مقدمة العساس | يعمل الاحتلال الإسرائيلي منذ قيامه، على صناعة تاريخ يُبرر وجوده غير الشرعي في فلسطين، بدءًا من سرقة التراث الفلسطيني والأدب الغربي، مرورًا بتضخيم أحداث ووقائع تصب في صالحه، وصولًا إلى الترويج المرئي للرواية الإسرائيلية عبر وسائل إعلام وترفيه عالمية.

هذه المادة تُبيّن مدى اهتمام الاحتلال الإسرائيلي بترويج صورة إيجابية لنفسه أمام العالم، وتشرح الأساليب والوسائل الحديثة التي يتبعها لضمان تحقيق ذلك.

إعداد العساس | أدرك السّياسيّون الإسرائيليّون أهمّيّة الثّقافة والفنّ في تعزيز الرّواية الإسرائيليّة والمساعدة في ترسيخها، وذلك منذ بدايات الاحتلال، إذ تم سن “قانون تشجيع الفيلم الإسرائيلي” عام 1954، الّذي أسّس لبناء “مجلس أفلام” استشاريّ لوزير الثّقافة الإسرائيليّ، بالإضافة إلى بند يُلزِم دور السّينما الإسرائيليّة على بثّ عدد محدّد من الأفلام الإسرائيليّة وفق تعريف القانون، وهي الّتي تمّ تصوير أو تسجيل ما لا يقلّ عن 80% منها على أرض فلسطين. (1)

(تم سن القانون مع بدايات نضج السّينما العالميّة ونهايات عصرها الذّهبي، وسط تطوّر التجهيزات الفنية للفيلم من موسيقى، وديكور، وغيرها)

إضافة إلى ذلك، عملت وزارة الصّناعة والتّجارة على تقديم الدّعم لصانعي الأفلام الإسرائيليّين عبر تمويل راجع للأفلام وفق تقييم نجاحها. (2)

واهتمّ السّياسيّون و”صانعو الثّقافة” أيضًا بتصدير روايتهم عبر أفلامهم إلى المشهد الثّقافيّ الفنّيّ العالميّ، فحتّى نهاية سبعينيات القرن الماضي، كان لدى “إسرائيل” عدة ترشيحات لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي، إضافة إلى ستّة أفلام فاز اثنان منها بجائزة “غلوبس” لأفضل فيلم أجنبي. (3) 

أمّا في أواخر السبعينيات، وتحديدًا عام 1977، أقيم “صندوق السّينما الإسرائيليّة” ليتحوّل خلال سنتين إلى صندوق عام للاستثمار في الأفلام ذات الجودة الأصلية والعالية، لإدارة تمويلها من قبل السلطات الإسرائيليّة، والحرص على إنتاج أفلام جيّدة مدعومة حكوميًّا، بدل التّمويل الخاصّ في الإنتاج، ليشكّل جسمًا يقود السينما الإسرائيلية في جميع الجوانب، ومنها تطوير النصوص وميزانيات الإنتاج والتسويق والعلاقات الدولية والتأثير على السينما المحليّة. (4)

إلا أنه مع بداية الثّمانينيات، قلّ اهتمام الجمهور بالسيّنما ليتوّجه إلى التّلفزيون مع توسّع انتشاره، وزيادة الوعي الإسرائيليّ بأهمّيّته في بناء المجتمعات المتخيّلة (Imagined community)، لهذا أنتج التّلفزيون الإسرائيلي عدّة مسلسلات وبرامج كانت معظمها موجّهةً للأطفال.

وفي عام 1981 أطلقت “إسرائيل” مسلسلًا باسم “أرض الوطن” (موجّه للأطفال أيضًا) حول أحداث من تاريخ “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين ابتداءً من عام 1827، مرورًا بزيارة السير موسى مونتيفيوري إلى “الأرض المقدّسة” وبدء سلسلة امتلاك الأراضي الفلسطينية، بعد إصدار السّلطان العثمانيّ لأمرٍ يسمح لليهود فيه بتملّك الأرضي عام 1849، ووصولًا للسّنوات الأولى بعد النّكبة، لبناء تعريف من خلالها لمن هو “الإسرائيليّ”، مع تعدّد الأصول والدّول الّتي قَدِم منها اليهود إلى الدولة، ومن ليس كذلك. (5)

لكن مع بداية عصر التّلفزيون الإسرائيليّ، وحتّى بداية القرن الـ21، شهدت السّينما الإسرائيليّة تراجعًا في الحضور في المشهد السينمائيّ العالميّ ومهرجانات السّينما، بالإضافة لتوجّه اهتمامها إلى مواضيع تبتعد رويدًا رويدًا عن السّياسة المباشرة، فيما اقتصر عرض المسلسلات والبرامج التّلفزيونيّة على القنوات الإسرائيليّة، ورغم الاهتمام الإسرائيليّ بدعم السّينما بشكل قانوني، سواء بسنّ القانون أو بتشكيل لجان متخصّصة في ذلك، إلّا أنّه لم يتمّ سنّ قوانين لمساعدة ودفع المنتجين الإسرائيليّين لإنتاج مسلسلات وبرامج ليتمّ تصديرها إلى العالم.

