مقدمة العساس | في عصر تؤثر فيه منصات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا بشكلٍ كبير على مختلف المجالات، تكاد لا تخلو أيّة عملية انتخابية من حالات الاختراق والتلاعب بالنتائج، وهذا بطرقٍ مختلفة ومتجددة، هذا ربما يحدث أيضًا في “إسرائيل” بعد اختراق الهاتف الشخصي لرئيس تحالف “أزرق أبيض”، بيني غانتس، المنافس الرئيسي لحزب الليكود اليميني ورئيسه نتنياهو.

هذا المقال المترجم عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يتحدث عن تبعات اختراق هواتف المرشحين للانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وتأثير ذلك على النتائج النهائية للأزمة السياسية الحالية.


ترجمة العساس | قصة اختراق هاتف غانتس واضحة بشكل كبير، إذ أن التكنولوجية الرقمية تخلق إمكانيات نشاطات كبيرة لأعداء الديمقراطية، وفي حين أن المعظم مشغول عمل في “البوتات” وحسابات الفيسبوك المزيفة، يوجد طريقة أسهل لنزع الثقة من المؤسسة السياسة والسياسيين المرشحين، وهي اختراق خوادمهم وحساباتهم، والبحث عن معلومات شخصية ونشرها.

ويُعيد اختراق هاتف غانتس إلى الأذهان، اقتحام حواسيب الحزب الديموقراطي الأميركي، وتأثيره على الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون، وكذلك الانتخابات الفرنسية عام 2017، وبعدها ألمانيا بأشهر قليلة.خلال فترة الانتخابات، يكون كل مرشح بمثابة هدف اختراق، حيث يمكن أن يكون الهجوم الإلكتروني البسيط بصورة دبلوماسية، أمّا في أسوأ الحالات، يكون بضرب ثقة الجمهور في نزاهة العملية الديموقراطية.

وتكمن أهمية الموضوع، بأنه كان هناك ما يكفي الوقت للتعلم من الآخرين، لكن يبدو أن هناك مشكلة تتمثل في استيعاب الحاجة للتعامل مع هذا النوع من المحاولات للتأثير على الانتخابات، وهذا في ظل غياب التشريع المناسب، وانعدام التعاون الكافي، وضعف الشفافية، كما أنه لا يوجد أي نوع من النقاش الجاد لدور وسائل الإعلام القائمة في مثل هذه الحالات.للمفارقة، فإن معالجة التأثير الرقمي على الانتخابات حتى هذه اللحظة ميّز دول العالم الثالث، وليس “دول أهم شركات الستارت أب”.

في هذا الشأن، لا يوجد للجنة الانتخابات المركزية حتى اللحظة صلاحية كافية للعمل على موضوع التأثير الرقمي، ولهذا يجب اتخاذ قرار لأنشطة بعيدة الأمد، أو حتى مجرد وضع علامة تُميّز الدعايات على الشبكات التواصل الاجتماعي.

ويفترض لمنظومة السايبر، وهي هيئة موجودة في مكتب رئيس الوزراء، أن تتعامل مع الهجمات الإلكترونية، وتؤمن الممتلكات الرقمية الإسرائيلية، إلا أنه لا يوجد أي قانون يخولها بذلك، وعليه من غير الواضح إطار صلاحيتها القانونية بهذا الشأن.وهنا تبرز الأسئلة، ماذا بقي؟ الشاباك هو محارب ديموقراطي معروف، لكنه مجرد هيئة ظلال تابعة إداريًا لمكتب رئيس الوزراء كذلك، وتدور بين الكواليس صراعات حول الميزانية بينه وبين هيئة السايبر، ويمكن أيضًا ذكر الجيش والشرطة وقسم السايبر في مكتب المدعي العام.

