مقدمة العسّاس | تجنّب الاحتلال الإسرائيلي تبنّي العمليات والغارات التي اتهم بشنّها على أهداف في سوريا خلال سنوات الحرب الست، إلا أنه مؤخراً أعلن مسؤوليته عن استهداف قافلة عسكرية تابعة لـ “حزب الله”، ما استدعى رداً بصاروخ سوريّ سمعت أصواته من عدة مدن في فلسطين والأردن. هذا التبنّي يأتي في ظل محاولات دولية للتوصل لتسوية، التي في الغالب لن يكون الاحتلال جزءاً منها، وهو ما يستدعي السؤال، هل سيتحوّل التدخل الإسرائيلي في سوريا إلى تدخل علنيّ بهدف التأثير على نتيجة التسوية؟

ترجمة العسّاس | بعد مرور أكثر من 6 أعوام مليئة بالدماء في سوريا، ووقوع نصف مليون قتيل (معظمهم مواطنون) وملايين اللاجئين، بدأت تزداد في الآونة الأخيرة بوادر انتهاء الحرب الأهلية في سوريا- التي بدأت كثورة مدنية، وتحوّلت لاحقاً إلى حرب بين تنظيمات مسلحة واستمرت لتصبح حرباً بين أطراف تتنازع من أجل السيطرة على المكان بالتعاون مع القوى الإقليمية والقوى العظمى الأكثر سيطرةً في الشرق الأوسط.

طرأ التحول في سبتمبر/أيلول 2015، حين قرر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين التدخل عسكرياً في سوريا، بهدف الحفاظ على نظام الأسد. وقد وصلت إنجازات الحلف الداعم للأسد بقيادة روسيا وبالتعاون مع إيران و “حزب الله” إلى أوجها بعد سقوط مدينة حلب في ديسمبر/كانون الأول عام 2016. هكذا تم الحفاظ على نظام الأسد في “العمود الفقري” السوري، حيث تقع مراكز السيطرة. عقب ذلك، انطلقت محاولات سياسية بقيادة روسيا للتوصل إلى تسوية تشمل وقف إطلاق نار دائم وتحديد أسس الفترة الانتقالية، كجزء من تغيير الوضع السوري والنظام في المستقبل.

زيادة التدخل الإسرائيلي؟
بعد أن فهمت “إسرائيل” أن مرحلة القتال الأساسية في الحرب الأهلية السورية قد انتهت، والتي ظلّت خلالها مشاهِدة لسفك الدماء المتبادل بين أعدائها، وأن هناك حملة جديدة لتغيير الواقع السوري، خرج رئيس الحكومة نتنياهو للقاء الرئيس بوتين. تمحور اللقاء حول استياء “إسرائيل” من السيطرة الإيرانية في سوريا ومن توقعات بقاء قواتها هناك في إطار قرار التسوية المستقبلي.

بالإضافة إلى ذلك، شددت “إسرائيل” على خطوطها الحمراء وأهمها هي منع امتداد السيطرة الإيرانية في جنوب سوريا، أي في المواقع التي تساعد “حزب الله” و/او القوات التي تعمل لصالح إيران.

وفي هذا السياق يذكر أن المحاولة السورية لاعتراض الطائرات الإسرائيلية، التي شُنت بواسطة صواريخ أرض-جو من نوع “س.أ 5” تدل على جودة المواقع التي استهدفت وعلى أن هناك تغييراً ممكناً لقواعد اللعبة: وربما تكون القاعدة الجديدة هي أن سوريا لن تترك هجوماً إسرائيلياً دون رد. وهنا يذكر أن دعوة السفير الإسرائيلي إلى موسكو مؤخراً لمحادثة توضيحية عقب الحادث، كانت من أجل التشديد على استياء روسيا من “إسرائيل” ومن اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية لتستهدف عمق سوريا.

