مقدمة العساس | مرّت العلاقات التركيّة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بتقلبات وأزمات أثرت على مجالات عدّة، لكن يبدو أن الاحتلال يعمل على حماية المجالات التي تفيده من هذا التأثير، على الأقل حتى تنتهي مصلحته، وهذا على ما يبدو الذي حصل مع شركة يلمازلار التركية للمقاولات التي تعمل في “إسرائيل” وتنشئ مبانٍ مهمة فيها منذ أكثر من 20 عامًا.

هذه المادة تُسلّط الضوء على شركة يلمازلار التركية للمقاولات التي تعمل في “إسرائيل” منذ عام 1996، وتشرح أزمة العمال الأتراك المعرضون لخطر الطرد. 

إعداد العساس | قصة وصول الشركات التركية إلى “إسرائيل” بدأت خلال فترة التسعينات، جرّاء الحاجة الإسرائيلية إلى زيادة المباني السكنية بشكل كبير حتى تستطيع استيعاب الهجرات اليهودية القادمة من دول الاتحاد السوفيتي سابقًا.

وفي ذلك الوقت، قام المجند الإسرائيلي نيسيم جيوس المولود في تركيا بتجنيد الأيدي العاملة ضمن صناعة البناء التركية، وعمل كوسيط خاص بين عمال أتراك وشركات مقاولات إسرائيلية احتاجت مساعدتهم.

إلا أن هذه الطريقة تغيرت عندما التقى جيوس بأحد أصحاب شركة يلمازلار، وهو أحمت إلماز، إذ بدأ الاثنان بتطوير عملي لدخول منظم إلى السوق الإسرائيلي، وبالفعل في عام 1996 وصلت بعثة تجريبية من عشرات العمال إلى “إسرائيل”. (1) 

أحمت إلماز

يشغل أحمت منصب رئيس الشركة التركية يلمازلار (Yilmazlar) التي توفر نحو 1200 عامل تركي في “إسرائيل”، وكان في الماضي لاعب كرة قدم تركي، بينما لديه في الوقت الحالي مكتب في تل أبيب مكّنه من العمل على بناء مشاريع عدة منها: هيكل ملعب نتانيا بلومفيلد.

وتأسست الشركة في “إسرائيل” عام 1996، عندما كان فيها سبع أو ثمان شركات بناء لم يستمر عملها، وأتمت عام 2010 بناء قسم جديد ملحق بمستشفى هداسا عين كارم في القدس المحتلة، إذ توفر حاليًا 1200 عامل تركي و20 مدير ورشة أتراك يجيدون اللغة العبرية وقراءة الخرائط، وبحسب أقوال أحمت هؤلاء العمال لديهم عائلتهم في تركيا ولا يطمحون للعيش في “إسرائيل”. (2)

بدأت يلمازلار نشاطاتها في “إسرائيل”، بموجب اتفاق ملكية متبادلة بين تركيا و”إسرائيل” عام 1996، وهي الآن عضو في نقابة المقاولين في “إسرائيل” وذات دور مهم في المجال، إذ يبلغ حجم أعمالها مئات ملايين الشواكل سنويًا.

يقول مدير الشركة أحمت: “إن الشركة لا تتأثر من الأزمة كونها لا تنافس شركات المقاولات الإسرائيلية، ولأن تخصصها هو بناء هياكل الأبنية فقط، وهذا القطاع يواجه نقصًا حادًا في “إسرائيل”، إذا احتاجت شركة إسرائيلية كبيرة أو مشروع حكومي كبير لبناء هيكل يستعين بالشركة، هم يعرفون بأننا نتقيّد ونلتزم بالوقت، بالمقابل الشركات المحلية الأخرى لا تلتزم، أفضلية هذه الشركة هي التناغم، نحن نؤمن بأن الأتراك وحدهم من يستطيعون إدارة الأتراك”.

