مقدمة العساس | تقدم هذه المقالة شرحاً مبسطاً عن علاقة الصهيونية بالرياضة الإسرائيلية وكيف أن الفرق الإسرائيلية الحالية تمثل الانقسام الأول بالمعسكرات الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين قبل عام 1948. حينها، انقسمت خلايا اليهود الاستعمارية لأربعة معسكرات أساسية اختلفت فيما بينها سياسياً الأمر الذي أثر على طابع المجتمع الناشئ ومؤسساته الثقافية والرياضية. كما أن الرياضية بالنسبة للحركة الصهيونية كانت أداة للتربية القومية والفكرية الصهيونية وطريقة لصهر يهود الشتات في بوتقة واحدة. من أبرز هذه المعسكرات الرياضية، التي ما زالت واضحة الأثر، في النقابات والمؤسسات والرياضة الإسرائيلية هي: مكابي وهبوعيل وبيتار، والتي يوضح المقال قصص تأسيسها وعلاقتها بالصهيونية.

ترجمة العساس|  كانت أهداف الصهيونية محطّ خلاف بين أتباعها، وهو ما انعكس خلال الممارسة على طابع المجتمع اليهودي الناشئ في “إسرائيل”. تسببت هذه الخلافات بانقسام المستوطنات الأولى وتحوّلها إلى معسكرات سياسية متصادمة. كان المعسكر الاوّل هو معسكر “هبوعيل” (أي: العامل)، الذي بدأ يتشكّل قبل الحرب العالمية الأولى وتطوّر بشكل كبير بعد ذلك. وكان هذا المعسكر هو الأكثر تنظيماً وتبلوراً حيث اندمجت أحزابه المختلفة في اتحاد عام للنقابات (الهستدروت)، الذي أخذ على عاتقه مهمات قومية واعتبر أن على “هبوعيل” أن يكون في طليعة المعسكر ليحقق أهداف المجتمع اليهودي الناشئ. عملت الهستدروت أيضاً على استيعاب الهجرة اليهودية والاستيطان وتقديم الحماية والاهتمام بجميع الاحتياجات الإنسانية والشخصية والثقافية والروحية للعمّال.

المعسكر الثاني هو المعسكر المدني (إزراحي)، وهو يمثّل الطبقة الحضرية البرجوازية. كان هذا المعسكر أكثر انقساماً وأقل تبلوراً من الناحية الأيديولوجية مقارنة بمعسكر “هبوعيل”. وقد مثّل كلّ حزب في هذا المعسكر قطاعاً مهنياً من القطاع الخاصّ، مثل المزارعين والتجار والحرفيين ومن سماته الأساسية المميّزة معارضة الأيديولوجية الاشتراكية ورفض هيمنة الهستدروت على المجتمع اليهودي. كما دعم هذا المعسكر المجتمع اليهودي بالمبادرات الفردية والاقتصاد الرأسمالي، ونمى بداخله حركة “الصهيونية التصحيحية” التي أسسها جابوتنسكي. تميزت هذه الحركة، بالإضافة لرؤيتها الاقتصادية، بتقديمها حلولاً قومية نهائية لمجموعة من المشاكل التي كانت على رأس جدول الأعمال. وفي سنوات الثلاثين شكّل هذا الحزب تهديداً على هيمنة معسكر “هبوعيل” في “إسرائيل”.

إضافة للمعسكرين المذكورين كان هناك معسكر ثالث وهو المعسكر الديني الذي ضم الصهيونية الدينية والحريديم المناهضون للصهيونية، بالإضافة لمعسكر عرقيّ ضمّ أحزاباً هدفت لحماية مصالح أبناء أعراقهم مثل يهود جورجيا واليمن وغيرهم.

لم تخض المعسكرات السياسية صراعاً أيديولوجيا على طابع المجتمع الناشئ فحسب، بل أقامت مؤسساتها الخاصّة التي أصبحت أدوات للصراع فيما بينها. وهكذا تشكلت صناديق المرضى (أي العيادات الصحية) وتيارات تعليمية واتحادات العمال وحركات الشبيبة وحركات سريّة عسكرية، حيث كان لكل منها هوية سياسية معرّفة. في تلك الفترة أيضاً تمّ تأسيس الاتحادات الرياضية في “إسرائيل” التي أصبحت جزءاً من الانقسام.

مكابي، هبوعيل وتسييس الرياضة

 تأسست النقابة القطرية لمعسكر “مكابي” الرياضي عام 1912، وكان هذا أول اتحاد للجمباز والرياضة في “إسرائيل”. هدفت “مكابي” لتمثيل القيم القومية والصهيونية المشتركة والمقبولة على الجميع، وعليه فقد تجنب اتخاذ مواقف في قضايا خلافية.

إلا أن الحركة الصهيونية نفسها وجدت صعوبة في تحديد القيم المشتركة، فالخلافات حول طبيعة دولة “إسرائيل” وصورتها ومسار الدولة المستقبلية بدأت مبكراً فور نشوء الاستيطان في البلاد. يذكر أن إحدى القضايا القومية التي كانت محطّ جدل عند “مكابي” هي قضية اليد العاملة العبرية. إذ اعتبر المزارعون العمالة العربية وسيلة اقتصادية مكّنت المستوطنات من البقاء وأتاحت بناء علاقات جيّدة مع العرب، بينما اعتبر معسكر العمّال الاستحواذ على سوق العمل هدفاً قومياً مركزياً وشرطاً لبناء مجتمع سليم وطبيعي يرتكز على العمالة العبرية. هذا الخلاف بالإضافة إلى خلافات صعبة أخرى (وصل بعضها لصدامات عنيفة) بيّن مبكراً أن مكابي عاجز عن إيجاد قيم مشتركة مقبولة على جميع اليهود.

