مقدمة العساس | لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بسياسة التهويد وطرد السكان الأصليين التي يتبعها في فلسطين بهدف ترسيخ وجوده وتعزيز مكانته، إنما توجّه أيضًا إلى سرقة الأرض وطمس ما تحتويه من مقابر تعكس التاريخ العربي والإسلامي المتواجد فيها على مر العصور.

هذا المقال يتحدث عن أبرز المقابر الإسلامية التي عملت “إسرائيل” على طمسها وتهويدها بمختلف الوسائل داخل الأراضي المحتلة.

ترجمة العساس |

تهويد القبور الإسلامية:

في مطلع عام 2013، حاول عدد من المخربين إزالة رخام من القرن السابع عشر عن جدران مقام النبي داوود في مدينة القدس، بهدف محوّ هويته الإسلامية وتهويده.

ولا تعتبر هذه المحاولة الأولى، بل سبقتها الكثير من المحاولات، إذ في عام 1950 قام عضو الكنيست عن حزب حيروت، أوري تسبي جرينبرج، بتخريب كتابة رخامية قرآنية أحاطت بنفس المقام، وفي الشكوى المقدمة ضدّه قال جرينبرج بشكل صريح: “أردت إزالة الزخارف الإسلامية من أجل إزالة الآثار الإسلامية”.

وانتشرت بعد ذلك ظاهرة تهويد القبور، وأصبح الكثير من اليهود يحجون إلى قبور كانت إسلامية قبل عام 1948، منها قبر الشيخ الغرباوي الذي أصبح قبر متتياهو هحشمونائي، وقبر ستي سكنية في طبريا الذي تحوّل إلى قبر رحيل زوجة الحاخام رافي عكيفا، إضافة إلى قبر أبو هريرة الذي تحوّل إلى قبر بنيامين. (1)

مقبرة القسام:

تعتبر المقبرة الإسلامية في نيشر شارع رقم 752، بمثابة النموذج للصراع السياسي والاستثمار العقاري المعقد والطويل، إذ أقيمت المقبرة عام 1936 على يد الوقف في حيفا ضمن أرض بملكية عربية، ثم استولت عليها بلدية نيشر وأنشأت عليها بيوتًا للعمال.

 بعد النكبة وقيام “إسرائيل” بقيت المقبرة دون استعمال، وعلى مرّ السنين ظلت مهملة ومتهالكة، أمّا في فترة متأخرة من عام 1987، حظيت المقبرة بشهرة واسعة لأن فيها قبر عز الدين القسّام قائدة الثورة عام 1936، والذي تمت إعادة إحياء ذكراه كأحد رموز النضال، ما حوّل المقبرة المهجورة إلى رمز وطني ومزار شعبي.

في عام 2015، ناقشت محكمة الصلح في منطقة “الكريوت” دعوى تقدمت بها شركة “كرور أحزكوت” حول شرائها جزء من أرض المقبرة لبناء مصانع، وهي تطالب بحقّ التصرّف بالممتلكات، وتدعي أنها اشترت هذه الأرض من دولة “إسرائيل” وليس من الوقف، وذلك عندما كانت المعلومات تشير إلى عدم وجود قبور في المنطقة وأنها معدّة لتكون منطقة صناعية.

ومنذ عام 1952 قررت “إسرائيل” إلحاق كل الممتلكات الإسلامية بالمجلس الإسلامي الأعلى، وهي بالتالي تتبع لما يسمى أملاك الغائبين، إلا أنها غيّرت القانون ليصبح مجلس الأمناء الإسلامي هو المسؤول عن هذه الممتلكات، ووفقًا للمحامي خالد دغش فإن كلّ هذه الأملاك تحوّلت إلى سلطة أراضي “إسرائيل” ثم إلى القطاع الخاصّ. (2)

مقبرة طاسو يافا:

أمّا قضية مقبرة طاسو فهي تعتبر معقدة لتشابك أطراف عدة فيها، من شركات الاستثمار العقارية والدين والدولة، إذ اشترى مستثمرون المقبرة قبل 35 عامًا بموافقة مجلس الأمناء المؤتمن على الوقف الإسلامي في يافا، بغرض الاستثمار الخاص.

