مقدمة العساس | “الأموال من تربح الحرب وليس الجنود”، هذه مقولة تفهمها “إسرائيل” جيدًا أو تحذر منها على الأقل، حيث يظهر ذلك توجهاتها إلى خلق تعاون اقتصادي مع السوق الشرق آسيوي، خلفًا للتعاون غير المستقر مع الدول الغربية والأوروبية.

هذا المقال يتحدث عن التوجه “الإسرائيلي” لإيجاد مكانة قوية لدى رواد الاقتصاد العالمي المستقبليين المتمثلين بدول شرق آسيا، وتحديدًا الصين والهند.  

ترجمة العساس | يعمل التحوّل الجاري بقوة الاقتصاد العالمي صوب العمالقة في آسيا وبتجاه الدول الناشئة في أفريقيا، على تغيير خريطة التجارة الخارجية في “إسرائيل”، التي اعتمدت بشكل تقليدي على كتلتين تجاريتين أساسيتين وهما الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، لكن “إسرائيل” تستثمر الآن بالموارد والجهود الدبلوماسية والتجارية من أجل تأسيس التجارة والاستثمار مع دول آسيوية وأفريقية، ومن جهتها تبدي هذه الدول رغبة كبيرة في امتلاك تكنولوجيا ومعرفة من “إسرائيل”.

ويزداد في العقود الأخيرة الوعي بأن مركز الثقل الاقتصادي العالمي يتحرّك بالتدريج نحو الشرق، والقارة الآسيوية تدرك الموضوع وتطمح مستقبلًا أن تحجز لنفسها مكانًا سياديًا في الاقتصاد العالمي على حساب الاقتصاد الأمريكي والأوربي، وبالتزامن مع ذلك وبعد سنوات من الحروب الأهلية والجوع والأزمات على ما يبدو أن أفريقيا تدخل المضمار أيضًا، وهذا يضع أمام “إسرائيل” مركزين تجاريين تطمح خلالهما بتوزيع التجارة الخارجية وتوجيه حصّة كبيرة من صادراتها إليهما.

وتحتل الصين مرتبة ثاني أكبر قوة اقتصادية عظمى في العالم، وفي عام 2030 سوف تتفوّق على أمريكا بحسب بعض التحليلات، أما الهند فهي تجري إصلاحات اقتصادية مهمة تطمح إلى أن تكون قوّة اقتصادية عظمى فهي تخرج من سنوات شلل سياسي واقتصادي وحملات إصلاحية ضخمة، متطلعة بشغف كبير إلى الاستثمارات.

الملكية الفكرية كمؤشر اقتصادي:

يمكن أن نتعلم حول قوة دول آسيا وعلى رأسها الصين بالنظر لمعطيات الملكية الفكرية في العالم، إذ تعتبر بمثابة الانعكاس للأداء الاقتصادي لدولة ما وينبئ بأدائها المستقبلي.

وحسب تقرير منظمة الملكية الفكرية العالمي (WIPO) لسنة 2017، تبيّن سيطرة آسيوية على النشاط العالمي في مجال الملكية الفكرية، وفي عام 2015 ارتفع عدد طلبات براءات الاختراع في الصين ليتجاوز كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا معًا، كما تشكل الدول الشرق آسيوية الريادة عالميًا فيما يخصّ الملكية الفكرية.

تقييم “إسرائيلي” جديد:

التحوّل التجاري في القوى الاقتصادية الغربية العظمى نحو شرق آسيا، والازدهار في الدول الأفريقية، يُحتّم وجود تقييم “إسرائيلي” جديد بشأن الاستناد على محوري الاتحاد الأوروبي وأمريكا الذين عانيا من أزمة اقتصادية عام 2008، ونموّهما الاقتصادي بطيء مقارنة بالدول الشرق آسيوية والأفريقية.

وهذا التقييم حاضر عمليًا منذ عشر سنوات في أوساط إدارة التجارة الخارجية “الإسرائيلية”، ويؤكده مجال التجارة مع آسيا الذي ارتفع في السنوات الأخيرة على خلفية ضعف الأسواق الغربية الذي فرض ضرورة البحث عن أسواق بديلة وعلى رأسها السوق الآسيوي الذي بات حيويًا، ويصحّ نفس الشيء بالنسبة لأفريقيا.

ومن المدهش أن نكتشف أنه منذ عام 1950 توقّع رئيس الحكومة الأول، دافيد بن غوريون، هذه الاتجاهات في خطابه في الكنيست: “الوضع الحالي الذي تقود فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وتوجه العالم لن يمضي كثيرا، لأنه دون أدنى شك ستكون الصين والهند، قوى عالمية عظمى”.

