مقدمة العساس | واجه الاحتلال الإسرائيلي عمليات متعددة لخطف جنوده خلال الحروب المختلفة. لا يمكن تجاهل قصة “رون أراد” وفشل الاحتلال باستعادته حياً أو ميتاً من جنوبيّ لبنان، فقد تحول هذا الفشل إلى ورقة رابحة بيد منفذي عمليات الخطف اللاحقة، أبرزها صفقة “شليط”، إذ أصبح آراد أيقونة فشل دفعت المجتمع الإسرائيلي للضغط على حكومة نتنياهو لإتمام الصفقة.

ترجمة العساس | الفشل الاستخباراتي، والتنازل عن صفقة مع حركة “أمل”، وإبقاء بطاقة التفاوض بيد حزب الله لفترة طويلة، ثلاثة فرص أضاعتها “إسرائيل”، ساهمت  فقدان الطيار “رون اراد”.

عام 2016 أتم “رون آراد” ثلاثين عاماً من الاختفاء، فنحن نتحدث عن قضية اختفاء طيار سلاح الجو “الإسرائيلي” في لبنان، وقد شكلت قضيته لغزًا عصياً على الحل، رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها “إسرائيل” في محاولة الكشف عن مصيره. فقد استعصى على أجهزة المخابرات تقديم دليل قاطع حول ما حدث للطيار رغم وجود تقارير ومعلومات للمخابرات وللجيش، لكن تقدير أجهزة المخابرات اتجهت لأن “اراد” مات في الأسر قبل عشرين عامًا على الأقل. إلا أنّ الدولة لم تحسم موته ولم تعلنه بشكل رسمي. بطبيعة الحال، تمثل قضية “اراد” شبحًا ومأساة تراجيدية لعائلته وأصدقائه، كما أثرت بشكل قوي على الجيش وعلى فكرة الاستهتار بالجنود وهم أسرى بيد العدو.

السقوط في الأسر

سقط الجندي “اراد” في الأسر في 16 أكتوبر/تشرين أول 1986 عندما كان يقصف مواقع لمنظمة التحرير في المخيمات الفلسطينية، إذ سقطت طائرة “الفانتوم” التي قادها “اراد” و الطيار “أفيرام” بسبب حدوث خطأ تقني وانفجار عبوة ناسفة في الطيارة أثناء القصف، وقد نجح الطياران بالهروب من الطائرة عبر المظليات. أُنقِذ الطيار الآخر بفضل مقاتلات الجو “الإسرائيلية” لكن “اراد” الذي كان مُصابًا، وقع في أيدي ميليشات حركة أمل الشيعية، وكان المسؤول الأول عنه “مُصطفى الديراني” القيادي في حركة “أمل” والذي استقال منها لاحقًا، في العام 1988 أُخذ “اراد” من الديراني على يد “الحرس الثوري الإيراني” في لبنان.

منذ هذه اللحظة بدأت تتداخل تخمينات عدة حول مصيره، ففي العام 2005 قررت لجنة “امان” أي الاستخبارات – التي رأسها الجنرال “أهرون زئيف فركش” أن الطيار “اراد” قد مات في الأسر في لبنان في سنوات التسعينات بسبب المرض، وفي الأسابيع الماضية نشرت تحقيقات تابعة للموساد في للقناة “الإسرائيلية” الثانية تفيد بأن “اراد” قد مات قبل ذلك، أي عندما فقد الديراني السلطة عليه، وقد خُطف “مصطفى الديراني والشيخ عبد الكريم عبيد وجواد الكسبي” على يد “إسرائيل” في لبنان كجزء من الجهود لمعرفة مصير “اراد” وللضغط على حزب الله لإنهاء القضية، ولم يصل “الإسرائيليون” أثناء التحقيق مع الديراني إلى أي تقدم، وأُفرج عن المعتقلين في صفقة دون أي معلومات حول مصير الطيار.

في حديث مع متقاعدين من السلطة الاستخباراتية وأشخاص كانو ضمن فريق البحث والتفاوض مع حزب الله، تبين أن هناك ثلاثة إخفاقات وفرص ضائعة لدى “إسرائيل” في هذا الملف: أولًا يتم التطرق إلى الفشل الاستخباراتي على مدار قضية “اراد” كفرصة ضائعة تحديدًا في موضوع إبرام صفقة تبادل مع حركة أمل، إذ ضمنها كان بالإمكان أن يعود “اراد” حيًّا، في نهاية العام 1988 حتى اليوم امتعنت القيادة السياسية أن تحسم الأمر في موت “اراد” ويمكن الإضافة هنا، أن عملية خاصة من أجل استعادته كانت مستحيلة.

