مقدمة العساس | يتساءل خبراء إسرائيليون عن سلاح المجتمع العربي في الداخل المحتل، وعن إمكانية بقائه بيد العصابات، وهل يمكن أن ينتقل ويتم تطويعه في عمليات أمنية مستقبلية. يبدو أن هذه التساؤلات لا تقدم الإجابات بقدر ما هي تطرح أسئلة أخرى عالقة منذ الانتفاضة الثانية، والتي تتعلق بالفصل بين الجوانب الجنائية والأمنية لقضية ما، وسط عدم الوضوح في صلاحيات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بهذا الشأن.

هذا المقال المترجم يتحدث عن آثار الفرق الذي وضعته السلطات الإسرائيلية بين الجرائم الجنائية والعمليات الفدائية، وما ترتب عليه من نتائج أثرت بشكل كبير على الحالة الأمنية داخل الأراضي المحتلة.


ترجمة العساس | السلاح الذي تجاهله الشباك

في عام 2000، ضبطت الشرطة الإسرائيلية أسلحة “كارلو” بيد عرب فلسطينيين من المجتمع العربي في الداخل، إذ كانت بكميات قليلة تستخدم غالبًا في الدفاع عن النفس وإطلاق النار في حفلات الزفاف، إلا أنه على مر السنين وتحت تأثير الزيادة في أسعار الأسلحة التقليدية تم تطوير هذا السلاح وأصبح شائعًا بشكل متزايد.

في ضوء العمليات الفدائية الأخيرة التي تم تنفيذها بالسلاح الناري، تبين أن منفذيها لا تربطهم أي علاقة سوى قطعة سلاح درجت تسميتها بـ “الكارلو”، وهو السلاح المشترك بين جميع العمليات.

واستخدمت قوات الأمن الإسرائيلية سلاح الكارلو، سويدي الصنع، بشكل أساسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم تم تقليده وبيعه بأسعار رخيصة وهو في متناول الجميع، ورغم استخدامه بتنفيذ العمليات و”العالم الإجرامي”، لم تُتخذ أي إجراءات لوقف إنتاجه واستخدامه.

وفي الوقت الحالي، يمكن لأي شخص تقريبًا شراء سلاح فتاك بسعر يبدأ من 3000 شيكل، ويتم ضبطه وفقًا لجودته. (سعر الكلاشينكوف وتابور في السوق السوداء يتراوح بين 60 شيكل ألف و80 ألف شيكل، بينما يمكن أن يصل سعر كارلو بجودة عالية إلى 17000 شيكل).

قبل ذلك، وتحديدًا في عام 2012، تبيّن للشرطة الإسرائيلية خلال التنصت على أفراد “الجريمة المنظمة” في مدينة اللد، أن هناك تجارة ترتبط مع مخرطة تصنّع وتبيع الأسلحة في حوارة قرب نابلس، وحين طلبت الشرطة مساعدة الشاباك والاستخبارات في التحرّي حول الموضع، رفض الشاباك التدخّل بحجة أن هذا جانب جنائي لا يخصّه، وما كان من الشرطة والجيش الإسرائيلي إلا التدخل وإيقاف العمل بالمخرطة، لكنهم لم يتمكنوا من معرفة حجم الإنتاج.

أمّا في الوقت الحالي، يبدو أن صناعة الكارلو تجذرت، ومن غير المرجح القضاء عليها قريبا، في ظل أن المخرطة في حوارة تعتبر واحدة من بين المخارط التي تمّ تشغيلها في منطقة نابلس والخليل، وعلى خلاف الكارلو غوستاف النموذج الأولي لتصنيع الكارلو، يعتمد النموذج الحالي على المخارط، ويمكن أيضًا إنتاج قطعه بشكل فردي خارج المخارط. (1)

للتذكير: في أكتوبر 2000 ليس فقط انتفض الفلسطينيون  بالضفة بل في الداخل أيضا

في أحداث أكتوبر 2000 انتفض الفلسطينيون داخل الخطّ الأخضر رفقة الفلسطينيين في الضفة الغربية، ورغم مرور 19 عامًا على ذلك، تبقى الذاكرة خصبة بصور ثورة شهداء الداخل، مع بقاء شعور الخوف والخطر لدى الإسرائيليين الذين كانوا يسافرون على الشوارع الرئيسية، وسط أجواء ثورة الشبان العرب وهتافاتهم بأن حرب التحرير لم تتوقف بعد.

