مقدمة العساس | مرّت “إسرائيل” بمرحلة مكلفة اقتصاديًا بعد إجراء أكثر من انتخابات للكنيست والسلطات المحلية خلال 2019، وهذا نتيجة اتباعها لنظام التمويل العام للعمل السياسي، الذي تتلقى الأحزاب بموجبه تمويلًا مباشرًا من الدولة للحد من تمويل الأفراد وجماعات الضغط ذات المصالح المختلفة التي قد تتضارب مع مصالح الجمهور، في ضوء ذلك تبرز الأسئلة: ما هو هذا النظام وما هدفه؟ وهل مناعته ضد الفساد مطلقة؟

هذه المادة تتحدث عن نظام تمويل الأحزاب والكتل السياسية في “إسرائيل”، وتوضح أهدافه ومدى قدرته الحقيقية على مواجهة الفساد.

إعداد العساس | أقر الكنيست الإسرائيلي عام 1969 قانون تمويل الانتخابات للمرة الأولى، والذي شهد تعديلات عدة، ليصبح اسمه حاليًا قانون تمويل الكتل الانتخابية. وقد نظّم هذا القانون عملية تمويل الأحزاب السياسية الممثلة في الكنيست، بحيث تتلقى تمويلًا عامًا مباشرًا من الدولة ينقسم إلى جزئين: تمويل مباشر وغير مباشر لخوض انتخابات الكنيست، وتمويل النفقات للكتل التي تدخل الكنيست والذي يبدأ من لحظة إعلان نتائج الانتخابات الجارية وحتى إعلان نتائج الانتخابات التي تليها. (2)

لا تتفرد “إسرائيل” بنظام التمويل العام والمباشر للعمل السياسي والأحزاب البرلمانية، إذ تنتهج الكثير من الدول الغربية ذات الطريقة إما بتمويل الأحزاب خلال الانتخابات، أو بتمويل نفقاتها في البرلمان أو كليها معًا، ويظهر هذا في دول كندا واليابان وتركيا التي توفر دعمًا للكتل الانتخابية خلال الانتخابات وما بعدها أيضًا، بينما الولايات المتحدة وتشيلي وأستراليا توفر دعمًا محدودًا فقط خلال فترة الانتخابات.

وتطوّر هذا القانون على مدار السنوات ليحد من تأثير الأفراد أو الشركات أو المؤسسات على العمل السياسي من خلال شراء الذمم والفساد بما يتعارض مع مصالح الناخبين، لذلك مقابل توفير هذا الدعم العام فإن القانون يحظر بشكل واضح ومحدد سلفًا تلقي أموال تبرعات أو مساهمات من الأفراد والمؤسسات والشركات إذا ما تجاوزت سقفًا معينًا.

إضافة إلى ذلك، يمتد هذا النظام في “إسرائيل” ليشمل السلطات المحلية “البلديات”، وهذا ما تم إدراجه بقانون منفصل “قانون السلطات المحلية – تمويل الانتخابات” الذي ينظم تلقي الكتل الساعية لعضوية المجالس المحلية والبلدية للتمويل العام. (3)

بالعودة الى الكنيست حيث يعتمد تحديد المبالغ التي تتلقاها الكتل على عدة عوامل مختلفة؛ حدد القانون لوزارة المالية الإسرائيلية أساسًا لاحتساب التمويل سمي بـ “وحدة التمويل” حيث تتلقى الكتل والأحزاب هذه الوحدات بالتناسب مع عدد مقاعدها في الكنيست. (4)

يذكر أن الكنيست أقرّ عام 1994 قيمة “وحدة التمويل” الواحدة بـ 866 ألف شيكل، ثم وصلت عام 2019 إلى مبلغ 1.38 مليون شيكل، وارتبطت هذه الزيادة بمؤشر التضخم للمستهلك، إلا أنه في الحقيقة مع احتساب القيمة الثابتة للشيكل عام 2018، نجد أن وحدة التمويل قد تضاءلت بنسبة 21% خلال الـ 25 عامًا الفائتة. (4)