رافق الفشل الاستخباراتي هذه القضية وتكرر هذا الفشل عند تغيرات مختلفة، حتى بعد مرور عشرين عامًا، عندما اختُطِف الجندي “جلعاد شاليط” على يد حماس في غزّة، وعلى الرغم من الجهود العظيمة التي بذلتها إسرائيل، من خلال ملايين الدولارات واستخدام كل الأدوات والتقنيات التكنولوجية المتطورة، إلا أنها لم تتوصل إلى مكانه، ولم تتوفر معلومات كافية لتنفيذ عمليات خاصة، وعندما توفر الأول لم يتوفر الآخر ولم تكن هناك إمكانية لإنقاذه بدون تعرضه للأذى.

التخبط فاق كل التوقعات في قضية شاليط، إذ إن الجهاز الذي يستطيع أن يصيب “إرهابيَّا” يتنقل في سيارته بدقة، كما يستطيع أن يفجر قوافل السلاح لدى حزب الله في سوريا وحتى المفاعل النووي التابع لشمال كوريا في قلب سوريا، لم يستطع تحديد إحداثيات جندي مخطوف على بعد كليومترات في قلب غزة، التي تدار بأيدٍ إسرائيلية.

تكمن الفرصة المركزية الضائعة في طيات المفاوضات، فقد نُشرت القصة مرات عدة، وتم التطرق إليها في صحيفة “يديعوت أحرونوت” – روني بيرجمان- إسرائيل ستفعل كل شيء”. ضمن جهود رجل المخابرات “أوري لوبراني” تلقت “إسرائيل” رسائل وصورًا لـ”اراد”، حينها كان رئيس الحركة “نبيه بري” إذ كان أقل حدة من حزب الله، وعبَّر عن قبوله صفقة ما، إذ يُستَرَد “اراد” في مقابل أن تطلق “إسرائيل” سراح أسرى لبنانيين، أسروا بيد جيش جنوب لبنان “جيش لحد” في سجن “الخيّام” في الجنوب، كما طالب “بري” أيضًا بمبلغ من المال وطلب لاحقًا أسلحة.

لكن “يتسحاق رابين” رفض حينها الصفقة، بعدها طالب “بري” بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين كانوا ضمن منظمة التحرير، طبعًا هذه صفقات بسيطة نسبة لصفقة “شاليط وإلحنان طننبويم” والثمن الذي دفعته إسرائيل، وحينها كان رابين لا يزال متأثرًا في صدمة صفقة “جبريل” عام 1985 إذ تحرر 1150 أسيرًا مقابل جنود “إسرائيليين” خطفوا في لبنان.

نظر الإسرائيليون إلى صفقة جبريل حينها على أنها خضوع “إسرائيلي” أمام الإرهاب، ويقال أن الانتفاضة الأولى كانت مشتعلة جدًا بسبب مشاركة الأسرى الذين تحرروا عام 85 في صفقة جبريل، ويقال أيضًا “إسرائيليًا” أن رفض الصفقة كان فقط بعد زيادة مطالب بري، بعدها بفترة فقدت حركة أمل “اراد” لانفصال الديراني عن حركة أمل وأخد أسيره معه خارج الحركة.

أما عن الفرصة الثالثة الضائعة، وهي لا تُناقش كثيرًا، لكنها تتعلق في الإعلان الرسمي عن “اراد” كقتيل، الاستنتاج المركزي الذي يؤدي بنا إلى موت الطيار المفقود قد توصل إليه رجال الاستخبارات في سنوات التسعينات، ففي بداية العام 2000 قررت لجنة برئاسة القاضي “الياهو فينوجراد” أنه لا يمكن الإعلان عن موته. في العام 2005 توصلت الاستخبارات إلى استنتاج مختلف، وبعد تحليل عميق للأدلة وبسبب النهج الذي انتهجه حزب الله وايران في موضوع “اراد” حسمت الاستخبارات موقفها بأن “اراد” قد مات، حينها رفض شارون تقبل الفكرة وأن الإعلام سوف يسحب قوة كبيرة من تحت أرجل حزب الله، رد عليه “شارون” حينها: إياك وأن ترفع هذا الحجر. وفي محادثات مختلفة مع حزب الله – بخصوص استرداد جثامين جنود خطفوا في العام 1996 حتى 2004- طلبت”إسرائيل” مجددًا استرداد “اراد” لكن لم يتحقق أي تقدم، وعندما انتهت صفقة “طننبويم” بوساطة ألمانية، أبقت “إسرائيل” في يدها بطاقة ضغط واحدة، في المرحلة ب من الصفقة، كان من المفروض أن يقدم حزب الله معلومات عن مصير “اراد”، لكن حزب الله لم يقدم أي معلومات وبهذا تأخر الإفراج عن سمير القنطار وانتهت الصفقة.

المصدر: هآرتس http://bit.ly/2kL8TfA

Leave a Reply

Your email address will not be published.