مقدمة العساس | رغم مرور 71 عامًا على سيطرة “إسرائيل” على القرى والمدن الفلسطينية التي احتلتها عام 1948، لم تنجح محاولات محو هوية الفلسطينيين المقيمين فيها، إلا أنهم يمرون حتى الآن بظروفٍ صعبة تتضمن مواجهة المخططات الإسرائيلية  ضدهم، ضمن أبسط نشاطات حياتهم اليومية، سيما مع إهمال قضيتهم ونسيانهم عربيًا كونهم يحملون الجنسية الإسرائيلية.

هذا المقال يوضح أوضاع بيوت العرب في كبرى المدن المحتلة، ويشرح المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى تفريغهم من مدنهم، سواء من خلال تطبيق قوانين عنصرية وجائرة، أو من خلال الإهمال الخدماتي.


ترجمة العساس | يعيش أكثر من 90 ألف عربي في المدن الخمس المختلطة، أي ما نسبته 10% من مجمل السكّان العرب في الداخل المحتل، موزعين بنسب 4.4% في يافا-تل أبيب، و20% في اللد، و19% في الرملة، و26% في عكا، وذلك بحسب نتائج دراسة أعدتها مؤسسة “شتيل”.

جزء كبير من العرب في يافا يعتبرون اليوم كـ “سكان محميين” في بيوت تملكتها شركة “عميدار وحلميش”، وذلك بعدما اندلعت في المدينة “انتفاضة السكن” عام 1996، وكانت مصحوبة باقتحام المنازل، حينها تعهدت وزارة الإسكان الإسرائيلية بإنشاء مئات الوحدات السكنية للعرب، إلا أن إدراج الأحياء العربية في مشروع التجديد وزيادة إهمال احتياجاتهم، هو الواقع المستمر منذ عام 1987.

(عميدار هي: الشركة القوميّة للإسكان في “إسرائيل”، هي شركة حكوميّة تأسّست عام 1949).(1)

في جلسة جرت في مارس 2018 في سلطة دائرة أراضي “إسرائيل”، كشفت الجهات المشتركة في الجلسة ومن بينهم مدير قسم الصفقات أريئيل موزيس ومحامي الدائرة، أن رئيس بلدية اللد طلب تجميد بيع 500 شقة من شقق “عميدار” في المدينة.

ويذكر أن الوحدات السكنية التي تملكها سلطة التطوير أو كما تعرف اليوم  “عميدار” منها 56 وحدة سكنية فارغة فقط، والباقي مأهولة بالسكان الذين يدفعون مقابل الإقامة، ويطالبون بحقوقهم، لكن طلب رئيس البلدية يحول دون ذلك. (2)

في عام 2009، صدر 500 أمر إخلاء وهدم ضدّ بيوت السكان العرب المحمية في يافا، على أساس قيامهم ببناء إضافات أو تقسيمهم منزلهم إلى غرف أصغر، وبسبب ذلك تدعي سلطة دائرة أراضي “إسرائيل” وعميدار أن الأمر غير متعلق بالشأن القومي، بل هو إجراء اقتصادي عادي.

منذ 1948 وبعدها بـ 30 عامًا، ظلت مدينة يافا مهملة بسبب عدم معرفة عميدار لقيمتها في جذب الطبقات الغنية العليا، إلا أنه مع عمل السوق الحرة وشراء المنازل من أصحابها، بدأ السكان في التغير، وتذكرت عميدار المدينة المهمة. (3)

ما حدث في يافا سيحدث لعكا، إذ صدرت أوامر إخلاء بحقّ البيوت العكية في عام 2011، ويقول السكّان والحقوقيون إن الهدف منها هو تهويد المدينة.

من جهتها، وصفت د. الفرن: ما يحدث في عكا ويافا بعملية إحلال الطبقة الغنية مكان الطبقة الفقيرة، أي أن السكان الأقوياء سيدخلون إليها من أجل اعتبارات اقتصادية وعقارية، وسيعملون على دفع السكّان الأصليين إلى الخروج من بيوتهم.

وتوضح الفرن أن هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها تشجيع عمليات التجديد الحضري التي لا تستثني بالضرورة السكان العرب الأصليين، ويجب أن يتم التطوير العقاري بالتعاون مع السكان العرب. (4)

القوانين:

أملاك سلطة التطوير هي أملاك الغائبين التي كانت بملكية العرب قبل النكبة عام 1948، وحصل ذلك عندما لم يتواجد أصحابها في مكان سكنهم عند إحصاء هذه الأملاك، وبذلك أصبحت تحت وصاية “أملاك الغائبين”، وفيما بعد تحوّلت إلى سلطة دائرة أراضي “إسرائيل” ومن يدير هذه الأملاك عمليًا هي شركة عميدار.

