مقدمة العساس | بعد وصول مسيرة العودة في غزة ذروتها القصوى في 14 و15 مايو، أي بالتزامن مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ويوم النكبة. صدر هذا التقرير عن مركز دراسات الأمن القومي بعد تدهور صورة إسرائيل وفشلها في صياغة رواياتها وبثها في العالم في حين أن الفلسطينيين نجحوا في حشد العالم والمجتمع الدولي نتيجة قدراتهم العالية في بناء صورة نضالهم في شبكات التواصل والإعلام وبثها على نطاق واسع مما أعاد قضية غزة واسم فلسطين لمحور وواجهة القضايا العالمية العادلة. يعرض هذا التقرير توصيات للاحتلال لتحسين أدائه مقابل ما يبتكره الفلسطينيون من وسائل خلاقة تقلب موازين القوى بأبسط الأدوات.

 

ترجمة العساس|تواجه جهود الدعاية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين عدة تحديات:

 أفضلية الصورة لدى الطرف الضعيف وتأثيرها على الرأي العام: يعيش الفلسطينيون تحت الحصار الإسرائيلي في ظل أزمة إنسانية آخذة بالتعاظم. وعليه يحاول أهل القطاع إعادة الوضع المأساوي الذي تعيشه غزة إلى واجهة الأجندة العالمية، كما ورد في الصفحة الرسمية لهيئة القيادة العامة للمسيرة على فيسبوك: “وصول الآلاف إلى السياج الفاصل ستحرج الاحتلال وتستقطب دعم وسائل الإعلام لصالح شعبنا” بالمقابل، تصوير “إسرائيل” كطرف قوّي يميل لاستعمال العنف ضدّ المدنيين العُزل.

حضور مواطني غزة وعلى رأسهم النساء والأولاد على الجبهة ضد قوات الاحتلال تؤكّد على خلل التوازن، حيث أن  كل استخدام للعنف سيصنف على أنه مفرط ومتطرف. وهكذا تخلق سردية البطولة الفلسطينية. حوّلت حماس المواجهات من المستوى العسكري، حيث تميل موازين القوى لصالح “إسرائيل”، إلى المستوى المدني وإلى معركة وعي. وحسب ما صرّح أحمد أبو رتيمة، أحد منظمي المسيرات ولا ينتمي لحركة حماس: “بدأ الفلسطينيون يؤمنون بالقوة الناعمة التي بين أيديهم. هذه التظاهرات السلمية سوف تحيّد إلى حد كبير ترسانة السلاح في يد دولة الاحتلال، إن خيار استخدام القوة كانت ممكن أن تكون مفيدة مع خمسة آلاف متظاهر ولكن تأثيرها يتقلّص مقابل مئتي ألف متظاهر… فإن مسيرات العودة تملك وضوحاً أخلاقيا بعزّز احتمالات نجاحها، فهي تنادي بعودة اللاجئين لديارهم بطريقة سليمة”.

صورة بآلاف الكلمات: تكفي صورة واحدة جيدة لإحداث تأثير بالوعي. أحداث مسيرة العودة بتوقيتها ذاك قدمت صورة منفصلة في وسائل الإعلام وسائل التواصل الاجتماعي. صورة المتظاهرين في غزّة أمام رصاص الجيش، وصور احتفالات افتتاح السفارة الأمريكية في القدس بحضور مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين.

بين الإرهاب وتظاهرات مدنية شرعية: فشل الاحتلال الإسرائيلي في نزع شرعية المظاهرات ووصمها كنشاط إرهابي منظّم. كان الفشل متوقّعاً من البداية، فمنذ البدء سعى منظمو المسيرة للتظاهر سلمياً ولكن تدخّل حماس في المظاهرات أدى للانزلاق للعنف وإلى رد فعل إسرائيلي أوقع الكثير من المصابين. كان من الممكن أن تستغلّ “إسرائيل” ذلك لإيصال رسالة للجماهير الفلسطينية تحمّل فيها حماس مسؤولية وقوع جرحى. سعت إسرائيل أيضاً لتقليص حجم المظاهرات بواسطة إيصال رسائل ردع للمتظاهرين تحذرهم فيها من الاقتراب من السياج. بيد أن انحسار حجم الاحتجاجات كان بقرار من حماس نتيجة للضغط المصري الذي رافقه فتح معبر رفح البري لفترة معينة، وضغط قطري، وكذلك ردع الشباب الغزيّ من الاستمرار بالتظاهر وإقناعهم بعدم جدواها وسط عدد الضحايا الكبير.

 

صورة الوضع القائم في نظر المجتمع الدولي: حتى 14 مايو كان قد استشهد أكثر من 60 فلسطينياً على طول السياج، وكان الضغط العالمي معتدل نسبياً على إسرائيل وذلك بسبب عدد الشهداء المنخفض نسبياً في معظم المظاهرات، ويرجع ذلك بالأساس إلى أحداث أخرى في الساحة العالمية وفي مقدمتها انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران والتصعيد بين إيران و”إسرائيل” في سوريا وإمكانية عقد قمة بين أمريكا وكوريا الشمالية. وفي يوم نقل السفارة للقدس وصلت المظاهرات ذروتها. وارتفع عدد الشهداء وزادت الضغوط الدولية على الاحتلال وتمثلت باتخاذ إجراءات دبلوماسية قوية مثل أزمة سفراء تركيا وجنوب أفريقيا، وتوجيه انتقادات قاسية في وسائل الإعلام الدولية والإدانات القاسية التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي والندوات العالمية، ما شمل قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بإقامة لجنة دولية للتحقيق في الأحداث.