تتعامل روسيا مع “إسرائيل” على أنها قوة إقليمية ذات تأثير على مجمل التطورات في الساحة السورية. كما أن من مصلحتها ملاءمة خطواتها في المنطقة مع “إسرائيل” لتجنب أي احتكاك عسكري معها، وعليه فإن هناك تنسيق أمني بين الطرفين فيما يخص الساحة السورية، والذي أظهر نجاعته بالفعل. من جانب آخر، تعي روسيا رغبة “إسرائيل” بكبح النفوذ الإيراني في المناطق المجاورة لحدودها، وحساسيتها من وجود إيران في سوريا، وعليه فإن روسيا تدعم التنسيق الاستراتيجي مع “إسرائيل” فيما يتعلق بمستقبل الأزمة السورية.

من ناحيتها، تشير إيران إلى عدم تخوفها من المطالب الإسرائيلية حول منع سيطرتها على المناطق الحدودية بين “إسرائيل” وسوريا، وتضيف أنها حوّلت ميليشيات شيعية وقوات “حزب الله” إلى درعا من أجل دعم قوات الأسد بمحاولة جديدة للسيطرة على المدينة الجنوبية. كما أن الإيرانيين أعلنوا إقامة قوة جديدة في إطار الميليشيات الشيعية العراقية، وهي “حزب الله النجبة” التي تحارب في سوريا تحت أوامر إيران.

تشعر “إسرائيل”، التي لم تتدخل بالشكل الكامل في سوريا، أنها عديمة التأثير على التسويات التي تُرسم الآن في موسكو وطهران وأنقرة وأستانة وجنيف. وقد اضطر رئيس الحكومة نتنياهو أن يلتقي للمرة الرابعة مع بوتين منذ 2015 من أجل عرض تخوفه وخطوط “إسرائيل” الحمراء مرة أخرى. بالمقابل، زار الرئيس التركي أردوغان موسكو ومن المحتمل أنه التقى بوتين للحديث حول الموضوع ذاته. قريبًا، من المتوقع ان تُعقد في موسكو زيارة للرئيس الإيراني روحاني، ومن هنا ستحاول روسيا التخفيف من مخاوف جميع الفاعلين ونقل الرسائل بينهم بطرق سرية، لتلعب بذلك دور الوسيطة. نؤكد أن داخل هذه المنظومة، تلعب الولايات المتحدة دوراً ثانوياً، ولا تقف بالواجهة.

يظهر وجود “إسرائيل” في الحملة الجديدة كفاعل أكثر نشاطاً وأقل سرية. وهو ما يظهر في تصريحات نتنياهو الذي تطرق إلى الهجوم الإسرائيلي الأخير على سوريا، قائلاً: “سياستنا متّسقة، حين نلاحظ محاولات لنقل أسلحة متطورة إلى “حزب الله” سنعمل على منعه، فإن  لدينا القوة الاستخباراتية والجاهزية العسكرية لذلك. إن هذا ما جرى من قبل وهذا ما سيجري في المستقبل. أستطيع التحدث عن إصرارنا، إنه صلب، وعلى كل واحد أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار، جميعاً”.
هذه الأقوال تشير إلى قرار “إسرائيل” بزيادة تدخلها في سوريا، على ضوء تغيّر موازين القوى التي ستؤثر سلباً عليها. السؤال الأكبر هو، إلى أي مدى ستحافظ “إسرائيل” على إصرارها بالحفاظ على “الخطوط الحمراء” التي وضعتها لنفسها ومنع تكثيف وجود “حزب الله” وأعوان إيران في سوريا على الحدود وتعاظم قوّتهم؟ وكيف ستفعل ذلك من دون أن تضعضع علاقاتها الخاصة مع موسكو ودون التوصل إلى تسوية واسعة في الساحة الشمالية.

المصدر: مركز أبحاث الأمن القومي
http://heb.inss.org.il/index.aspx?id=4354&articleid=13176

Leave a Reply

Your email address will not be published.