بالعودة إلى أصول الشركة، يتضح أنها تأسست في فترة الثمانينيات على يد عائلة يلماز كشركة تركية متوسطة عملت حتى عام 2010 في سوق السكن شرق أوروبا، ومنذ عام 2011 ركزت على الأسواق التركية والإسرائيلية، وأحد مشاريع الشركة في تركيا في الوقت الحالي إنشاء مركز تسوق تبلغ مساحته 140 ألف متر مربع في أنقرة، بما في ذلك المكاتب والمناطق التجارية، ومن المتوقع قريبًا إنشاء مشروع سكني كبير بالقرب من إسطنبول.

وتطوّر العمل الذي بدأ كنشاط صغير في “إسرائيل” وسط التسعينات، بدعم من الحكومة الإسرائيلية والاتفاقيات الأمنية “الشراء المتبادل” عام 2002، (اتفاقية “اوفست”: مقابل تحسين الصناعة العسكرية الإسرائيلية للدبابات التركية، تشغّل “إسرائيل” 800 عامل تركي في فرع البناء).

منذ ذلك الحين عززت الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح عدد العمال رغم انتهاء مدة الاتفاقية، وكان من المقرر استمرار عمل الشركة في “إسرائيل” حتى نهاية العام 2018، في خطوة قادها رئيس مجلس الإسكان أفيغدور يتسحاك.

وهنا يبرز سؤال مهم، كيف نجحت الشركة التركية في النمو ضمن سوق البناء في “إسرائيل” والبقاء فيه، حتى في الفترة التي سادّ فيها توتر بالعلاقات التركية الإسرائيلية؟

 يُجيب المجند السباق وممثل الشركة جيوس: “على مر السنين كان هناك أزمة دبلوماسية بين الدولتين، ولكن هذه الأزمة لم يتم الشعور بها على المستوى التجاري وهي لا تؤثر على القطاع الخاصّ، الأزمة احتلّت عناوين الصحف والتصريحات السياسية، وربما تأثرت بها بعض القطاعات، ولكن حجم التجارة بين البلدين يصل إلى مليارات الشواكل، ومازالت “إسرائيل” تجلب المزيد من شركات المقاولات التركية”.

ورغم الشراكة المثمرة، تعرّض هذا القطاع إلى انتقادات شديدة جراّء القرار بجلب المزيد من الشركات الأجنبية مثل نموذج يلمازلار، أوضح روني بريك رئيس نقابة المقاولين الإسرائيليين أن هذه الخطوة ستلحق أضرارًا بالغة بشركات المقاولات المحلية وسترفع بالفعل الأسعار على مشتري المنازل.

من جهتها، قالت الشركة التركية، “إن 600 عامل إضافي سيحرر القطاع ولن يضرّه، نحن أعضاء في النقابة، والسوق الإسرائيلي يعرفنا ونحن لا ننافس المقاولين أو من يشترون أراض في مشاريع قيد الإنجاز”. (3)

 أحداث أسطول الحرية 

في 31 أيار/مايو عام 2010 قبل الفجر، اقتحمت القوات البحرية الإسرائيلية ست سفن مدنية تركية كان على متنها مئات النشطاء المؤيدين للفلسطينيين، وكانت السفن في طريقها إلى قطاع غزة بهدف كسر الحصار، وتعقدت عملية الاقتحام لسفينة مرمرة ما أدى إلى استشهاد تسعة مواطنين أتراك، هذا الأمر قاد إلى أزمة دبلوماسية تعتبر الأخطر في تاريخ العلاقات الإسرائيلية التركية، حينها استدعت تركيا سفيرها لدى “إسرائيل” وحتى اليوم لم تعيّن البديل، ورغم تحسن العلاقات إلا أنها لم تعد لسابق عهدها.