رغم ذلك، فقد نجح بعض المنتجين في بيع مسلسلات مثل “فوضى”، و”Yellow Peppers”، و”Double”، و”Next Star”، و”Traffic Light”، إلى قنواتٍ أجنبيّة، إذ يعدّ بيع المسلسلات للقنوات الأجنبيّة والعالميّة عاملًا ذا أهمّيّة حاسمة لمكانة “إسرائيل” في العالم. (6)

مؤخرًا، ومع توسّع انتشار شبكة “نتفليكس” حول العالم ووصولها إلى نحو 118 مليون مستخدم في 130 دولة، ومع إتاحة استخدامها من خلال مختلف أنواع الأجهزة الإلكترونية بين هواتف ذكية وحواسيب، وجّهت الشبكة أنظار صانعي المسلسلات والبرامج الإسرائيليّة نحو منصّاتٍ جديدةٍ لاحتلالها بالبرامج والمسلسلات الإسرائيليّة، لا سيما بعد فتح أبواب الشّركة لاستقطاب وعرض مسلسلات ليست من إنتاجها على شبكتها، لتفتح معه حدود العديد من الدّول للخروج من حيّز مكان إنتاجها والوصول إلى العالم. (7)

وسط كلّ هذا، ورغم كلّ الانتقادات الإسرائيليّة على شحّ القوانين والدّعم لإنتاج المسلسلات النّوعيّة القابلة لتصديرها، استطاعت “إسرائيل” أن تنجح في مجال أهمّ، وهو توجيه المنتجين العالميّين نحو انتزاع قصّة ما من ماضيها أو حاضرها، لصنع مسلسل ما. 

وهذا ما عَمِلَ عليه القنصل الإسرائيليّ في لوس أنجلوس، سام غروندفرغ، الأميركيّ الأصل، من خلال تعميق علاقاته بمنتجي الأفلام والممثّلين والمخرجين، وفقًا لتوجيهات مباشرةٍ من رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الّذي قال له عند تعيينه “ضع هوليوود نصب عينيك” مدركًا لأهميّة تأثير الإعلام على الرأي العام الأميركي.

ألا أن ما فعله غروندفرغ كان أكبر من ذلك، فلدى عودة القنصل السابق من مهمّته الّتي قضى فيها نحو سنتين في لوس أنجلوس، والّذي يحتلّ الآن منصب رئيس “كيرن هايسود” الموكّلة بتجنيد الأموال لمؤسسة “الهستدروت الصّهيونيّة” في البلاد والتّنسيق بينها وبين الجهات الدّاعمة واليهوديّة حول العالم، أحضر غروندفرغ معه نخبةً هوليوود من المخرجين والمنتجين، لتعريفهم على “الواقع الإسرائيلي”، بهدف جلب استثماراتهم في بعض الأفلام والمسلسلات. (8)

وعلى مدى سنوات طويلة، كانت كلمة “موساد” رمزًا للتّمثيل الإسرائيليّ، الّذي يطرح نموذجًا لشخصيّة رائعة ومسلّية، مثل فيلم You Don’t Mess with the Zohan (2008)، بينما في عام 2018 وحده أُنتجت ثلاثة أفلام دراميّة بطوليّة حول عمليّات استخباراتيّة لضبّاط الموساد، مثل فيلم Operation Finale التي تدور أحداثه حول عملية خطف وتهريب الضابط الإسرائيلي إس. إس. أدولف ايخمان عام 1960.

أمّا فيلم Entebbe أحداثه تدور حول إحباط عمليّة خطف لمسافرين إسرائيليين على متن طائرة واحتجازهم من قِبَل فلسطينيّين في مطار عنتيبي في أوغندا وتهريبهم من هناك على يد ضبّاط موساد؛ وفيلم The Angel، الّذي يحكي عن العميل المزدوج أشرف مروان؛ وعلى صعيد “نتفليكس” تحديدًا، أثار مسلسل “فوضى” الّذي طرحته الشّبكة، والّذي صوّر الضّبّاط المستعربين على أنّهم أبطال خارقون، جدلًا كبيرًا حتّى دعت حركة المقاطعة “نتفليكس” إلى وقف عرضه، فيما شهد هذا العام إصدار الشبكة لمسلسل جديد يدور حول ضابط الموساد إيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيليّ في سوريا.

على مدى عقود من صناعة السّينما، استطاعت “إسرائيل” تجديد مفهوم “يهوديّ العضل” و”اليهودي الجديد” الشّاب قويّ البنية والعزيمة، وهو المفهوم الّذي طرحه المفكّر الصّهيوني ماكس نورداو، في المؤتمر الصّهيونيّ الثّاني عام 1898، مؤسّسًا فيه لبناء قالب اليهوديّ الإسرائيليّ، لتحوّله من خلال السّينما لقائد جيش لا يهزَم، أو لعميل بطل في “الموساد” و”الشاباك”، في مجال يشكّل بالنّسبة لها عاملًا مهمًّا في التأثير على الرأي العام الدّوليّ واجتذاب تعاطفهم مع روايتها. (9)

(1)  موقع “بساك دين” : https://bit.ly/2m9lJec
(2) دراسة لمجلّة “كوحيلت” لنقد السّياسات : https://bit.ly/2nITIKC
(3)  ويكيبيديا العبريّة : https://bit.ly/2nPFdVA
(4) موقع “صندوق السينما الإسرائيليّة” : https://bit.ly/2lz8tyW
(5) دراسة أكاديميّة : https://bit.ly/2nIRaMy
(6) ماكو : https://bit.ly/2lD0jFQ
(7) ذي ماركير : https://bit.ly/2nfMOw8ر
(8) ماكور ريشون : https://bit.ly/2nRQcOp
(9) هآرتس : https://bit.ly/2lCZoFo