بسبب ذلك، يحذر الخبير يحزكلي (كاتب المقال) كل من يعتقد أن هذه الهبات قد انتهت ولن تعود، بأن “منظمات الجريمة العربية” في الداخل تعيش في أخوة وشراكة مع منظمات الجريمة اليهودية، إلا أن هذا لا يجعلها بمثابة “أحباء صهيون” ومبشرين في المصالحة الفلسطينية الإسرائيلية.

وهنا تبرز الأسئلة، ماذا ستفعل منظمات “الجريمة العربية” عندما تشتعل بها النار ويرتفع الأدرينالين في المجتمع العربي؟ إلى أين ستوجّه وحدات التصفية؟ هل ستكون على أعدائها المنافسين لها في المثلث وشمال تل أبيب ويافا وبات يام؟

بنفس الوقت، ما هو الفرق بين تفجير سيارة في شارع “أيالون” داخل تل أبيب، وبين تفجير حافلة ركاب، سواء بالشوارع الداخلية في المدن أو حتى على شارع 6 (أوتستراد)؟

في هذا الصعيد، يوجد لدى صناع القرار في الأجهزة الأمنية قاعدة مهمة وهي: “لا تختار البديل عندما لا تكون قادرًا على تحمّل تبعات فشله، والتسليم بوجود قوة عربية ناشئة في الداخل، التي تعرف تمامًا نقاط ضعف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، هي حالة لا يمكن لدولة تريد الحياة أن تقبل بوجودها.

الخوف المبرّر من وجود مراكز للشرطة الإسرائيلية في البلدات العربية في الداخل:

في يونيو/حزيران 2010، قدّم العميد نيسم ليفي ورقة بحثية في كلية الأمن القومي في الجيش، ذكر فيها محاسن فكرة إقامة مراكز للشرطة في البلدات العربية، لكنه نوّه إلى خطر إنشاء قوة عربية مسلحة ذات أهداف وطنية تتضارب مع النظام “الإسرائيلي”.

ويبدو أن الخطر الذي وصفه ليفي ليس بالكبير أمام ما يمكن مواجهته في الواقع من ميليشيات مسلحة قوية لا تعرف القيود، سيما عندما تكون لديها جرأة كبيرة في مواجهة قوات الأمن، وتعرف بالضبط نقاط ضعفها.

الشاباك والجريمة المنظمة:

في نهاية القرن المنصرم وبداية الألفية الجديدة، حاولت أجهزة الأمن العام (الشاباك)، أن تحتكر لنفسها محاربة الجريمة المنظمة، ولأن شوارع المدن الكبيرة كانت تعجّ بالموادّ المتفجرة والباصات المفخخة، حصل قادة هذه الأجهزة على مناصب وميزانيات كبيرة.

لكن مع صعود إيهود باراك إلى الحكم بتوجهٍ ينادي للسلام، بدأت عملية نقل الصلاحية عن الجريمة المنظمة المستقبلية، من الشاباك إلى الشرطة أو إلى سلطة فدرالية أخرى تعمل على محاربة الجريمة، وهذا كان قرارًا لا حاجة له مع انهيار اتفاقية السلام. (2)

التضارب والتقارب بين الأمني والجنائي:

عطفًا على ما سبق، حاول محللون مختلفون في فترة ما الفصل بين الجريمة “الجنائية” والجريمة “الأمنية”، وهذا ما يظهر في كتاب “الحاجة للفصل” لمؤلفه دان شيفتان في عام 1999، الذي أكد على مفهوم “الجرائم الفلسطينية في إسرائيل” من ناحية الخطر الأمني.

في الوقت الحالي، أكد مسؤول وحدة الضفة الغربية يتسحاك جرشون، أن الجيش الإسرائيلي يتعاطى مؤخرًا مع العمليات الجنائية كأنها عمليات فدائية، لأن المسلك الجنائي هو ذاته مسلك العمليات، معتبرًا أن الحدّ من الحيّز الإجرامي سيؤثر على المجتمع الفلسطيني وقوته المعنوية.

ويضيف جرشون أن العلاقة الأساسية بين النشاط السياسي العملياتي الفلسطيني ومنظمات الجريمة، هي علاقة نفعية وليست جوهرية، فالأول يتطلب الثاني من أجل تلبية الاحتياجات اللوجستية والقتالية، وهذا يكون على سبيل المثال مع محترفي التزييف، والأقفال، وصنّاع القنابل.

