مقدمة العساس | مع اندلاع معركة الحديدة على ساحل البحر الأحمر في اليمن، نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ورقة تقدير موقف حول المصالح الإسرائيلية التي تدور في تلك المنطقة التي تحولت لساحة تنافس إقليمي، والفرص المتاحة والمتوقعة مع شركاء كثر من الدول الواقعة على شواطئ البحر الأحمر، بما فيها السعودية ودول الخليج المشاركة بالمعارك باليمن. يتحدث التقرير عن الأهمية الاقتصادية والأمنية لمنطقة باب المندب، ومخاوف الاحتلال من النفوذ الإيراني هناك.

ترجمة العساس | بالنسبة لـ “إسرائيل” فإن إيران هي مصدر الخطر المحتمل والقلق الأكبر. ففي العقد الأخير عزّزت إيران وجود أسطولها في خليج عدن، بادعاء مكافحة القرصنة، ووطدت علاقتها مع السودان وجيبوتي وإريتريا بطريقة عززت وجودها العسكري النشط في البحر الأحمر، الأمر الذي يمكن استغلاله لتنفيذ اعتداءات ضدّ “إسرائيل”، بما في ذلك تهريب أسلحة للفلسطينيين. ما زالت إيران تطمح لوجود بحري في البحر الأحمر عبر دعم الحوثيين، وقد شوهدت سابقاً الأعلام الإيرانية وهي ترفرف في البحر المتوسط. من ناحية أخرى، فإن ضعف القوّات البحرية النظاميّة والقوّات الجوّيّة الإيرانية يشكّل تحدياً لنفوذها العملياتي في هذه المنطقة.

على الرغم من أن التهديد الذي يمثله القراصنة في مضيق باب المندب انخفض في السنوات الأخيرة جرّاء التصدي الدوليّ للظاهرة، إلا أن تهديداً جديداً لحرّية الملاحة ظهر مع الحرب في اليمن التي اتخذت طابعاً اقليمياً واضحاً منذ بداية المعركة السعودية ضدّ الحوثيين عام 2015. تمركز المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران على طول الساحل اليمني، واستخدموا قوارب مفخخة وصواريخ بحرية لقصف السفن العسكرية الحربية السعودية والأمريكية، وفي حالة واحدة على الأقل، ضرب الحوثيون ناقلة نفط سعودية (أبريل/نيسان2018).

تنافس إقليمي حاد ومصلحة “إسرائيل”

مع دخولها السنة الرابعة، جلبت الحرب في اليمن دماراً واسعاً للبنية التحتية وتسببت حتى اليوم بوقوع 10 آلاف ضحية إضافة لعشرات آلاف الجرحى وملايين اللاجئين والنازحين وآلاف آخرون مصابون بالكوليرا. في الآونة الأخيرة بدأت معركة على مدينة الميناء الاستراتيجية الحديدية المطلّة على البحر الأحمر، التي تعتبر ممراً لأغلب المساعدات الإنسانية لليمن، وبحسب التقديرات، هي ممر أيضاً لنقل المساعدات الإيرانية للحوثيين. إن احتلال المدينة سيوفر للسعودية والإمارات دفعة عسكرية ومعنوية، وسيمكّنهم من الضغط على الحوثيين ومؤيديهم في إيران للموافقة على تقديم تنازلات أكثر في المفاوضات.

هناك مصلحة واضحة لـ “إسرائيل” بأن تكون يد التحالف العربية باليمن هي اليد العليا، لأن وجود قوات فيلق القدس الإيراني وحزب الله في اليمن تضرّ بمصالح “إسرائيل” ويمكن أن تضرّ النقل البحري من وإلى “إسرائيل”، كما أن سيطرة الحوثيين على الميناء يحوّل اليمن إلى محطة وسيطة لتهريب السلاح لحركة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، لتشكّل بديلاً عن السودان. وفقاً لمصادر أجنبية، تملك “إسرائيل” حضوراً عسكرياً في إيرتريا ونفوذاً استخبارتياً في الساحة اليمنية، ويذكر أو الحوثيون هدّدوا سابقاً بضرب هذه المنشآت الإسرائيلية.