لماذا كان الشاباك هو الذي توجّه إلى غانتس ليخبره بالاختراق؟ من كان مسؤولًا عن حماية هذا الهاتف الحسّاس؟  ومن المسؤول عن تحذير الشخصيات السياسية البارزة والأحزاب حول كيفية الحفاظ على أمن معلوماتهم؟ ولماذا هذا الفشل مرة تلو الأخرى؟ (المقصود: الاقتحام السابق لنظام الحاسوب في الانتخابات التمهيدية لليكود)

ويذكر أن الحديث هنا لا يدور حول عدم تنسيق بين الأنظمة، بل يدور حول من المسؤول عن تقديم الصورة الكاملة، لنفهم إذا ما كان الحديث ينحصر حول محاولة للتأثير على الانتخابات. بالعودة إلى الأسئلة، من يجب أن يأخذ بالحسبان أن نشر المعلومات المضللة، أو المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال القرصنة هي أمور يمكن أن تحول العملية الديمقراطية برمتها إلى مهزلة؟ ومن عليه أن يُصرّح للجمهور عن الأحداث بوقت حدوثها، ويشرح الواقع؟

وكأن ما ينقص “إسرائيل” الآن هو فتح المجال لنظرية المؤامرة بين جميع الأطراف، وهذا يأتي مع عدم وجود عقيدة نشر للمعلومات الموثوقة والمنظمة للجمهور لمعرفة ما يدور، لدى الهيئات الأمنية، بهذه الطريقة منظومة الشائعات ستكون ممكنة ومؤثرة. ويعتبر اقتحام هاتف شخصية عامة مثالًا كلاسيكيًا لحدث تقني يتعدى محيطه، وذلك بعد قول نتنياهو إن إيران تدعم غانتس من جانب، وأن هذا التسريب متعمد من أطراف مقربة من رئيس الحكومة الإسرائيلي من جانبٍ آخر.

الدرس المستفاد أنه لا يمكن التمييز بين تأثير دول أجنبية معادية وبين التأثير الداخلي، وبغض النظر عن الطرف الذي يتم اتهامه سواء كان الكرملين، أو اليمين المتطرف، أو حتى إيران، فإن الأساليب العملية متشابهة، ومعرفة مصدر الاختراق يأخذ وقتًا، أمّا القوات الداخلية فهي تشير إلى كونه أجنبيًا، والعكس صحيح.

وتحاول الهيئات الأمنية مثل السايبر والشاباك الابتعاد وعدم التدخّل بالانتخابات بسبب الحساسية السياسية، سيما أنه ليس من مصلحتها أن تجد نفسها في فترة الانتخابات في وضع غير معقول، كونها تابعة لمكتب رئيس الوزراء، والذي يعتبر لاعبًا ذا مصالح في الانتخابات.من الواضح بالفعل أن الحملة الانتخابية الحالية تعرضت إلى تحديات ومشاكل رقمية جديدة.

قريبًا، سوف تظهر بعض التسريبات من الهاتف المخترق، ومن المفترض الآن أن يسأل الصحفيون الإسرائيليون أنفسهم السؤال الذي طرحه زملاؤهم الأمريكيون خلال انتخابات عام 2016، والفرنسيون والألمان في انتخابات عام 2017: هل ينبغي عليهم النشر؟

بالطبع، لأنه بمجرد التحقق من المعلومات الخاصة من قبل المسؤولين المنتخبين، يجب نشرها، مع مراعاة أهميتها بالنسبة للجمهور، لكن يبقى السؤال: هل يجب أن تتحول وسائل الإعلام لأداة بيد من يريد زعزعة الديمقراطية؟ وهل يجب أن تتطرق لهذا الاختراق وتكوّن صداها الكبير.

إذا كان هناك رغبة حقيقية في الحفاظ على عملية ديمقراطية سليمة، وكسب ثقة الجمهور في العملية الانتخابية وإقامة انتخابات عادلة، هناك حاجة لرئيس لجنة الانتخابات المركزية بأن يأخذ زمام المبادرة على الفور، حتى في حالة عدم وجود تشريع واضح، وذلك بإنشاء جلسة مشتركة لجميع الأطراف المعنية، لعرض الصورة بأكملها والتعامل مع مثل هذه الأحداث في الوقت الحقيقي.ثم يجب إبلاغ الجمهور بعد الانتخابات، ويجب أن يكون هناك صيغة تشريعية للتعامل مع هذه التحديات، إلا أن الأهم حاليًا هو الوصول إلى تلك المرحلة بأمان.

المصدر: المعهد الإسرائيلي للديموقراطية
عنوان المادة الأصلية: اختراق أمني للديموقراطية
تاريخ نشر المادة:18.03.2019
رابط المادة:https://bit.ly/2HPx7nJ