مقدمة العسّاس |  ربما تعتبر القضية الإسرائيلية الإيرانية من أكثر القضايا الساخنة على الصعيد الإقليمي خلال العقود الأخيرة، وذلك فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والدعم المادي واللوجستي لبعض حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، إضافة إلى التوتر الحالي مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هل هذه العلاقة كانت دائمًا بهذا التوتر؟ وكيف كانت في زمن حكم الشاه قبل اندلاع الثورة الخمينية؟


ترجمة العسّاس | في عام 1947، صوتت إيران على قرار التقسيم في الأمم المتحدة برفض إقامة دولة “إسرائيل”، إلا أنه عام 1950 تغيرت هذه المعادلة واعترفت إيران بـ “إسرائيل” في الساحة الدولية وأنشأت سفارتها هناك، ثم أغلقتها عام 1952 بسبب ضغط عربي، وكلفت سفارة السويد بتمثيلها لدى “إسرائيل”.
أمّا في عام 1958، توطدت العلاقة بين البلدين في ظل حكم الشاه، لكن دون علاقات دبلوماسية كاملة جرّاء الضغط العربي والباكستاني، وفي عام 1960 صرّح الشاه أن السفارة في تل أبيب أغلقت بسبب شحّ الميزانية فقط، ثم أنشأ نظام علاقات مع “إسرائيل” انتهى مع اندلاع الثورة الخمينية عام 1979. (1)

البناء:

حصلت شركة شالوم فريدي عيرون، وهي استشارية لوزير الصناعة، على مشروع بناء طموح تم الحديث عنه في رسالة موجهة إلى نائب وزير التجارة يعقوب كوهين، تضمنت قائمة بأسماء شركات البناء الإسرائيلية العاملة في طهران، وجاء في الرسالة: “تتكون المجموعة اليوم من روبنشتاين وشركاه، وسوليل بونيه، وآشتروم، إدارة بنك لومي وافقت على أن البنك سوف يعمل كمستشار للمجموعة، وأن رؤساء الشركات سافروا إلى إيران في منتصف شهر أكتوبر لدراسة الظروف المحلية، وإذا سمحت مثل هذه الشروط بتنفيذ مثل هذا المشروع، ردهم كان إيجابيًا بالتأكيد، وهذا القرار انعكس في تقريري”. وواصل عيرون الحديث عن مجالات إضافية قد تكون بمثابة أساس للنشاط الإسرائيلي في إيران، وقال: “تمت إضافة موضوعين جديدين، أحدهما في مجال الطاقة الشمسية، والآخر في إنشاء مصنع للحقن والمعدات الطبية”.

مجال الزراعة:

بالإضافة إلى المساعدات في مجال البناء، جاءت المساعدات في مجال الزراعة والعمل الإنساني، إذ تطوّع 10 إسرائيليين من بينهم امرأة في الريف الإيراني لمساعدة الإيرانيين في المجال الزراعي عقب الزلزال الذي ضرب المنطقة وأودى بحياة 1500 شخص عام 1967.
في نفس العام، وصل عضو وزارة الزراعة جدعون بار ليف إلى إيران، وبدأ بمدّ يد العون للمزارعين الإيرانيين من أجل تطوير القطاع الزراعي كجزء من وفد شركة ساكر للاستشارات الزراعية الذي ترأسه المدير العام لوزارة الزراعة إيتان ياكوبسون.
وقال جدعون بار ليف: “نشاطنا تركز على عدة مستويات، أنشأنا مراكز للتدريب مثل الجامعات، معظمها في مباني الأميركيين الذين غادروا إيران، وقمت شخصيًا بتعليم أربع دورات مختلفة للمهندسين الزراعيين الإيرانيين، لقد تم اعتبارهم أشخاصًا متعلمين وتقدميين في إيران، على الرغم من ذلك وجدنا ثغرات كبيرة في معرفتهم الأساسية”.

التعليم:

في عام 1952، تم إنشاء فرع لشبكة مدارس “أورط” (ORT) الإسرائيلية في إيران، وحضر حفل الافتتاح كبار المسؤولين في الإدارة الإيرانية إلى جانب ممثلين عن “إسرائيل” وعدد من موظفي شبكة أورط ومفتشين من وزارة التعليم الإسرائيلية.
وقام فرع أورط في إيران بتدريس الطلاب البناء والميكانيكا، وبعد ساعات الدوام المدرسي مارست الجالية اليهودية الطقوس الخاصّة بها، واحتفل الطلاب بالأعياد اليهودية، وبهذا الشأن يقول يتسحاق سيغيف، الذي كان آخر ضابط عسكري إسرائيلي في إيران: “لأكثر من عقد كان هناك حوالي 1500 إسرائيلي يعيشون في إيران بحرية دون تدخل من الإيرانيين، وكانت لديهم حياة اجتماعية مثمرة وغنية”. (2)

العلاقات العسكرية:

خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت العلاقات بين إيران و”إسرائيل” وطيدة جدًا وكان هناك سفارة إسرائيلية في طهران، واستمرت هذه العلاقات بالتطور إلى حين وافقت إيران على نقل يهود العراق إلى “إسرائيل” في عهد الشاه الذي دعمته بريطانيا وأمريكا.
ويقول يروي سيغي قائد الاحتياط من المظليين إنه شارك بإلقاء خطاب على ضفاف دجلة والفرات على الحد الفاصل بين إيران والعراق من أجل تحسين قدرات الجيش الإسرائيلي الخطابية، وبعد سنتين ونصف كان وزوجته بقارب إيراني على شط العرب، مضيفًا “عندما وصلت إلى إيران وجدت صفًا من الجنرالات الإيرانية ينتظرون أمام مكتب ياعكوب نمرودي من المستعربين الأوائل وفيما بعد رئيس جريدة معاريف، ليقدم توصياته بشأن ترقيتهم لمناصب مهمة في الجيش الإيراني”.
في ذلك الوقت، حظي ممثلو “إسرائيل” بالترحيب الإيراني الكبير، سواء كانوا مواطنين أو من الجيش، وهذا ضمن زيارات المسؤولين الأمنيين المتبادلة، مثل زيارة رئيس الأركان الإيراني لـ “إسرائيل” عام 1966، وزيارة رئيس الأركان إسحق رابين وموتي غور إلى طهران خلال فترة ولايتهم.
كان الإسرائيليون في طهران مقربين جدًا من الشاه، وبهذا يقول سيغي: “كانت مهمتي الرئيسة والسرية مساعدتهم في حماية خوزستان، ولكنهم أرادوا مني إغراق السفن الإيرانية الراسية في نهري دجلة والفرات وكذلك حماية مناطق النفط من الجيش العراقي”.
وأضاف: “كجزء من الحرب مع بغداد وجدتني أدرب القوات الإيرانية الخاصة كي يدربوا الأكراد”، وفيما بعد درّب سيجي الأكراد ووجد نفسه قائد خلية، أو “مقاول حروب” كما يقول هو.(3)

في مقابلة أجراها اليعزر جيسي تسفرير، وهو أحد المسؤولين عن تهريب الإسرائيليين عقب الثورة الإيرانية، قال: “كانت العلاقات الإسرائيلية الإيرانية ممتازة، خلال فترة الشاه، كانت هناك علاقات في كافة المجالات الأمن الاقتصادي وأكثر من ذلك، علاوة على وجود صلة بين الموساد وجهاز الأمن الإيراني للتعامل مع العراق وأطراف أخرى “. (4)

انقطاع العلاقات:

خلال شهر فبراير شباط عام 1979، مرّت تسعة أيام درامية بعد شهور من الاضطراب السياسي في طهران، ثم بعد الثورة الخمينية تم الاتفاق على أن يصعد على متن طائرة طاقم السفارة الأمريكية المتجهة نحو فرانكفورت 34 إسرائيليًا، وهكذا ألغيت الخطة التي تم تكليف الوحدة 669 بها لتخليص اليهود من طهران.
وكان الشاه الإيراني يريد جعل بلاده متطورة أكثر من فرنسا، ومن أجل ذلك أقام علاقات سريّة مع “إسرائيل” عام 1954، تتضمن تجارة نفطية كبيرة يتم تنظيمها من موانئ “إسرائيل” ثم إلى العالم، إضافة إلى تعاون تجاري هائل بشتى المجالات وتجارة عسكرية، هذا ما جعل إيران تعرف كحليف قوي بالنسبة إلى “إسرائيل” رفقة الولايات المتحدة الأمريكية.
ويذكر أن شاه إيران منذ عام 1967 وحتى سقوطه عام 1979، كان صديقًا حميمًا لـ “إسرائيل”، وكان يخشى من غزو روسي وكان كارهًا للعرب، وفي حين كان يبدي على العلن تعاطفًا تجاه قضاياهم، كان وفي السر يقيم علاقات مع “إسرائيل” لدرجة أنه أتاح للموساد الإسرائيلي العمل بحرية.
كما أن الرغبة الإسرائيلية في عدم خسارة العلاقة مع الحليف الاستراتيجي الأكبر، جعلها تغض الطرف عن أجراس الإنذار، ومع تطور الحلف الإستراتيجي بين أمريكا إيران و”إسرائيل” عرف الإسرائيليون أن نظام الشاه يتآكل من الداخل مع اشتداد الاحتجاجات ضده من جميع الاتجاهات. (5)

المصادر:
1. كول برماه: https://bit.ly/2X63Km1
2. مكور ريشون: https://bit.ly/30Gru29
3.ماكو: https://bit.ly/2WqqyzG
4. القناة السابعة: https://bit.ly/2M6tZrm
5. يديعوت أحرنوت: https://bit.ly/2PZjHpT