وتتلقى الأحزاب والكتل الانتخابية القائمة والممثلة بالكنيست تمويلها لجولة الانتخابات المقبلة مسبقًا، وتقام المعادلة على “وحدة التمويل” مضروبة بعدد مقاعد الكتلة القائمة في الكنيست الماضي زائد واحد، وإذا جاءت نتيجة الانتخابات بعدد مقاعد مختلف عن الكنيست الماضي يتم احتساب معدل المقاعد بين الجولتين. (4)

 أما الكتلة الجديدة أو الناشئة فلن تتلقى تمويلاً إلا بعد إعلان نتائج الانتخابات، حيث تحتاج إلى الحصول على نسبة (1%) من الأصوات لكي تتلقى أمولًا عامة وهي نسبة مختلفة عن نسبة الحسم للتمثيل في الكنيست والتي تبلغ 3.25%.

ويزيد هذا الأمر من أعباء وتحديات الأحزاب الجديدة للدخول إلى معترك العمل البرلماني، حيث تلجأ عادة هذه الكتل إلى تلقي التبرعات الشخصية بحدود ما يسمح به القانون، وإلى الاقتراض من البنوك لحين انتهاء الانتخابات وإعلان نتائجها. (4)

رغم ذلك، لا تخلو هذه الحسابات من بعض المفاجآت، فمثلا بعد سقوط كتلة اليمين الجديد المفاجئ في انتخابات أبريل/نيسان 2019، صارت الكتلة مطالبة بسداد 1.5 مليون شيكل لوزارة المالية بعد أن كانت تلقتها مسبقًا قبل الانتخابات باعتبارها كتلة ممثلة بالكنيست السابق، إلا أن سقوطها غيّر من موقفها المالي أمام الكنيست. (5)

وتشير الأرقام المعلنة عن إنفاق الكتل والأحزاب السياسية إلى مؤشرات مهمة عدة، إذ بلغ معدل الإنفاق للصوت الواحد في انتخابات عام 2015 (61 شيكل)، بينما حلت حركة شاس “اليهود الحريديم المتدينين” في المركز الأول من حيث الإنفاق للصوت الواحد بـ (102.7) شيكل، كما أن حزب الليكود دائمًا ما يحتل مراكز متقدمة في كفاءة الإنفاق المالي على آليته الانتخابية مقارنة بكل الأحزاب الكبيرة الأخرى. (4)

مع هذا، تنفق الأحزاب 42.5% من موازناتها الانتخابية على نفقاتها الجارية التي تتكون بشكل رئيسي من أجور موظفي الحملات الانتخابية، أما في مجال الدعاية الانتخابية تحتل وسائل التواصل الاجتماعي النسبة الأكبر من الإنفاق الدعائي بنسبة 27%، وهو ما يشير إلى تحول متراكم منذ سنوات تجاه استخدام الفضاء الرقمي كوسيلة رئيسية للتخاطب مع الجمهور. (4)

كما أن استعراض ما تتلقاه الأحزاب من تمويل وما تنفقه في حملاتها ونشاطاتها يُنشئ “ميزانًا ماليًا” في شكل عجز أو فائض لدى كل كتلة وحزب سياسي، وهنا ينبغي الإدراك أن الفائض في هذا الميزان (أي أن الحزب يتلقى أموالًا أكثر مما صرف) ينبغي إرجاعه إلى حسابات وزارة المالية بإشراف رئيس الكنيست ومراقب الدولة، أمّا العجز فهو مسؤولية تقع على كاهل الحزب.

