مقدّمة العسّاس |

لم تدخر “إسرائيل” جهدًا لتهجير الفلسطينيين الذين تعتبرهم منذ احتلالها لأرض فلسطين خلال النكبة خطرًا ديمغرافيًا، وواصلت هذه الجهود بعد احتلالها كل فلسطين التاريخية نكسة حزيران عام 1967، ووضعت الخطط المختلفة لتهجيرهم إلى بلدان أخرى، سواء قريبة أو بعيدة، عربية أم غير عربية، من أجل فرض سيطرة يهودية كاملة، حتى على الصعيد الديموغرافي.

نستعرض في هذه المادة إحدى هذه المخططات التي باء بالفشل، حين أشرف عليها الموساد بموافقة من المستوى السياسي، لنقل 60 ألف فلسطيني إلى دولة باراغواي في أميركا الجنوبية، مقابل ملايين الدولارات والتنازل عن تسليم أحد النازيين المطلوبين لدى “إسرائيل”.

إعداد العسّاس | 

خطط التهجير

كشفت هيئة البث الإسرائيلي (كان) أحد بروتوكولات جلسات “كابينت المناطق”، وهو عبارة عن لجنة مكونة من مسؤولين سياسيين رفيعين ومندوبين عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لتولي شؤون المناطق التي احتلتها “إسرائيل” عام 1967، ورأت فيها خطرًا ديموغرافيًا على دولة اليهود ووضعت أكثر من خطة لتهجير أهلها إلى أماكن أخرى.

ومن بين تلك الخطط كانت تهجير 50 ألف فلسطيني إلى بلدة تقام خصيصًا لهم في منطقة العريش بشمال سيناء وتهجير 60 ألف إلى دولة باراغواي في أميركا الجنوبية.

وضعت خطة باراغواي في عهد رئيس الحكومة ليفي أشكول، ولم تكن الوحيدة، فقد كانت هناك خطة لنقل الفلسطينيين من غزة إلى الضفة الغربية، وكذلك بحث هذا الكابينيت إمكانية السماح ببناء مصانع للفلسطينيين في حال تم البت في مسألة عمل الفلسطينيين في “إسرائيل”.

كما تضمن ذلك ضرورة عدم منافسة هذه المصانع للمصانع الإسرائيلية، الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك، هو عدم تعلّق “إسرائيل” بالعامل الفلسطيني.

وخشيت “إسرائيل” الخطر الديمغرافي من قطاع غزة بالذات، الذي كان يسكنه في حينه نحو نصف مليون فلسطيني، في حين كانت الحديث يدور عن تهجير 50 ألف إلى بلدة في منطقة العريش، وتم عقد صفقة أخرى، بموجبها يتم تهجير 60 ألف فلسطيني من القطاع إلى باراغواي.

 خلال اجتماع الكابينيت الذي يناقش خطة التهجير السرية، المنعقد في أيار 1969، جرى الحديث عن الصفقة التي دبرها مدير الموساد في حينه، تسفي زامير، مع السلطات في باراغواي، وحضر الاجتماع كل من زامير ورئيسة الحكومة في حينه، غولدا مائير ونائبها يغآل ألون والوزير يسرائيل برازيلاي من حزب “مبام”.

وافتتحت مائير الاجتماع قائلة: “بالتأكيد تذكرون النقاش الذي خضناه سابقًا حول هجرة العرب للبرازيل، ووكلنا زامير بإرسال شخص ما لتولي الأمور وفحص ما يمكن فعله، واليوم سيعرض لنا زامير المستجدات، ونحن بحاجة لاتخاذ قرار حاسم، ويجب أن يكون القرار بالإجماع”.

وعرض زامير الخطة الجديد قائلًا: “الاقتراح الحالي هو موافقة حكومة باراغواي استيعاب 60 ألف عربي مسلم لا يعرفون أنفسهم كشيوعيين خلال مدة لا تقل عن 4 سنوات، وفي حال تمكنت من استيعاب أكثر منذ ذلك فلا مانع، مقابل أن توفي “إسرائيل” بعض الشروط”.

وأضاف “هذا الاقتراح موقع من قبل سلطة الهجرة في براغواي وتم الاتفاق عليه بين مندوب إسرائيلي وقنصل باراغواي في الأرجنتين، إذ تطالب حكومة براغواي أن نتحمل كل النفقات المترتبة على نقل المهاجرين لباراجواي بالطريقة التي نراها مناسبة، المشكلة التي تستوجب منا قرارًا هي ليست الـ 350 ألف دولار، بل يجب اتخاذ قرار حول الخطة التي ستكلّف بالمحصلة 20-30 مليون دولار لعدة سنوات، وتوفر لنا حلًا جزئيًا للمشكلة، خاصة أن الحديث عن 60 ألف شخص، ليست هذه بالخطة البسيطة، لكنها ذات ثقل ميداني وميزة كبيرة.

وقال “أوصي بالاستناد إلى التفاهمات مع حكومة باراغواي، بالمضي قدمًا واعتبارها خطة أولية وفق الظروف الحالية، نتعاون معهم من خلال علاقاتنا هناك، لقد أثبتوا نجاعتهم خلال صفقة سابقة حول جوازات سفر لا أريد الخوض في تفاصيلها. مندوبنا هناك قابل الرئيس، الذي يتطرق إلى الجانب المتعلق بالمال وصادق على الجانب المتعلق بالهجرة، لدينا انطباع أنه في حال استمرار هذا النظام في باراغواي، القائم منذ نحو 20 عامًا، سيتم إنجاز هذه الخطة”.

