مقدمة العساس | جماعات الحريديم في “إسرائيل” ليست متشابهة في كل شيء، بل إنها متفرقة على مذاهب وأساليب تختلف حتى في مظهرها الخارجي، رغم ذلك يبدو أن صفات رفض الآخر والتطرف والتعصّب تعتبر من أبرز السمات المشتركة والمُميزة لهذه الطائفة الدينية التي تحظى بمكانة يُمكن تسميتها بالخاصة ضمن المجتمع الإسرائيلي.

هذا المقال يوضح خصائص النسيج الحريدي الإسرائيلي، ويُبين التغيرات التي حدثت له خلال العقود الأخيرة.

ترجمة العساس |

توزيع الحريديم في المجتمع الإسرائيلي:

يُشكل مجتمع الحريديم التعداد السكاني الأعلى في مدينة بني براك بواقع أكثر من 156 ألف نسمة، وبنسبة تصل إلى 89%، من مجمل السكّان، ثم في بيت شيمش بأكثر من 68 ألف نسمة وبنسبة 60%، بينما يبلغ عددهم أكثر من 43 ألف نسمة في أشدود بنسبة وصلت إلى 20%، بحسب إحصائيات عام 2017. (1)

ويميل السكان الحريديم إلى العيش ضمن مجتمعات منغلقة منسجمة ومتجانسة، ويظهر ذلك في تركيزهم بداية فترة التسعينات على العيش في مدينة القدس وحارات “مئة شعاريم”، و”كرم ابرهام جيؤلا”، و”بيتي أونجرين”، ومدينة بني براك التي هجرها سكانها من اليهود العلمانيين.

بعد ذلك بدأت عائلات الحريديم الهجرة إلى مراكز حضرية جديدة، وكان التغيير الرئيسي مع تأسيس المدن الثلاث الأرثوذكسية الحريدية، “بيتار عيليت” عام 1988، “موديعين عيليت” عام 1990، و”إلعاد” عام 1992، إذ تطورت هذه المجتمعات بسرعة كبيرة مع الحفاظ على السكان المتدينين الأرثوذكس بشكل واضح.

يذكر أن “هجرة” السكان الحريديم أدت أيضًا إلى تكون المدن المختلطة ومنها: بيت شيمش، وأشدود، ونتانيا، والمجالس المحلية لراخسيم وزخرون ياعكوف، إضافة إلى انتشارهم في مستوطنات يسودوت، متتياهو، كميميوت، تفراح كريات يعريم وأسفير. (2)

 الاقتصاد:

تعيش أكثر من نصف جماعات الحريديم تحت خطّ الفقر، بسبب أن نصف الرجال الحريديم يعملون بوظيفة جزئية، وأغلب العوائل لديها معيل واحد فقط، وهذا لأن منظومة التعليم الحريدية تتبنى تعاليم دينية صارمة لا توجه أفرادها إلى الانفتاح على المهن التي يتطلبها سوق العمل.

كما أن العائلة الحريدية تتكون من عدد أبناء كبير مقارنة بالعائلة اليهودية العادية، مما يصعب مهمة المعيل الوحيد الذي غالبًا ما يكون المرأة، ولا ينطبق على هذا المجتمع خصائص ما يعرف “بثقافة الفقر”، التي تنطوي على عدم الإحساس بالانتماء والعيش على هامش المجتمع والشعور بالانحطاط والدونية.

 وعلى خلاف المجتمعات الفقيرة قهريًا في “إسرائيل” كالعرب مثلًا، الفقر في المجتمع الحريدي هو رفاهية وخيار شخصي وإرادة حرة يتبناها الأفراد والعائلات والمجتمع، ورغم فقر هذه المجتمع إلا أن ذلك لا ينعكس على صحتهم ولا على مستواهم الثقافي، فمتوسط عمر اليهود الأرثوذكس هؤلاء مشابه لمتوسط عمر المجموعات السكانية التي تنعم بظروف اقتصادية اجتماعية مرتفعة، ويعود الفضل في ذلك إلى نمط الحياة الجماعي، حيث يحظى الفرد بدعم اجتماعي ونفسي ومالي من كل الجماعة.

إضافة إلى ذلك، يُقدّس الرجل الحريدي حياته من أجل دراسة التوراة باعتبارها فرضًا دينيًا، ويسعى لتوفير أحسن التعليم الديني لأولاده كونه يعطي الشخص مكانة مرموقة في المجتمع الحريدي.

ويسود اعتقاد ديني بأوساط الحريديم أن الاكتفاء بالقليل والتعفف من حاجات الدنيا أمر تحثّ عليه التعاليم الدينية، ويمكن القول إن اليهودي الحريدي هو من اختار الفقر وليست الظروف القاهرة التي فرضت عليه، وهذا ما أكدته دراسة نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول “إسرائيل” بأن اليهود الأرثوذكس يشعرون بارتياح أعلى من المتوسط في “إسرائيل” ضمن مجالات مختلفة مثل العلاقات الاجتماعية والصحية.

التطوّع والصدقة:

تعتبر الصدقة فريضة واجبة في الدين اليهودي، ويتمسك بها المجتمع الحريدي حتى أنها باتت جزءًا من يومه، وبلغت نسبة التبرعات أو الصدقة في المجتمع الحردي ما نسبته 70%، بينما لم تتجاوز في المجتمعات اليهودية التقليدية نسبة 29.2%.

 وتذهب تبرعات المجتمع الحريدي إلى الفقراء مباشرة من خلال الصناديق الخيرية والمؤسسات المختلفة، أو من خلال الجمعيات التي تساعد المرضى على دفع تكاليف العلاج الطبي على سبيل المثال، أو لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من ضائقة مالية.