وفي جولات الانتخابات ما بين عامي 2015 و2019 سجل هذا الميزان لمجموع الكتل فائضًا كليًا بعد احتساب مدفوعات انتخابات الكنيست والمصاريف الجارية للأحزاب وانتخابات السلطات المحلية قدرته وزارة المالية بـ 99 مليون شيكل، وفي ذلك مؤشر أن التمويل الحالي بصورته العامة يوفر إيرادات كافية للأحزاب والكتل السياسية تجعلها بمنأى عن تلقي تبرعات فردية أو مؤسساتية بحجم كبير، وهو ما تجلى في اعتماد شبه مطلق على التمويل العام بحسب إحصاءات 2015، حيث شكل ما نسبته 98% من مجمل التدفقات النقدية للأحزاب والكتل الانتخابية (183 مليون شيكل مما مجموعه 188 مليون شيكل). (4)

مع ذلك تبقى بعض النماذج الماثلة على أحزاب سياسية تعاني من أزمة إنفاق مزمنة تتجاوز إيراداتها، مثلًا تجاوز إنفاق حزب “يهدوت هتوراة” (حريديم متدينين ) إيراداته بـ 3.2 مليون شيكل في الفترة بين 2013-2017. (4)

يذكر أن القانون يحظر على الأحزاب والكتل السياسية تلقي أموال وتبرعات من الخارج، في حين يسمح للكتلة أو الحزب القائم بتلقي تبرعات شخصية من داخل “إسرائيل” تصل إلى 2,300 شيكل للفرد الواحد (مع أفراد عائلته) في سنة الانتخابات، كما يُسمح للكتلة الناشئة الجديدة بتلقي تبرعات شخصية تصل إلى 11,500 شيكل.

هذا السقف للتبرعات الشخصية تم فرضه في تعديل قانون تمويل الكتل والأحزاب عام 1994، وتم تخفيض سقفه السابق الذي بلغ 54,500 شيكل، ومن الملاحظ أن القانون يخفض مقدار التبرعات الشخصية المقبولة بعد الانتخابات خلال السنوات العادية من ولاية الكنيست.

كما أنه من المعلوم قيام معظم الأحزاب الإسرائيلية بإجراء انتخابات داخلية مسبقة “برايمريز” لتحديد أولوية المترشحين على قوائمها، وقد تناول القانون هذه الانتخابات وتطرق كذلك إلى تمويلها، فرفع سقف التبرعات الفردية المسموح بقبولها إلى 11,380 شيكل، وارتفعت أكثر في الكتل التي يبلغ عدد أعضائها المسجلين من أصحاب حق الاقتراع أكثر من 50 ألف عضو، ويتنافس أعضاؤها على المركز الأول كرئيس للقائمة ومرشح لرئاسة الحكومة حيث بلغت القيمة حسب آخر تعديل 45,470 شيكل .

بالإضافة إلى ذلك، يتبقى مصدر دعم عام غير مباشر للكتل والأحزاب السياسية، يتمثل بتوفير وقت بث تلفزي وإذاعي مجاني يوزع بالتساوي على جميع الكتل، إذ تقوم لجنة الانتخابات المركزية بتوفير ما مجموعه 7 دقائق على محطات التلفاز و15 دقيقة على الإذاعة لكل كتلة انتخابية، ويتم دعم الكتل الجديدة الناشئة بدقيقتين إضافيتين على التلفاز، وأربع دقائق على الإذاعة ليتمكنوا من توضيح رسالتهم وبرنامجهم “الجديد” بصورة أفضل للجمهور. وقد بلغ مجموع هذه الدقائق في انتخابات إبريل/نيسان 2019، 548 دقيقة بث تلفزي و1140 دقيقة بث إذاعي. (4)

إلا أنه في عام 2015، شكل الرئيس الإسرائيلي ورئيس لجنة الانتخابات المركزية “اللجنة العامة لفحص وسائل الدعاية الانتخابية “، التي أوصت عام 2017 بإجراء تغييرات في شكل الدعاية الانتخابية والتواصل مع الجمهور بما فيها السماح للكتل والأحزاب الانتخابية بشراء وقت البث مباشرة من قنوات التلفاز ومحطات الإذاعة. (4)

وتوجد قوانين متعددة تتحكم بالدعم غير المباشر مثل القانون المعروف بـ (V15) الصادر خلال فترة ولاية الكنيست الـ 20 عام 2015، وقد نظم تداخل التجمعات “غير الحزبية” في العملية الانتخابية والتي بالعادة توفر دعمًا لوجستيًا، إذ يجب على كل مجموعة تسجيل نفسها لدى مراقب الدولة من أجل القيام بأنشطتها خلال الفترة الانتخابية وبذلك يجب عليها الخضوع لنفس البيئة القانونية التي تحكم العمل السياسي والحزبي.