تجلّت الانقسامات السياسية في سنوات العشرين خلال الانتداب البريطاني، أي بالتزامن مع تأسيس المستوطنات. وقد ألقت الانقسامات السياسية بظلالها على الرياضة، إذ تأسس اتحاد “هبوعيل” كرابطة منفصلة تمثّل اتحاد عمال الهستدروت، وهو ما تماشى وأهداف الهستدروت العامة التي اهتمت بإنشاء هيئات مختلفة في مثل صندوق المرضى وجريدة “دافار” ونقابات عمال. أما “مكابي” فمنذ تأسيسها اعتبرت نفسها تنظيماً غير سياسي يتوجّه لجميع القطاعات، وكانت تميل للتيار المدني “الإزراحي”. مع مضي الوقت تأسست منظمتين أخرتين ذوات هوية قطاعية وهوية سياسية: الأولى، “بيتار” التي كانت بجوهرها حركة الشباب التصحيحية (تأسست عام 1923 في ريغا) وعرفت كاتحاد رياضي أيضاً. والثانية “أليتسور” التي تأسست عام 1939 كاتحاد رياضي يمثل الصهيونية الدينية.

لم يكن تسييس الرياضة العبرية وليد الظروف التي نشأت في “إسرائيل” فحسب، بل نتيجة للتطوّرات السياسية في الرياضة العالمية. في بداية العشرينيات تأسست حركة رياضة العمال العالمية (SASI) كردّ على الأولمبيادة العالمية التي اعتبرت برجوازية. لذا كان إنشاء “هبوعيل” في “إسرائيل” جزءاً من تأسيس هذه المنظمات الرياضية. بعد فترة وجيزة من تأسيسها سنة 1927، انضمّ “هبوعيل” إلى ساسي (SASI)، وأصبح اتحاد أكبر اتحاد رياضي في البلاد وممثلاً عن المعسكر القومي الرائد بنشاط الاستيطان في “إسرائيل”، وكذلك ممثلاً عن حركة الرياضة العمّالية العالمية. أما”مكابي” فأخذت على عاتقها دمج الرياضة الإسرائيلية في منظمات الرياضة العالمية وتطوير العلاقات مع الرياضة اليهودية في الشتات. وعليه أقامت مكابي “جمعية الهواة الرياضية في أرض إسرائيل” و “اللجنة الأولمبية لأرض إسرائيل”. أما هبوعيل، ونظراً لانتمائه لـ “ساسي”، امتنع عن الاتصالات مع المنظمات المرتبطة بمكابي. ومن هنا، فقد اتهم هبوعيل من قِبل منظمات الرياضية الأخرى بابداء المصالح الأجنبية على المصالح القومية.

منذ ذلك الحين تحرّكت الرياضة الإسرائيلية في اتجاهين: الأول خارجي، الذي عبّر من خلاله عن المصالح الوطنية الصهيونية للاستيطان. وهنا استخدمت الرياضة لتعزيز الروابط مع يهود الشتات وبث الدعاية الصهيونية في العالم اليهودي لتحفيز الاستيطان، خصوصاً من خلال سفر منتخبات من “إسرائيل” إلى الخارج. هذا إضافة لتعزيز العلاقات الدولية للمستوطنات، من خلال مشاركة منتخب “إسرائيل” في المباريات التمهيدية لكأس العالم. أما المستوى الثاني فهو داخلي: تم التعبير عنه من خلال الاصطفافات والعداء السياسي بين قطاعات المجتمع الاستيطاني اليهودي. هذا العداء صعّب عملية مأسسة الحياة الرياضية في “إسرائيل”، الأمر الذي اتخذ طابعاً عنيفاً في بعض الأحيان.

ظهرت هذه الانقسامات السياسية في الرياضة الإسرائيلية داخل “إسرائيل” فقط، فيما شكّلت “مكابي” في الشتات نقطة جذب للكثير من الشبان اليهود الذين طمحوا للمشاركة في الأنشطة الرياضية واكتسبوا قيماً تربوية وفكرية قرّبتهم من الحركة الصهيونية. لم تتعامل “مكابي” في الشتات مع المشاكل القطاعية للمستوطنات اليهودية في “إسرائيل” ومعركتها لم تكن مع الداخل إنما مع الخارج، أي ضدّ الاتحادات اليهودية الممثلة عن اليهود غير الصهيونيين. فتضامن مكابي مع معسكر معين كان سيضرّ بموقف الاتحاد النقابات العام لمكابي كتنظيم غير مسيّس، كما كان سيؤدي لتشتت إضافي بين يهود الشتات. ولذلك، اندمجت أغلب الحركات العمالية في الشتات في اتحاد مكابي، مما صعّب على “هبوعيل” في “إسرائيل” في بداية سنوات الثلاثينيات إقامة “هبوعيل” أيضاً في الشتات، وبالتالي منع عملية تحويل الرياضة اليهودية الصهيونية في الخارج إلى قطاع سياسي منقسم.

رابط المادة: http://web.macam.ac.il/~galiliy/haimyair.pdf

Leave a Reply

Your email address will not be published.