وحسب أقوال أحمت، فإن الأحداث والعلاقات المتوترة لم تؤثر حقًا على عمل شركة يلمازلار: “البيروقراطية الإسرائيلية عملت بصورة أبطأ، إلا أن الروتين اليومي يمكن القول إنه معقد وصعب، ومن المرجح أن ذلك لم يكن سببًا، رغم على ذلك من الواضح أننا مهتمين بعودة العلاقات الإسرائيلية التركية لسابق عهدها، وتعيّن تركيا لسفير لها في “إسرائيل”. (4)

ظروف عمل غير مثالية

يصل الأجر الأدنى للعامل إلى 2000 دولار في شهر، بينما أجر العمال المختصين والقدماء في الوظيفة يصل حتى 3000 دولار وربما أكثر، الحديث يدور عن أجور تفوق ضعف أجور العمال الأتراك العاملين بتركيا بذات المجال، وهو أجر صاف، حيث تغطي الشركة تقريبًا كل احتياجات العمال من مكان نوم وأكل وتذاكر سفر، والتأمين والفحوصات الطبية.

ويقول ممثل الشركة جويس: “تملك الشركة منطقة فيها سبع بنايات في كفر قاسم يعيش فيها أغلب العمّال، ولهذه الأبنية غرفة طعام مشتركة تتسع لـ 1000 شخص تقريبًا، (200-300 عامل يتواجد بمكان ورش عملهم هناك ينامون ويأكلون، ومن المريح لهم العيش في بيئة مسلمة”.

أمّا في يتعلق بالسلامة، فقد قتل 3 أشخاص من عمال شركة يلمازلار خلال 20 عامًا، ويٌبيّن جيوس بهذا الشأن: “للأسف الشديد هذا يحدث على الرغم من تشديدات الأمن والسلامة، في كل صباح نقدم إرشادات في ورش البناء التابعة للشركة حول إجراءات الحماية والأمان، للأسف هناك أشخاص لا يتبعون هذه الإجراءات فتحصل الحوادث”. (5)

ويشكو العمال ممن يصلون إلى مركز مساعدة المهاجرين من طريقة الشركة التركية في إبقاء الموظفين لديها، وذلك من خلال توقيعهم قبل وصولهم إلى “إسرائيل” على رزمة من المعاملات التي تحتوي على بند إلزامي محدد بغرامة، وبحسبه إذا أنهوا عملهم قبل انتهاء الموعد، تستطيع الشركة مقاضاتهم في المحاكم التركية.

هذا الأمر الإلزامي يعتبر بمثابة السيف على رقاب العمّال، ومع عدم وجود طريقة لدفع الغرامة يصبحون مقيّدون للشركة، وفي وقت سابق اختار خمسة عمال الهرب من الشركة، وهم يعيشون الآن بشقة مخفية، يقولون: “الشركة طلبت منا التوقيع على مستند معين، لم نقرأ البنود، إلا أنه عند حدوث مشكلة يهددون بهذه العقود”.

على الجهة المقابلة، تؤكد الشركة التركية أنه لا يوجد بند كهذا في العقد، لكن في تحقيق صحفي أجرته قناة “كان” تبيّن أنه يوجد بند كهذا ومكتوب فيه: “قبل الذهاب إلى “إسرائيل” يختم العامل على المستند، في حال الهرب إلى السوق الإسرائيلي الشركة تغرم المخالف”. (6)

يقول أحمت: “منذ عام 1996 دخل إلى “إسرائيل” عشرات الآلاف من العمال وكلهم حصلوا على عقد لسنة، من يريد إنهاء العمل والعودة لتركيا يستطيع ذلك، ومن يريد الاستمرار بالعمل يطلب ذلك. الادعاءات على ظروف العمل القاسية جاءت من خمسة عمال فقط من بين عشرات الآلاف. في كل ثلاثة أشهر تأتي وزارة الاقتصاد والعمل والرفاه ووزارة الهجرة دون إعلامنا بذلك من أجل إجراء الفحوصات اللازمة”. (7) 

منح دراسية لطلاب إسرائيليين

تبرعت شركة يلمازلار انترناشونال، بـ 26 منحة لطلاب البحث العلمي في جامعة بن غريون في النقب، واستهدفت طلّاب قسم هندسة البناء الذين أنهوا البكالوريوس ويسعون إلى الالتحاق في الدراسات العليا في المجال.

