مقدّمة العسّاس |

دخلت “إسرائيل” المشهد السياسي والعسكري في جنوب السودان منذ أكثر من 50 عامًا، إذ وفرت التدريب والسلاح للميلشيات الجنوبية، ثم التقى وزير الأمن الإسرائيلي حينها شارون بالرئيس السوداني الأسبق، النميري، واتفقا من حيث المبدأ على تسهيل نقل الآلاف من اليهود الإثيوبيين، مقابل تعويضات ومساعدات عسكرية.

هذه المادة توضح التدخل الإسرائيلي في السودان منذ فترة السبعينات، وتكشف مدى تأثيرها على السودان حتى هذه اللحظة.

إعداد العسّاس | 

خلفية تاريخية

تشكلت هُوية السودان الحديث وأراضيها خلال الاحتلال التركي المصري (1885-1821) في الفترة المهدية (1881-1889)، والحكم الاستعماري الإنجليزي المصري (1889-1956)، وكان التكوين العرقي في الأقاليم الثلاثة التي شكلت الدولة السودانية متنوعًا، حيث تمركز العرب المسلمون الذين يشكلون النخبة فيها شمالي البلاد، وغالبية الأفارقة الذين اعتنقوا الإسلام خلال القرون الثلاثة الماضية تواجدوا في المنطقة الغربية، أمّا سكان المنطقة الجنوبية من البلاد فهم من الأفارقة المسيحيين. (1)

نال السودان العربي الاستقلال في عام 1955، بعد ذلك بوقت قصير، أدّت الاختلافات الدينية والعرقية، بالإضافة إلى الانقسامات القبلية، إلى اندلاع حرب أهلية بين الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي. (1) فقد بدأت الطبقة الحاكمة العربية الإسلامية في الشمال بعملية “أسلمة إجبارية” شملت مجازر بحق المدنيين المسيحيين والوثنيين، كعمليات الاغتصاب وحرق وإتلاف المحاصيل. (2)

استمرت الحرب الأهلية الأولى من عام 1955 حتى عام 1972، واستؤنفت بعد هدنة من عام 1983 حتى توقيع اتفاقية السلام في عام 2005. وقد أودت الحرب على مدار السنوات بحياة حوالي مليوني شخص وجرح أكثر من ثلاثة ملايين، كما حوّلت أكثر من أربعة ملايين شخص إلى لاجئين. (1)

على هذه الخلفية، أسس سكان الجنوب خلال الحرب الأهلية السودانية الأولى (1955-1972)، الذين ينقسمون إلى قبائل متنافسة، حركة التمرد “الأنيانيا”، التي ترأّسها القائد العسكري لاغو، وهو ضابط انشق عن الجيش السوداني. وبعد سنوات قليلة، تلاشت الثورة لأسباب عدّة، منها: انعدام الوحدة، وقلة السلاح والمعرفة العسكرية، والمجاعة، والهجمات “الوحشية” من قبل الجيش السوداني. (2)

طلب المساعدة من الحكومة الإسرائيلية

لقد شكلت النخبة السودانية الحاكمة منذ فترة المهدية هوية عربية إسلامية سياستها شرق أوسطية وليست أفريقية، وبالتالي حُدّدت “إسرائيل” كدولة معادية. في المقابل، رأى سكان جنوب السودان أن “إسرائيل” شريكة لمصيرهم. فبالنسبة لهم، يجب على المجتمعين المحاطين بسكان عرب-مسلمين الذين يهددون بالقضاء عليهم، أن يناضلوا من أجل بقائهم. (1)

“نحن الجنوبيون مثلكم أيها اليهود، أنتم أيضًا تعرضتم للاضطهاد لسنوات. أنتم، الإسرائيليون وحدكم، قادرون على مساعدتنا. لدينا عدو مشترك ويمكنكم أن تفهموننا أكثر من أي شخص آخر” -لاغو. (3)

على هذا الأساس، توجه قائد ميليشيا الأنيانيا، جوزيف لاغو، إلى السفارة الإسرائيلية في نيروبي عام 1969؛ سعياً وراء مساعدتهم العسكرية. وبعد موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي، انطلق أعضاء الموساد دافيد بن عوزئيل الملقب بـ “طرزان” أو “الجنرال جون”، وإيلي كوهين وتشارلي تالمو مع العديد من المرافقين الآخرين إلى جنوب السودان. (3)