 

تتنامى المنافسة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بين دول شرق المتوسط ومن بينها السعودية والإمارات وقطر وتركيا، التي تسعى لفرض وجودها في الدول الأفريقية، كي تحصل على نفوذ وتبثّ قوة أبعد من حدودها. والنتيجة أن فاعلين مختلفين، بينهم دول غير صديقة لإسرائيل، يحاولون تثبيت أنفسهم على طول الحدود الجنوبية لخليج “إيلات” (أم الرشراش) وقناة السويس، وهو تطوّر من شأنه خلق مخاطر أمنية.

في إطار عملها المتنامي في القارة الإفريقية، بنت تركيا في الصومال (في مقديشو، التي تضم أكبر سفارة تركية في العالم) أكبر قاعدة دائمة لها خارج حدود بلدها. في عام 2018، وقعت أنقرة على عقد مع الخرطوم تستطيع بموجبه فرض وجود عسكري لها في السودان ومياهها الإقليمية، وبما في ذلك قواعد عسكرية في جزيرة سواكين، كما تتفاوض لإنشاء قاعدة عسكرية أخرى في جيبوتي. من جانب آخر، وقعت قطر عام 2018 اتفاقية مع السودان لإنشاء ميناء في سواكين. هذا التدخل المتزايد والمشترك بين قطر وتركيا في السودان تسبب بالفعل بأزمة علاقات بين السودان ومصر وإيريتريا، وحتى أن تقريراً نشر عام 2018 أفاد بنشر قوات مصرية في إريتريا وتأهب القوّات السودانية ضدّهم

إضافة لذلك، تعمل السعودية على إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، المجاورة لمضيق باب المندب، وقد استأجرت الإمارات في السابق قاعدة عسكرية وتعمل الآن على استئجار ميناء ومطار في الصومال ومثلهما في أريتيريا، وهي تستعين بهذه القواعد لضرب اليمن، وأحيانا لضرب جزر في الخليج الفارسي وبجزيرة قسطرى كجزء من الجهد المبذول لمنع إيران والحوثيين من تهديد حرية الملاحة في باب المندب وتهريب الأسلحة لليمن. وينبغي التأكيد أنه في معظم الحالات يدور الحديث عن مرافق عسكرية محدودة تشمل مدارج لمهابط الطائرات ومكان لمراسي السفن، وعدد من المباني والمعدّات اللوجستية، بالمقابل، فإن السعودية وتركيا والإمارات ومصر تستثمر في السنوات الأخيرة في موارد لتعزيز قواتها البحرية، الأمر الذي سيحسن من قدرتها العملية في هذا الحيز.

تتنافس دول الخليج للوصول لقواعد ومرافق عسكرية في البحر الأحمر، وتشير التقارير إلى محاولاتها للتعطيل على جهود يبذلها آخرون لتأسيس موطئ قدم في العديد من البلدان. ويبدو أن الأمر لا يقف هنا، فالتنافس بين عدد من دول الخليج وقطر انزلق صوب البحر الأحمر أيضاً، ولكن هذه المنافسة مخوّلة بإشعال التوترات الحالية والتسبب بتوترات جديدة مع وبين البلدان المضيفة. وهنا قد يثير الاهتمام النظر إلى كيفية تطوّر التقارب الأخير بين قطر وتركيا والسودان، في ظل الدفء الذي ميّز العلاقة بين الخرطوم والرياض في السنوات الأخيرة، الذي تسبب بأن تطرد السودان السفير الإيراني في الخرطوم عام 2016، وأرسال قواتها لمساعدة السعودية بالحرب باليمن.

تستفيد البلدان الأفريقية الواقعة على ساحل البحر الأحمر من مكانها الاستراتيجي بهدف تحسين وضعها السياسي والحصول على تمويل، فعلى سبيل المثال، تستضيف جيبوتي قوات فرنسية وإسبانية وإيطالية على أراضيها. يذكر أن اهتمام الدول العظمى زاد بالمنطقة، فالولايات المتحدة تملك أكبر قاعدة عسكرية في جيبوتي، والصين استكملت بناء قاعدة بحرية في جيبوتي، وهي القاعدة العسكرية الأولى خارج حدودها، التي تطوّرت بالتوازي مع القاعدة التي بنتها في غوارد في باكستان.