وكانت المنحة بقيمة 130 ألف شيكل قدمها ممثل الشركة نيسيم جيوس، الذي قال: “كون يلمازلار أقدم شركة أجنبية في “إسرائيل”، فهي تشدّد على المشاركة في المجالات الاجتماعية التربوية والرياضية، كما تعتبر الشركة جسرًا صلبًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين”. (8)

معركة مع وزارة الداخلية

بحسب أقوال أحمت، سلطة الهجرة أعلنت أن عمال شركة يلماز لن يحصلوا على تمديد تصاريح المكوث حتى عام 2020، لأنهم مكثوا في “إسرائيل” أكثر من 10 سنوات، “الآن يريدون طردهم كي لا يستقروا، لكن إذا غادروا سأضطر إلى تشغيل عمال غير خبراء بهذا العمل، وأعلم جيّدا ستكون هناك مشاكل وستكون هناك حوادث”.

ويوضح أحمت: “كل هؤلاء العمّال لهم عائلات في تركيا وليس لديهم أي مصلحة بالاستقرار هنا، حتى أننا وافقا على إعطاء “إسرائيل” ضمانات بأن هؤلاء لن يستقروا هنا بعد سنوات العمل، كل المحاولات من طرفنا للتوضيح لن تساعد حاليا، الحديث يدور عن الحاجة إلى تقليل عدد حوادث العمال القتلى، وذلك يشمل أفضل الورشات لدينا”.

من مكتب وزير الداخلية جاء الرد: “رفض طلب الشركة بتمديد التصاريح يستند إلى قانون الدخول إلى “إسرائيل”، وبحسبه كل عامل أجنبي يصل للعمل لفترة محددة، يجب أن يخرج من “إسرائيل” مع انتهاء التصريح الذي منح له، وهذا التصريح لا يمكن تمديده لأكثر من 63 شهرًا منذ دخوله الأول، مع ذلك في حالات خاصة يمكن التمديد لفترة إضافية محددة.

واقترح وزير المالية، موشيه كحلون، إحضار شركات مقاولات أجنبية، مما أثار ضجة لأسباب عدة وهي: انهيار شركات مقاولات شهيرة وعريقة عدة خلال الفترة الماضية في “إسرائيل”، وبسبب تقديرات الخبراء التي ترجح انهيار شركات إضافية مستقبلا إذا لم يتغير الوضع الحالي”.

 على هامش هذا الواقع، عملت شركة يلمازلار على مدار الـ 20 سنة الماضية على بناء مشاريع كبيرة عدّة ومعروفة في المشهد العقاري والبنى التحتية في “إسرائيل”، فهي تملك 15% من القوة الأجنبية العاملة في المجال، إذ يمكن العثور في قائمة مشاريع الشركة على بنايات فخمة في تل أبيب، ومشاريع في بارك تسيمريت، ومشروع ضخم ميدتاون الذين يبنى بمنطقة مناحيم بيغين في تل أبيب، وبرج المراقبة الجديد في مطار بن غريون، ومساكن الطلبة في جامعة تل أبيب، وكذلك قسم جديد ملحق بمستشفى ايخيلوف. (9)

المصادر :

(1)  ذي ماركر : https://bit.ly/2U7oZDh
(2)  جلوبس : https://bit.ly/2KYsV6s
(3)  جلوبس : https://bit.ly/2KYsV6s
(4) ذي ماركر : https://bit.ly/2U7oZDh
(5)  ذي ماركر : https://bit.ly/30DiwlQ
(6) كان : https://bit.ly/2Ln8e39
(7) جلوبس : https://bit.ly/2KYsV6s
(8) ماي-نت/بئر السبع : https://bit.ly/2U4utP7
(9) جلوبس : https://bit.ly/2KYsV6s