وعلى مر السنين، استدارت “إسرائيل” نحو المدن الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند، ولكن لم يستجب لها، وبعد سقوط جدار الحديد بدأت الأمور تتغيّر في العقود الثلاثة الأخيرة، مع تجدد العلاقات مع هاتين الدولتين، والتجارة، والاستثمارات، والعلاقات الاقتصادية بين “إسرائيل” والصين والهند، ودول أخرى في آسيا، تزداد قوة.

وفي إطار التجارة بين “إسرائيل” وشرق آسيا ترسل اليوم إلى “إسرائيل” منتجات استهلاكية ينتجها الآسيويين بطريقة أفضل أسرع وأرخص، لكن من ناحية أخرى نحن بصورة تقليدية نصدر كميات كبيرة من الأسمدة والماس، إلى جانب ذلك، تتطور الصادرات التكنولوجية إلى الشرق بسرعة، سواء كانت منتجات اتصالات، أو برمجيات، أو معدات، أو أدوية، أو أدوات طبية، أو منتجات زراعية، أو تكنولوجيات للشركات “الإسرائيلية” المباعة والمضمنة في شركات الإنتاج الكورية واليابانية والصينية المسماة Technology transfer.

وتقدر المزيد من الدول الآسيوية الميزة فيما يتعلق بالعلاقات مع “إسرائيل”: حيث تؤسس كوريا مؤسسة كوريل التي تربط شركات التنمية “الإسرائيلية” بشركات التصنيع الكورية، بينما الهند ترسل وفود لإحضار تكنولوجيات من “إسرائيل” إلى المناطق المتقدمة من ولاية غوجارات ومهاراشترا، أمّا الصين تحاول جذب رجال الأعمال “الإسرائيليين” إلى تطوير مبادرات التكنولوجيا الفائقة المتقدمة (الهاييتك)، وحتى اليابان التي لا تبدي تحفظًا تجاه الموضوع تلتحق بالركب مع مبادرات للشركات “الإسرائيلية” الناشئة في ضواحي طوكيو،  كما تعتبر اتفاقيات البحث والتطوير الثنائية بين “إسرائيل” والصين والهند عنصرًا مهمًا في تطوير الحقل، وتعمل عشرات مشاريع البحث والتطوير بالفعل في المسار “الإسرائيلي” – الصيني.

وسيستمر النمو الشرق الآسيوي بالصعود حيث ينضم اللاعبون الكبار ويزدهرون مثل فيتنام وأندونيسيا، وسيرلانكا ومينمار، وسيبحث المزيد من اللاعبين الآسيويين لأفضلية في مجال إنتاج المنتجات التكنولوجية، وسيبحثون عن سبل لاختراقها، كما ستحتاج الشركات الآسيوية المتنامية إلى أدوات للتنظيم والمعلومات والاتصالات والحوسبة، فالصناعة الآسيوية التي تحتاج إلى المزيد من الطاقة سوف تبحث عن طاقة الرياح والشمس وأمواج البحر، وسوف تبحث جميعها عن الفكرة الرائعة المقبلة للاستيلاء على العناوين الرئيسية في الصحف الاستهلاكية وملئ الأرفف في محلات السوبر ماركت، وهذه موجودة في “إسرائيل”.

بالنسبة لأفريقيا، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أجرت “إسرائيل” والدول الإفريقية تفاهمًا كبيرًا تجلّى عبر مساعدة “إسرائيلية” لبلدان القارة في مجالات مثل الزراعة والري والتخطيط الإقليمي والصحة، ثم أرسلت وزارة الشؤون الخارجية خبراء الزراعة والري والتعليم إلى أفريقيا، ووصل العديد من المشاركين إلى “إسرائيل”، وتم مشاهدة وزيرة الخارجية غولدا مائير ترقص خلال رحلتها إلى أفريقيا، وكسبت “إسرائيل” احترمًا وتقديرًا في القارة.

لكن هذه العلاقات فشلت بعد حرب يوم الغفران وتحت ضغط الدول العربية، قطعت معظم الدول الإفريقية علاقاتها مع “إسرائيل”، لكن في السنوات الأخيرة نشهد توطيدًا للعلاقات بين “إسرائيل” والدول الأفريقية.

 

المصدر: لوتشاتو اند لوتشاتو
تاريخ النشر: د.ت
رابط المادة: https://bit.ly/2zrLp89