ويركز المجتمع الحريدي أيضًا على قيمة التطوّع كصدقة غير مرتبطة بالقيم المادية، مثل مساعدة الأقارب والأهل وكل المحتاجين في المجتمع، ما رفع نسبة المتطوعين الحريديم إلى الأعلى من بين شرائح المجتمع الأخرى بـ 39%. (3)

 الحريديم في مجال التعليم وسوق العمل:

دعت الحاجة الاقتصادية الملحة المجتمع الحريدي إلى الدخول ضمن سوق العمل، وبدأ التدفق إليه بين سنوات 2003 – 2015 بكلا الجنسين، وعقب هذا التغيير انخرط في سوق العمل 50% من الرجال من و75% من النساء، من الفئات العمرية 25-64 للطرفين، ومنذ عام 2015 لم يحدث أي تغيير على نسب الدخول.

أما في مجال التعليم، تُقدر نسبة الحاصلين على شهادة توجيهي بـ 12% فقط من المجتمع الحريدي، مقابل 77% من الإسرائيليين التقليديين، بالمقابل ينضمّ غالبية الحريديم الذكور إلى الحلقات التعليمية الدينية، كما أن 70% من الأشخاص الذين توجهوا إلى التعليم العالي كانوا من النساء اللواتي يدرسن الطب وغيره بهدف العمل داخل المجتمع الحريدي.

المواصلات والأجور:

الفجوات بين الحريديم وباقي المجتمع اليهودي واضحة في استعمال المركبات والمواصلات العامة في الوصول إلى العمل بنسبة 35% للحريديم ، و19% لليهود الآخرين، والمجال الوحيد الذي يوجد فيه تشابه تام بين المجتمعين هو ملكية شقة، إذ تبلغ النسبة 74% لكليهما.

في عام 2018، انخفضت أعداد الحريديم في سوق العمل ضمن مجال التربية والتعليم وتوجهت إلى مجال الصناعات، بينما بحسب إحصائيات 2016 بلغ متوسط أجور الرجال الحريديم 8,334 مقابل 13,399 للرجال اليهود الآخرين، أما بين النساء الحريديات بلغ متوسط الأجور 6,706 مقابل 8,688 لليهوديات الأخريات.

نمط الحياة:

في عام 2017، التحق 3685 شبابًا من الحريديم بالجيش الإسرائيلي، ثم التحق أكثر من 38% منهم بالخدمة العسكرية، و5% فقط التحقوا بالخدمة المدنية، وهذا يظهر حالة من التطوّر الملحوظ في التخلي عن الخدمة المدنية والالتحاق بالخدمة العسكرية.

بين عامي 2016 – 2017، استخدم 43% من المجتمع الحريدي الإنترنت، مقابل 88% من المجتمع غير الحريدي، و43% كانوا رجالًا حريدين و44% كن نساء حرديات، مقابل 89% و68% بين الذكور والنساء غير الحريديات على الترتيب.

بينما في مجال الترفيه، يفضل الحريديم قضاء العطل داخل “إسرائيل”، حيث استجم ما يقارب 51% منهم عام 2016 في الداخل، مقابل 16% فقط في الخارج. (4)

 المفارقة الصعبة:

طيلة سنوات، سادت فكرة مفادها أن الحريديم يشكلون عبئًا على “إسرائيل” من ناحية اقتصادية، كونهم لا يؤدون واجباتهم القومية تجاه دولتهم بسبب الامتناع عن الخدمة بالجيش والعمل، بل إن مصطلح الفقر المتعارف عليه في المتجمع الإسرائيلي يتم تفسيره لدى الحريديم على إنه زهد ديني بحاجات الدنيا، وهو يتماشى مع العقيدة والشريعة اليهودية.

وفيما يتعلق بالتجنيد والمساهمة الفاعلة بأي عمل، تبرر جماعة الحريديم موقفها بأنه ومنذ زمن داوود لم يخرج كل الشعب إلى الحرب، بل دائمًا هناك فئة تبقى لتتدارس التوراة بهدف الحفاظ على التعاليم، وسط وجود اعتقاد بأن ضياع التوراة معناه ضياع وجودي للشعب اليهودي، باعتبار أن الانخراط بالجيش يُعيق تدارس التوراة بجهد واجتهاد لساعات متواصلة.

وترفض هذه المجتمعات الاختلاط بين الجنسين، وبنظرهم أن الجيش مكان فيه الكثير من الاختلاط، بالتالي فهو غير ملائم لهم، كما أن الجيش لا يعتمد على الكشروت الحاخمية في التحليل والتحريم ضمن مسألة الطعام، فيواجه الجندي الحريدي صعوبة في الأكل، وجندي بلا طعام لا يستطيع القيام بواجباته.

إضافة إلى ذلك، يعتبر الحريديم أن الإكراه العلماني يجبرهم على حلق اللحية وعدم إقامة الصلاة في وقتها، ورغم كل ذلك، هذه الأسباب يمكن تجاوزها في أماكن العمل ضمن المؤسسات العامة، إلا أنهم يمتنعون عنها أيضًا. (5)

المصادر :

(1) المركز الحريدي :  https://bit.ly/2LzGQkR
(2) كنيرت : https://bit.ly/2IWC0KH
(3) المركز الحريدي :  https://bit.ly/2YiuuUa
(4) المركز الإسرائيلي للديمقراطية” الاحصائيات صحيحة حتى عام 2018 ” :
https://bit.ly/2UJDFHh – https://bit.ly/2xZR8Sy

(5) أوراح حاييم : https://bit.ly/2JM5UDb