كان لأعضاء الموساد ثلاث مهمات رئيسية: المهمة الأولى هي إعداد مهبط للطائرات الصغيرة، والاستعداد لتلقّي المعدات العسكرية بالمظلات (بما في ذلك البنادق والمدافع الرشاشة والقنابل اليدوية والقنابل الدخانية والألغام والبازوكا والقنابل والزي الرسمي، التي تم أخذ معظمها كغنائم من مصر وسوريا في حرب 1967)، والاستعداد لتلقّي الطعام (بما في ذلك الحليب المجفف للأطفال) والأدوية والمعدات الطبية (بما في ذلك المضادات الحيوية واللقاحات ضد الجدري ومضادات التيتانوس). المهمة الثانية، تدريب المسعفين المحليين، وإنشاء مستشفى في المنطقة وتعليم السكان المحليين على استخدام المعدات الطبية والأدوية واللقاحات. في حين كانت المهمة الثالثة هي تدريب المقاتلين على استخدام الأجهزة اللاسلكية وتزويدهم بها. (3)

على هذا الأساس، قام الموساد بتدريب ميليشيا الأنيانيا بوحدات قتالية صغيرة وتفعيلها في حرب عصابات ضد الجيش السوداني. وقد عالج الأطباء جرحى المعارك وقاموا بتطعيم المدنيين في القرى التي كانت بمثابة جبهة داخلية للمقاتلين. أمّا بالنسبة للأسلحة، قام الموساد وسلاح الجو الإسرائيلي بتزودهم بأطنان من – البنادق والمدافع الرشاشة والألغام والبازوكا ومدافع الهاون والذخيرة. (2)

مصلحة “إسرائيل” من مساعدة الانفصاليين

افتُتح الكتاب “حول مهمة الموساد في جنوب السودان، 1969-1971، سجل العمليات” بكلمات رئيس الموساد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تسفي زامير، الذي قدم ثلاثة أسباب وراء مساعدة “إسرائيل” لجنوب السودان، وهي:

أولاً: هدفت المساعدة تعزيز “الدائرة الثانية” التي بنتها “إسرائيل” حول الدول العربية، والتي ضمت بعد ذلك تركيا وإيران وإثيوبيا وكينيا، بالإضافة إلى أقلّيات اثنية أخرى، كالأكراد في العراق، والمسحيين في لبنان، والمسحيين في السودان. كان الهدف من “الدائرة الثانية” -كما كتب بن غوريون إلى أيزنهاور- هو إجراء اتصالات مع مجموعة من الدول، التي يمكنها بالمساعدة المتبادلة والجهود المشتركة، مقاومة انتشار الاتحاد السوفيتي عن طريق عبد الناصر.

ثانيًا: أرادت “إسرائيل” منع اندماج القوات السودانية في الجيش المصري، الذي كان يخوض في تلك الأيام “حرب الاستنزاف” مع “إسرائيل”، عن طريق حصرها في الجنوب.

ثالثًا: وكان هذا دافعًا “مهمًا بشكل خاص” لـ “إسرائيل”، وهو المساعدة الإنسانية للمدنيين الذين يئنون تحت وطأة الإرهاب الإسلامي العنيف والقاسي. (3)

بالإضافة الى ذلك، لا يمكن تجاهل المصالح الإستراتيجية لـ “إسرائيل” في منطقة البحر الأحمر، وخاصة في إنشاء “ممر” صديق إلى القارة الأفريقية مرورًا بالدول ذات الأغلبية المسيحية، وتشمل هذه البلدان: إثيوبيا وكينيا وتنزانيا وأوغندا، وجنوب السودان الآن. إضافةً لذلك، فإن جنوب السودان غنيٌّ بالموارد الطبيعية (المياه والتربة الجيدة والنفط واليورانيوم والمعادن الأخرى) التي تجذب رجال الأعمال الإسرائيليين. (1)

الاستقلال

في عام 1971، بدأت محادثات السلام بين الشماليين والجنوبيين. إذ وافقت “الانيانيا” التي تحولت فيما بعد إلى جيش قوي على وقف إطلاق النار، وتم التوصل إلى اتّفاق يمنح الجنوب حكماً ذاتياً محدوداً. بعد الاتفاق، ومع استئناف الحرب الأهلية في البلاد، لم تعد “إسرائيل” منخرطة فيما كان يحدث في المنطقة.

وعندما حصل جنوب السودان على استقلاله في عام 2011، تذكر رئيس جنوب السودان سلافا كير ميرديت، الذي كان مقاتلاً في الانيانيا، المساعدة الإسرائيلية التي قُدّمت لشعبه قبل عقود، وتمّت دعوة “طرزان” إلى العاصمة جوبا لتكريمه. “نقف هنا اليوم لنشكرك على مساعدة دولة “إسرائيل” وعلى مساعدتك الشخصية” – ميرديت.

وتم منحه جواز سفر دبلوماسيّ، كما أنه عُيّن ممثلاً خاصًا لـ “إسرائيل” في السودان. (2)

المصادر:

(1) “هزيرا”: https://bit.ly/3hLWe9p
(2) “معاريف”: https://bit.ly/2RFxyEK
(3) “ميديا”: https://bit.ly/3kvUlPL