وهذا يعيد إلى الأذهان تصريح رحبعام زئيفي الذي يقول فيه: “خلال أحداث النكبة سرقت قوّات الإتسل البنوك من أجل الحصول على تمويل للعمليات، وبالفعل فقد تطوّرت القوات بست عمليات سرقة حصلت بين الأعوام 1937-1941، وخلال فترة الانشقاقات، اقترح أبراهام ستيرن تمويل النشاط من خلال التركيز على المصادرة أو السطو على مائة ألف ليرة فلسطينية”.

بدوره، يقول المختص في علم الإجرام مناحم أمير، إن العمل السياسي قد يتضرر من العمل الإجرامي بسبب العلاقة القائمة بينهما، وذلك عندما تسيطر الجريمة على العمل السياسي وتنزع استقراره، إلا الواقع لدى الفلسطينيين مختلف بسبب “تمتع مرتكبي الجريمة ضدّ الإسرائيليين بتعاطف السكان الفلسطينيين”.

في بعض الأحيان، يتطور العمل الفدائي خارج نطاق الجريمة، وظاهرة الفدائيين من الأمثلة الجيدة على ذلك، إذ أنها نشأت نتيجة تسلل اللاجئين بعد نهاية النكبة في محاولة الوصول إلى منازلهم وإعادة بعض ممتلكاتهم، أو لإيجاد سبل العيش من سرقة المستوطنات الإسرائيلية.

واكتسبت هذه الظاهرة زخمًا، وأصبحت منذ أوائل الخمسينيات عملًا فدائيًا ضدّ “إسرائيل” يُسبب خسائر فادحة، لدرجة أنها أصبحت أحد أسباب العدوان الثلاثي عام 1956. (ملاحظة المترجم: عرفت القرى الفلسطينية داخل الخطّ الأخضر باسم الجهاد، وهو العودة للقرى المهجرة واسترداد ممتلكات أخوتهم اللاجئين أو المكوث في الأراضي هناك لجني المحاصيل وهكذا)

السيارات المسروقة لخدمة العمليات الفدائية:

يأتي هذا الموقف متماشيًا مع مقال سابق لزيئيف شيف، نشر في صحيفة هآرتس عام 1988، وجاء فيه أن “لصوص السيارات قد أثبتوا وجود جانب ضعف أمني، ويمكن في ليلة واحدة تشغيل عشرات الخلايا المدربة لإلحاق الأضرار، فيتحول الأمر من سرقة سيارات إلى اختيار أهداف أخرى أكبر، ومنها الشخصية” وهذا بالفعل ما حصل بعد ثلاث سنوات.

في عام 1997، بلغ عدد السيارات المسروقة من داخل “إسرائيل” لصالح الضفة الغربية حوالي 46 ألف سيارة، ما تسبب بخسائر في الناتج القومي الإسرائيلي تقدر بـ 2 مليون دولار، وهي الأعلى في العالم إذا ما تم النظر إلى نسبتها المئوية.

وتصل نحو 90% من السيارات المسروقة إلى الضفة الغربية، حيث يأتي معظم اللصوص من هناك، في ظل عدم جدوى مكافحة الشرطة الإسرائيلية لهذه الظاهرة، كما أن الغريب بالموضوع هو مرور هذه السيارات دون إشكاليات من حواجز تفتيش أقامها الجيش الإسرائيلي، على اعتبار أن عمليات السرقة “جنائية وليست أمنية”.

بهذا الشأن، كانت الملاحقة الأبرز في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001 في مفارق وشوارع وبيارات “رمات هشارون”، بعد أن سرق الفلسطيني محمد أبو جاموس سيارة، ثم حاول اغتيال ضابط رفيع المستوى من القوات البحرية من خلال تلغيم منزله، ويعتبر أبو جاموس لصًا بارعًا هرب مرات عدة من السجن وقدمت بحقه 38 تهمة سرقة ومكوث غير قانوني في “إسرائيل”. (3)

 

 

المصادر:

1. هآرتس: https://bit.ly/2PoJPLZ
2. يداع : https://bit.ly/2XvOf6C
3. يداع: https://bit.ly/2VW8WIG