من الجدير بالذكر أن رئيس باراغواي، ألفريدو ستروسنر، كان دكتاتورًا حكم باراغواي بالحديد والنار وقتل خلال آلاف المعارضين له وحظي بدعم سخي من الولايات المتحدة وأقام علاقات وثيقة مع “إسرائيل”.

التفاصيل:

مائير: هل علينا دفع هذه الـ 350 ألف دولار في الحال؟

زامير: مع توقيع الاتفاق

مائير: كم شخصًا يغطي هذا المبلغ؟

زامير: الـ 10 آلاف الأوائل

مائير: ماذا سيحدث في حال نجحنا مع الـ 10 آلاف الأوائل ولكن بعد ذلك لم نتمكن من إيجاد المزيد من المهاجرين، هل سنخسر أي شيء؟

زامير: لن يكون علينا فعل أي شيء، حاولنا التوصل إلى اتفاقات سياسية، يحتمل أن نتوصل إلى اتفاق حول طائرات أو ما شابه، نعتقد أن التكلفة ستكون بين 550 و600 دولار للشخص، تشمل مصروفات الطريق والـ 33 دولارًا التي علينا دفعها لحكومة باراغواي.

وأضاف “لدينا أساس للاعتقاد أنه يمكننا الاتفاق مع شركة طيران “واريغ” عند توقيع الاتفاق مع باراغواي، لم نتطرق للتفاصيل الدقيقة لأن الاتفاق لم يوقع بعد، أعتقد أن مبلغ 550 دولار واقعي جدًا وهو السعر الأقصى، يمكنهم هناك ملائمة أنفسهم لاستقبال 60 ألف شخص خلال 4 سنوات، وهذا عدد ليس بالقليل”.

الخوف من الفضيحة

وكان أحد الأسئلة التي طرحت على زامير: كيف سنتمكن من التستر على هذه المبادرة، وماذا سنفعل في حال فضح الخطة؟

أجاب زامير: “ربما سيكون من المجدي انكشاف الخطة، في حال لم يتم استيعاب مجموعة معينة، سنعيدها من أجل أن لا تتوقف الهجرة، لكن هذا غير مذكور في الاتفاق، لم نثر نحن مثل هذه المشكلة، وربما يتوجب علينا نقاش إمكانية إعادتهم في حال فضح الخطة، كي نتفادى وضع يمنع مهاجرين آخرين من السفر إلى هناك، لكن الاتفاق لا ينص على ذلك”.

وبيّن “في حال طاب لهم العيش هناك وكان لديهم المال الكافي للعودة، من الطبيعي أن يبقوا هناك، وفي حال كان وضعهم سيئًا لن تسمح لهم حكومة براغواي بالعودة ولن تمنحنا 100 ألف دولار لنسترجعهم”.

بينما قالت غولدا مائير: “لا أعتقد أن أحد الحاضرين يعترض على ذلك”.

بعد ذلك وافقت اللجنة على أن تمول “إسرائيل” كل مصاريف السفر ودفع 100 دولار لكل شخص لمصاريف المعيشة في البداية ودفع 33 دولارًا لحكومة باراجواي عن كل شخص ودفع 350 ألف دولار مع توقيع الاتفاق عن 10 آلاف شخص كدفعة أولية.

تنازل عن اعتقال النازيين

وأثار التعاون مع براغواي إشكاليات أخلاقية أخرى بالنسبة لـ “إسرائيل”، كونها باتت بعد الحرب العالمية الثانية ملاذًا للنازيين الذين طاردتهم “إسرائيل”، ومن بينهم الطبيب النازي يوزيف منغلي، الذي كان طبيبًا في أحد معسكرات الموت النازية.

وأثارت تصريحات سفير “إسرائيل” لدى باراغواي، بنيامين فارون، خلال مقابلة عقدها مع التلفزيون الألماني في الثمانينيات، الكثير من الشكوك حول تخلي “إسرائيل” عن “صيد” منغلي مقابل هذه الصفقة، إذ أشار إلى إلغاء عملية عسكرية اعتقال منغلي، وأكد على أنه في كل مرة توجه للسلطات الإسرائيلية حول مجرمين نازيين في باراغواي، قيل له أن وظيفته ديبلوماسي وليس “صياد نازيين”، وهنا يطرح السؤال: هل امتنعت “إسرائيل” عن ملاحقة النازيين مقابل خطة الهجرة؟ وبقي السؤال مفتوحًا.

الفشل

لم تنجح الخطة كما ظن المسؤولون الإسرائيليون، بل على العكس، انتهت بمأساة، من بين الـ 60 ألفًا الذين أرادت “إسرائيل” تهجيرهم، هاجر 30 فقط، وبحسب الشهادات، وجدوا أنفسهم بعد وقت قصير بلا مال ولا وثائق سفر، عاد اثنان منهم إلى العاصمة أسونسيون مسلحين بمسدس ودخلوا السفارة الإسرائيلية للمطالبة بالمال الذي وعدوهم به قبل السفر، وقتلوا موظفة في السفارة وأصيب امرأة أخرى.

في البداية اتهمت “إسرائيل” منظمة التحرير بالعملية التي أنكرت بدورها أي صلة، وفي وقت لاحق كشف الإسرائيليون النقاب عن الجريمة وعن سبب إطلاق النار، ولم تطلب السلطات الإسرائيلية تسليم منفذي عملية القتل الذين حكم عليهم بـ 8 سنوات سجن. (1)

المصادر:

(1) “كـان”: https://bit.ly/329Cx5B