هذا القانون الذي تمت صياغته من الأغلبية اليمينية بالكنيست يهدف إلى الحد من تدخل جمعيات المجتمع المدني في التوجهات الانتخابية، فقد تقدم الليكود في انتخابات سبتمبر 2019 بشكوى ضد منظمة “ززيم” (بالعربية: نتحرك) ومضمونها عدم تسجيل “ززيم” لنفسها لدى مراقب الدولة بعد أن حاولت تنظيم حافلات مسيرة من تجمعات بدو النقب إلى مراكزهم الانتخابية تهدف إلى تمكين حوالي 15 ألف بدوي من التصويت، وقد قبل القاضي “حنان ملتزر-رئيس اللجنة المركزية للانتخابات” مضمون الشكوى وأصدر أمرًا بمنع هذه الحافلات من نقل الناخبين طالما لم تُسجل المنظمة لدى مراقب الدولة. (6)

وبالانتقال من التكاليف المباشرة التي يوفرها التمويل العام للانتخابات، يُشكل يوم الانتخابات، الذي تم اعتباره يوم عطلة رسمية في “إسرائيل”، عبئًا باهظًا على كاهل الاقتصاد أيضًا من حيث الأجور المدفوعة وتعطل الإنتاج  ودفع الأجور المضاعفة لمن سيعملون يوم الانتخابات، وتشير التقديرات إلى أن ما سبق يتكلف ما بين 2-2.5 مليار شيكل. (1)

ولا تعتبر البيئة القانونية للانتخابات والعمل السياسي في “إسرائيل” ضمانة ضد الفساد وشراء التأثير، بل بالحقيقة هناك دلائل عكس ذلك حاضرة جدًا في الوضع الراهن، إذ تتعلق إحدى تهم بنيامين نتانياهو والمعروفة بالملف 2000 بالفساد الانتخابي مباشرة عبر شراء الذمم والنفوذ السياسي لنيل تغطية إيجابية من صحيفة يديعوت أحرونوت.

كما أن المعركة الانتخابية ليست رهنًا بجمع الأموال من أفراد فقط، بل تتعداها لنيل مختلف أشكال التغطية الإعلامية المنحازة أو اكتساب الامتيازات المختلفة، فقد أشارت دراسات متعددة إلى أن حصر تمويل الأحزاب بالتمويل العام ليس ضمانة ضد الفساد، حيث تنشئ القيود المفروضة على التمويل الفردي فسادًا من نوع آخر وبشكل آخر. (7)

المصادر:

(1)   جلوبس: https://bit.ly/2ncRXWa
(2)   قانون تمويل الكتل الانتخابية- 1973.
(3)   المعهد الإسرائيلي للديمقراطية: https://bit.ly/2LKoM6d
(4)   مركز الاستقصاء و المعلومات التابع للكنيست.
(5) يديعوت أحرونوت: https://bit.ly/2OnpYOL
(6) ماكو: https://bit.ly/3595JtZ
(7) واللا: https://bit.ly/2AIQCts

View this post on Instagram

مرّت “إسرائيل” بمرحلة مكلفة اقتصاديًا بعد إجراء أكثر من انتخابات للكنيست والسلطات المحلية خلال 2019، وهذا نتيجة اتباعها لنظام التمويل العام للعمل السياسي، الذي تتلقى الأحزاب بموجبه تمويلًا مباشرًا من الدولة للحد من تمويل الأفراد وجماعات الضغط ذات المصالح المختلفة التي قد تتضارب مع مصالح الجمهور، في ضوء ذلك تبرز الأسئلة: ما هو هذا النظام وما هدفه؟ وهل مناعته ضد الفساد مطلقة؟ • • #الاحتلال_الإسرائيلي #الكنيست #الانتخابات_الإسرائيلية #ترجمات_عبرية #العسّاس

A post shared by العسّاس (@alassasnet) on