الأهمية الاقتصادية

تتمتع منطقة البحر الأحمر بأهمية اقتصادية كبيرة. فمضيق باب المندب الذي يبلغ عرضه 29 كيلومترا، جعله يشكل عنق زجاجة بحري ونقطة استراتيجية بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، التي يمرّ منها حجم ضخم من النقل البحري العالمي، الذي يصل إلى متوسط 5 مليون برميل نفط يومياً. كما تشكل قناة السويس مصدراً مهما للدخل المصري وكذلك ميناء العقبة وميناء جدة بالنسبة للسعودية (وهو أهم ميناء لديها) والأمر ينطبق أيضاً على ميناء “إيلات” (أم الرشراش).

تسعى السعودية، كجزء من “رؤية 2030” الطموحة، لتطوير مساحة 200 كيلومترا في ساحل البحر الأحمر وبما في ذلك 50 جزيرة صغيرة تسعى لإنشاء مشاريع اقتصادية لتدرّ على الخزينة السعودية عملة أجنبية. إضافة لذلك، هناك خطّة مصرية سعودية لإقامة جسر فوق البحر الأحمر يربط مصر بالسعودية ويمكّن عملية نقل البضائع بشكل مباشر بينها ويقرّب أسواق شبه الجزير العربية للسوق الأوروبية، وهي مشاريع يمكن أن تشارك بها “إسرائيل” ولو خفّية.

 

توصيات

لا نعرف ما إذا كان انتقال الاستراتيجية الأمنية الأمريكية من مكافحة الإرهاب إلى منافسة الدول العظمى، مثل الصين وروسيا، سيقلّل من اهتمام الإدارة الأمريكية في أفريقيا. على الرغم من التقارير التي تشير إلى عزم واشنطن تقليص عدد القوّات الخاصّة المتمركزة في أفريقيا، إلا أن النشاط العسكري الأمريكي هناك لم ينخفض حقاً. ومن المهم أن يبقى ملف القرن الإفريقي والبحر الأحمر على جدول أعمال النقاش الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، فالأولى يمكن أن تدعم العلاقات بين “إسرائيل” ودول المنطقة.

يجب على “إسرائيل” تحديد مصالحها في البحر الأحمر ودراسة ما إذا كانت سياستها الحالية تخدم هذه المصالح. يجب أن تحدّد الجهات المعنية بالتعاون والشركاء بين دول البحر الأحمر والفرص والمخاطر في ظل الوجود المتنامي لمختلف الجهات الفاعلة -بعضها جديد على هذه الساحة. وفي هذا السياق ينبغي فحص إنشاء آليات تعاون في جملة أمور، من ضمنها منع تهريب الأسلحة. بحسب تقارير أجنبية فإن هناك تعاون كبير بالفعل بملفات أخرى بين إسرائيل و جزء من الفاعلين بالبحر الأحمر. وهنا يذكر أن إشراك الفاعلين الخارجيين يخلق تضارباً في المصالح بينهم وبين البلدان الواقعة على شواطئ البحر الأحمر، مما يخلق أرضية خصبة للتعاون الرسميّ وغير الرسمي والأمني والاقتصادي والسياسي مع “إسرائيل”.

رابط المقال:http://www.inss.org.il/he/publication/%D7%94%D7%99%D7%9D-%D7%94%D7%90%D7%93%D7%95%D7%9D-%D7%96%D7%99%D7%A8%D7%AA-%D7%A2%D7%A0%D7%99%D7%99%D7%9F-%D7%97%D7%93%D7%A9%D7%94-%D7%99%D7%A9%D7%A0%D7%94/?utm_source=activetrail&utm_medium=email&utm_campaign=%D7%9E%D7%91%D7%98%20%D7%A2%D7%9C%201068

Leave a Reply

Your email address will not be published.