباحثة ياعيل فيرد.

في بحثها، أشارت فيرد إلى عدد من الطرق لمكافحة المتسللين، من بينها تجنيد عملاء وجواسيس لتزويد “إسرائيل” بالمعلومات، وتحسين العلاقات مع السكان العرب في القرى الحدودية لا سيما المخاتير، واستغلال النزاع بين العشائر والعائلات الكبيرة وغيرها من الطرق، لكن الأهم كان إنشاء “فصيل المتسللين الإسرائيليين”، الذي اعتبرته الوسيلة الأنجع.

وحول هذا الفصيل، كتبت فير في تقريرها أنه “يجب أن يشمل مقاتلين يهود وأبناء أقليات أخرى مدربين على أعلى المستويات ويحملون طابعًا شخصيًا، ولا يجب ربطهم رسميًا بالجيش ولا بالحكومة حتى لا يتم اتهام إسرائيل بالاعتداء في حال كشف أمرهم”.

وأوضحت ياعيل فيرد أن مهمة هذا الفصيل هي “السرقة وتنفذ عمليات سطو مسلح، وتخريب شبكات الري والاتصالات في الجهة العربية من الحدود، وفي حال احتاج الأمر إيذاء الأغنياء وأصحاب التأثير من العرب”.

ليس هذا فقط، بل تضمنت مهام هذا الفصيل بحسب فيرد: “العمل بحزم وصرامة أكثر أحيانًا، مثل قتل الناس عشوائيًا وتفجير البيوت، وكل هذه الوسائل ستجعل السكان العرب يعتقدون أن المتسللين هم السبب، حينها سيضغطون على حكوماتهم لكبح المتسللين الفلسطينيين”.

 وأشارت إلى ضرورة تبعية هذه الفصائل لعدد من الجهات والوزارات، لكن بالدرجة الأولى لقسم تشغيل الضباط والعملاء في قسم المعلومات التابع لجهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”. (1)

الوحدة 101

في عام 1953، استدعى قائد لواء القدس حينها، ميشئيل شاحام، صديقه السابق الذي أنهى خدمته العسكرية قبل سنة، أريئيل شارون (المترجم: بقي شارون في جيش الاحتياط، كما كل شخص في “إسرائيل”)، وكلّفه بمهمة القضاء على خلية أسموها “خلية مصطفى الصمويلي”، نسبة إلى قائدها الذي كان يسكن قرية النبي صاموئيل، ونفذ عددًا من العمليات ضد أهداف يهودية في المدينة.

طلب من شارون إقامة وحدة تتعقب الخلية وتغتال ناشطيها وتدب الرعب في قلوب الجميع، وجاء التوجه لاختيار مدنيين أو جنود احتياط بسبب وضع الجيش الإسرائيلي في ذلك العام، إذ لم يكن فيه وحدات مدربة بشكل عالٍ لتنفيذ مثل هذه المهام بعد حل وحدة البلماح وغيرها التي كانت تعتبر من وحدات النخبة.

بدأ شارون مع 7 من الجنود الذين اختارهم للعمل، وقاموا بإحراق منازل وإطلاق النار على السكان، إلا أنهم لم يتمكنوا من التسلل للقرية وتفجير منزل قائد الخلية، بينما اعتبر شاحام العملية ناجحة لأنهم تمكنوا من تفجير منزلين.

بعد أقل من عام، تم حل الوحدة ودمج أعضائها في لواء المظليين 890، بسبب تدريبهم العالي، وإرثها وأهدافها باتت من القيم العليا في الجيش الإسرائيلي، مثل “المبادرة والالتحام القوي والتنفيذ الدقيق والقيادة الحازمة والصارمة، إضافة إلى عدم ترك المصابين والقتلى في ساحة المعركة”. (2)

وحدة العقرب

خلال الانتفاضة الثانية، نشطت وحدة أطلقت على نفسها اسم وحدة العقرب، وتكونت من جنود مدربين من جيش المدفعية، وتم اختيارهم لتنفيذ مهام قذرة في الضفة الغربية، وخلال عملهم منعت عنهم الرقابة ومنحوا صلاحيات بلا حدود، وكانوا يملكون حرية التصرف في كل المواقف، كما أنه لم يُعين قائد لهم من قبل الجيش ولم يُمنحوا اسم، بينما هم من اختاروا لنفسهم اسم العقرب، ثم اختاروا أعلاهم رتبة ليكون القائد، وسلحوا أنفسهم بنفسهم، واختاروا معسكراتهم في الضفة الغربية، ولم تسجل هذه الوحدة في الجيش أو في وزارة الأمن بشكل رسمي.

وكُشفت هذه الوحدة عقب شهادات من بعض جنودها نشرت في تقرير مصور، إذ تحدثوا خلاله عن الجرائم التي ارتكبوها في الضفة الغربية في تلك الفترة، وكيف كان الجنود يشعرون بأنهم يملكون القوة المفرطة لفعل ما يريدون دون حسيب أو رقيب.