توصيات: تمكنت الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة العسكرية من إقناع الرأي العام الإسرائيلي أن الجيش قام بتأدية وظيفته بصورة شرعية، وهذا لا يتطلب جهداً كبيراً، لأن معظم الجمهور الإسرائيلي يدعم بالفعل منع المظاهرات وأنشطة قوات الأمن، لاعتقادهم أن حماس منظمة إرهابية مسؤولة عن أعمال الشغب التي رافقت المظاهرات على السياج. وقال مسؤول رفيع المستوى في حماس إن الغالبية العظمى من الضحايا كانوا أعضاء في المنظمة لذلك لا يمكن الحديث عن مظاهرات سلمية. ومن ناحية أخرى، أخفقت إسرائيل في نقل رسالة بهذه الروح للجماهير الفلسطينية والمجتمع الدولي، ولا سيما في سياق الإغلاق المستمر والوضع الإنساني الصعب. صور القناصة الإسرائيلية أمام المتظاهرين والطائرات الورقية الحارقة، عززت الصورة التي أراد الفلسطينيون خلقها.

فيما يتعلّق بالجمهور الفلسطيني، ليس هناك أهمية لحرب الوعي التي يتم تفعيلها (من قِبل إسرائيل) في أوقات الأزمات فقط إذا لم يكون هناك أساس مفاهيمي بين أطراف الصراع حول دور حماس في الأزمة المستمرة في غزة. هناك حاجة لجهد متواصل متعدّد المجالات يشمل المكوّن الإنساني والاقتصادي والمدني والدبلوماسي والإعلامي، للتأثير في عملية صقل المفاهيم الأساسية لسكان غزة، لا سيما في خلق حالة تقبل وانفتاح على على الرسائل الإسرائيلية (العلنية والسرية) استعداداً نشوب مواجهة مستقبلية.

شبكات التواصل

أما بالنسبة لشبكات التواصل الاجتماعي فهي الساحة المركزية لمعركة الوعي. مدة النشاط والاستمرارية والحيز هي عوامل مهمة جداً في تشكيل المفاهيم. تبرز الحاجة إلى فيض من الرسائل التي تتردد باضطراد في وسائل التواصل الاجتماعي لتعميق الانشقاقات بين حماس وسكان غزة عبر تسليط الضوء على القضايا التي يتم التعبير فيها عن النقد ضدّ حركة حماس، مثل مشروع الأنفاق الرائد وثمنه الباهظ في ظل الوضع الإنساني المتدهور بالمنطقة. هذه الرسائل من شأنها أن تعطي المزيد من الثقة وتشجع أولئك الذين ينتقدون سلوك حماس على التعبير عن رأيهم.

وفي مواجهة المجتمع الدولي، ومن أجل تعزيز الروايات التي تدعم المصالح الإسرائيلية، من الضروري خوض معركة  على منصات التواصل الإجتماعي من خلال إغراقها بالرسائل المؤيدة لإسرائيل. تطلب هذه المعركة تسخير عدد كبير من الناس لمكافحة من يسيئون لسمعة دولة إسرائيل وأنشطتها إضافة لنزع شرعية الخصم. يجب دعم وتعزيز نفوذ منظمات مثل ACT.IL (المبادرة الإسرائيلية المدنية للمتطوعين الناشطة لأجل “إسرائيل” في شبكات الإنترنت)، التي تعمل على نشر المضامين المؤيدة. يجب التأكيد على أن الفلسطينيين ينشرون في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف مقابلات وصور وفيديوات، بالمقابل يركز النشاط الإسرائيلي على التصريحات الرسمية للناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي في وسائل الإعلام التقليدية وعادة ما يكون متأخراً كثيراً عن حماس.

اضافة لذلك هناك حاجة لتقليص الإصابات المميتة للفلسطينيين، عدد المصابين المرتفع في أوساط الفلسطينيين قد يحقّق هدفه بردع الفلسطينيين ولكن من جهة أخرى ربما يؤدي لاشتعال الأحداث. أما بالنسبة للأمم المتحدة فسوف ترى ذلك من منظور سلبي سواء كانوا مدنيين أو أعضاء حركة حماس.

المعركة بين إسرائيل وحماس وقطاع غزة، كما تجلّت في الشهرين الماضيين في مسيرات العودة، هي امتحان لاستراتيجية الوعي الإسرائيلي. و هذه السلسلة من الأحداث المتصاعدة تتيح فرصة لكلا الطرفين لاكتساب خبرات جديدة. على إسرائيل تطوير وعيها أمام ثلاثة جماهير مستهدفة، وهي: الفلسطينيون، المجتمع الدولي، والإسرائيلي، ومن ثم السعي لتحسين التنسيق بين العناصر العسكرية والعناصر المدنية.

المصدر: https://bit.ly/2IXBDCq

Leave a Reply

Your email address will not be published.