أمّا من يسكن في هذه البيوت فهو يسكنها بموجب قانون حماية الساكن المعدل لعام 1972، بعدما تم سنه لأول مرة في فترة الانتداب البريطاني بسبب موجات الهجرة اليهودية للبلاد، وكان الغرض منه اجتماعيًا وبعيدًا كل البعد عن هدفه الحالي بتنظيم أملاك الغائبين.

الوضع الاقتصادي الاجتماعي

ومن أجل فهم المشكلة القائمة في التعامل مع أملاك الغائبين، يجب التطرّق إلى وضع المجموعة السكانية الضعيفة، وعند أخذ عكا كمثال، فهي من بين أكثر المدن التي يمكن أن تكون فقيرًا فيها، وأغلب من يسكن هذه البيوت هم العرب الذين يتقاضون رواتب التأمين الوطني ومسجلين في قسم الخدمات الاجتماعية في البلدية.

ويأتي انعدام الثقة بين العرب والسلطات الإسرائيلية، من الخلفية التاريخية والإعلان عن أملاك الغائبين وشعور العرب بالحرمان والاغتراب في مدنهم، وإهمال السلطات الإسرائيلية لهم ولممتلكاتهم التي يعيشون بها، وتزايد هذا الشعور في عكا في السنوات الأخيرة بسبب الحالة المزاجية في المجتمع العربي والخوف من أن تحاول المؤسسة بطرق مختلفة استبعاد السكان العرب من عكا القديمة، من خلال تشجيع التسلل القومي اليهودي وإهمال نظام التعليم العربي.

قضية أوامر الإخلاء

تعتبر قضية أوامر الإخلاء قضية عامة وليست قضية عائلة واحدة أو مدينة دون الأخرى، ويبدو أن دائرة أراضي “إسرائيل” والحكومة الإسرائيلية وعميدار والكنيست كانوا متورطين بها وتقع عليهم مسؤولية إيجاد الحلّ.

في الوقت الحالي، لا يوجد معطيات جديدة من عميدار، إلا أنه من المرجح ارتفاع أرقام أوامر الإخلاء، إذ وجد في عكا عام 2007 أن هناك 163 أمر إخلاء من أصل 807 بيت في ملكية عميدار، و55 من بين هذه البيوت تم إخلاء سكانها بالفعل. (5)

وفي شأن متعلق، تم إخلاء منازل من حي العجمي في يافا بحجة فرض القانون دون أي تعويض يذكر للسكان، بينما في “جفعات عامال” و”كفار شاليم” تمّ إخلاء السكان من أجل ترميم البيوت وتحسين البنى التحتية، وتم التعويض بسكن بديل أو بتعويضات مالية وإن لم يستحق ذلك حسب القانون.

وتكمن مشكلة قانون “الساكن المحمي” أنها تحرم مالك البيت الفلسطيني من أبناء الجيل الأول من تملّك بيته الذي كان بملكتيه عام 1948، أما الجيل الثاني للنكبة أي الأحفاد فلا يمكنهم تملّلك البيت أيضًا إلا إذا عاشوا فيه، وحتى إن تملكوه فهم ممنوعون من ترميمه، بينما الجيل الثالث ممن يسكنون في بيت أجدادهم فهم بعرف القانون الإسرائيلي يعتبرون غزاة في بيوتهم التي ولدوا فيها، لأن الجيل الأول يورث البيت لمرة واحدة فقط.

وحسب المحامية أورلي إرياف يعتبر قانون “الساكن المحمي” من أعقد وأصعب القوانين حتى على المختصين القانونيين الذين يصعب عليهم فهمه.

عرض أملاك الغائبين للبيع

قررت دائرة أراضي “إسرائيل” عرض أملاك الغائبين للبيع وترك الأمر للسلبيات أكثر من الإيجابيات، إذ أن الكثير من السكان لا يستطيعون حتى الآن تسديد دفعات منازلهم، وإخلاء الجيل الثالث وبيع ممتلكاتهم بالسوق الحرة، إضافة لإخلاء المسؤولية عن المجموعات السكانية الضعيفة التي ربما تجد نفسها دون مأوى. (6)

 

المصادر

1. جلوبس: https://bit.ly/2DFYe1K
2. جلوبس: https://bit.ly/2GTPS8A
3. هآرتس: https://bit.ly/2JfH2Uz
4. كالكليست: https://bit.ly/2vyMidz
5. هكلنيكا همشبطيت: https://bit.ly/2PO8WIx
6. بمكوم : https://bit.ly/2WcN8se