ويحاول المستثمرون منذ سنوات البدء في مشروعهم إلا أن المجلس الإسلامي وسكان يافا العرب يقفون لهم بالمرصاد، ما دفعهم إلى القبول بتسوية تقضي بأخذ المستثمرين لأرض أخرى غير المقبرة، وسط استمرار سكّان يافا بالنضال من أجل الحفاظ على هذه المقبرة والمقابر الأخرى. (3)

مقبرة قرية الجماسين:

بينما في عام 2005، شرعت بلدية تل أبيب بتوسيع البنية التحتية بحي بابلي، حيث تقع في المنطقة مقبرة قرية الجماسين المهجّرة، ومع بدء عمل الجرارات ظهرت العظام التي تدل على وجود مقبرة، إلا أن أعمال البلدية استمرت دون توقف.

بسبب ذلك توجهّت مؤسسة الأقصى لحماية المقدسات الإسلامية في حينها إلى بلدية تل أبيب، وكان رد البلدية: “لم يتم الكشف عن أي قبر بأي مرحلة من مراحل الحفر الذي تم بإشراف سلطة الآثار الإسرائيلية”. (4)

 مساكن الطلبة فوق المقابر:

في عام 2012، ثار ناشطون عرب ضد بناء مساكن طلبة تابعة لجامعة تل أبيب فوق مقبرة قرية الشيخ مونس العربية المهجّرة، وخلال العمل تم العثور على قبرين تضررا بالفعل، إذ أعرب الناشطون عن قلقهم بشأن باقي القبور التي لم تصلها عمليات الحفر والبناء.

ويمكن رؤية العظام منتشرة في أنحاء الأرض، والقبرين المشار إليهما وجدا على مقربة مما يُسمى البيت الأخضر التابع للجامعة، وبسبب ذلك أوقفت الجامعة العمل، وبعد الفحص أعادت أعمال البناء حتى إتمامها على أنقاض مقبرة قرية الشيخ مونس المهجرة. (5)

مقبرة مأمن الله:

في نهاية فترة التسعينيات، خطّط المهندس فرانك جيري لإقامة المتحف الصليبي في القدس كجزء من متحف فينزتال، وكانت الفكرة في البداية بتخصيصه عن المحرقة مع التركيز على جانب العنصرية، إلا أنه تقرّر إقامته عن الكرامة الإنسانية والفترة الصليبية مع هدف تعليمي، بسبب المعارضة وحساسية المدينة المقدسة.

وفي سياق التحضير لهذه الخطة، بحث المبادرون عن مكان لإنشاء مصفّ سيارات من سبعة طوابق، واقترحت البلدية قطعة أرض في شارع هيلل، وبالفعل تم تقديم الخطة والموافقة عليها دون أي معارضة من المنظمة الإسلامية.

ومع بدء أعمال الحفر عام 2004، تم العثور على حوالي ألف هيكل عظمي للمسلمين في المكان، إضافة إلى ألف قبر آخر وفقًا للتقديرات، ولهذا تم اقترح تخصيص قسم من المتحف للمقبرة الإسلامية، واستأنف المسلمون في المحكمة العليا ظنًا منهم أن هناك من يسمع احتياجاتهم، وأنهم سيحصلون على أمر بوقف العمل هناك، إلا أن المحكمة لم تنظر في ذلك ولم تصدر أي أمر بإيقاف العمل.

وتعود مقبرة “مأمن الله” التاريخية إلى القرن السابع، وتضم رفات لمسلمين ومسيحيين، في حين أن المنطقة التي اختارها المتحف من المقبرة يعود تاريخها إلى 300 عام، وتحظى بأهمية تاريخية.

قبل ذلك وفي عام 1964، طلب رئيس بلدية القدس مردخاي شالوم، من رئيس القضاة فتوى لتحويل معظم المقبرة إلى حديقة عامة مزروعة، وبالفعل أصدر القاضي الفتوى، وبدأت البلدية في أعمال بناء حديقة التي سميّت “حديقة الاستقلال”.

رغم ذلك تقف الحركة الإسلامية بالمرصاد لكل هذه المحاولات، وتقول إن بناء المتحف وأي منشأة أخرى على أراضي مقبرة مأمن الله هو هدف صهيوني يسعى إلى طمس معالم الهوية الإسلامية. (6)

المصادر :

(1) بحث من جامعة تل أبيب : https://bit.ly/2RpDYXT

(2) جلوبس : https://bit.ly/2KDXyz6

(3) يديعوت أحرنوت : https://bit.ly/2VBmUCI

(4) يديعوت أحرنوت : https://bit.ly/2FAFxxi

(5) هآرتس : https://bit.ly/2Ng2agY

(6) أول آبوت جيروزليم : https://bit.ly/2RL4cEx

 

View this post on Instagram

 

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on