آلية عمل الوحدة كانت بوصول التكليفات والمهمات، إلا أن عملية التنفيذ كانت كما يحلو لهم وما يرونه مناسبًا، واعترف أحد أعضاء الوحدة أنهم كانوا يتاجرون بالسلاح الخفيف لزيادة تسليح الوحدة، وابتكروا أسلحة خاصة بهم، وكل هذا تحت عين الجيش الإسرائيلي دون أن يتدخل، بينما يروي عضو آخر أنهم في يوم من الأيام كانوا في مهمة وتم إلقاء “ثلاجة” عليهم، فأمر قائدهم بفتح النار وقتل امرأة مسنة دون أن يطرف لهم رمش أو يهتموا لذلك.

في حين اعترف أحد الجنود أن القوة والصلاحية المفرطة التي كانوا يملكونها دفعتهم إلى ارتكاب الكثير من الجرائم والتنكيل بالفلسطينيين، إذ “لا يمكن لشيء أن يردع جنديًا مليئًا بالقوة وحب السيطرة، ولا يمكن أن تطلب منه التوقف أو تخفيف حدة تعامله، لدرجة أنهم كانوا يطلقون النار على من يزعجهم خلال النوم في أحد البيوت التي احتلوها وطردوا ساكنيها”.

تم حل وحدة العقرب لاحقًا، دون اعتراف رسمي أنها كانت جزءًا من الجيش الإسرائيلي، وعندما توجه أحد جنودها للقضاء ضد وزارة الأمن للحصول على تعويضات بسبب الضرر الذي لحق به خلال خدمته في هذه الوحدة، جاء رد الوزارة بأنه كاذب، وأنه لا وجود لمثل هذه الوحدة، بالتالي لا يمكن تعويض من لم يخدم في الجيش. (3)

وحدة القناصة “الشيشانيون”

تشكلت هذه الوحدة عام 2003 واستمر عملها في قطاع غزة لعدة سنوات حتى حلها الجيش، بسبب خوف الضباط من نفوذ جنودها وقدراتهم وما يشكلونه من خطر على مناصبهم، بحسب شهادة أحد جنود هذه الوحدة.

“الشيشانيون” لم يكن هذا اسمها الرسمي، بل ما اشتهر به جنودها الذين خدموا في الوحدات الخاصة بدول الاتحاد السوفييتي، إذ حاربوا في الشيشان وأفغانستان وغيرها من المناطق الوعرة والصعبة، وهاجروا بعدها إلى “إسرائيل” واستغل الجيش خبرتهم القتالية ووضعهم في قطاع غزة لتنفيذ مهام محدودة وواضحة، وهي القضاء على القناصة الفلسطينيين الذي “يقضون مضاجع الجنود باستهدافهم داخل القواعد العسكرية”، ووصف أحد الجنود الإسرائيليين هذا العمليات بأنها “منعتنا من النوم لليال طوال، حتى جاء الشيشانيون”.

وتشكلت الوحدة من 8 أشخاص: “رومان” وهو القائد، كان ضمن وحدة مظلية خاصة في الجيش الأحمر، وقال عن خبرته في الحروب: “قاتلنا على ارتفاع 3000 متر في جبال أفغانستان، كنا كالمتسلقين ولم يكن الأمر سهلًا، وصلت لأفغانستان ضمن كتيبة تضم 90 شخصًا، عدنا مع 21 قتيلًا و37 جريحًا”.

وضمن الوحدة “ألكس”، الذي خدم في وحدة شرطة خاصة في أوكرانيا لمكافحة الجريمة المنظمة، وهو خبير بالقتال اليدوي والسكاكين، وثم “بافل” الذي خدم في وحدة كوماندو النخبة في الجيش الأحمر (الأكثر تدريبًا)، إضافة إلى “سيرغي” الذي كان قائد وحدة قناصة في الجيش الروسي وحارب في الشيشان مدة 3 سنوات وحصل على وسام الشرف من الرئيس الروسي، وأخيرًا “بوفا” الذي كان قناصًا لمدة سبع سنوات.

رغم التقدير لعملهم واعتباره ناجحًا بكل المقاييس، تم حل الوحدة بذريعة تقليص الميزانيات، إلا أن أعضاء الوحدة قالوا إنهم يعلمون أن حل الوحدة جاء بسبب “خوف الضباط الكبار على مناصبهم بعد أن أثبتت الوحدة كفاءتها”، وقال أحد الأعضاء إن “هؤلاء الضباط يجلسون في مكاتبهم المكيفة وينتظرون معاشاتهم ورواتب التقاعد، ونحن من ننفذ العمل الحقيقي والخطر يتم تسريحنا”.

 

المصادر:

(1) تقرير “وسائل محاربة التسلل”.
(2) مركز “ماطاح”: https://bit.ly/2Zl83ff
(3)  قناة كان 11 الإسرائيلية: https://bit.ly/2ruKhRs
(4) صحيفة معاريف: https://bit.ly/2ZmpDzn