مقدمة العساس | إذا كان التوجه اليميني يُسيطر على مقاليد الحكم في “إسرائيل” منذ 2001، فهذا لا يُعبّر عن قوة وتأثير الإيديولوجيا فقط، إنما يظهر حالة الضعف الكبير التي عصفت بالتيار الليبرالي والوسطيّ الإسرائيلي، سيما حزب العمل الذي لم يشكل أي قوة وازنة في الكنيست منذ زمنٍ بعيد.

هذا المقال المترجم عن موقع ميدا الإلكتروني، يناقش سياسة الهويات، التي قد تكون السبب الرئيسي في حالة الانهيار السياسي لدى حزب العمل الإسرائيلي.


ترجمة العساس | تقسيم المجتمع الإسرائيلي لمجموعات حسب بلد الهجرة، أو الجندر، أو الميول الجنسي، هو من يقرر الطريقة التي يتصرّف وفقها الفرد، أو يفكّر بها، أو حتى يصوّت من خلالها بالانتخابات. وإذا كان أتباع سياسية الهويات في الولايات المتحدة يعتقدون أن أبناء الأقليات سيصوتون للحزب الجمهوري، فإن أتباع نفس السياسية في “إسرائيل”، ينظرون إلى اليهود المتدينين أو المستوطنين على أنهم “أصل الشرور”.

انهيار انتخابي

تتسم سياسة الهويات بالجهل والأفق الضيق والرؤية البسيطة التي لا تشجع هويات صحية وقوية، وهي عمليًا تستغل هوية الأقليات من أجل تفكيك هوية الأغلبية، لهذا ظنّ أفراد حزب العمل أنهم فرسان قبول الآخر والاهتمام بالأقليات، لدرجة أنهم خسروا أغلب ناخبي حزب العمل.

تظهر هذه الفكرة بشكل واضح في كتاب مارك ليلا، عن الانهيار الانتخابي للحزب الديمقراطي الأمريكي في انتخابات عام 2016، الذي قال إنه مدمن على خطاب الهوية، وفقد القدرة على الإقناع، وأثار رد فعل عنيف من الأغلبية البيضاء.

وعلى أرض الواقع، تظهر فكرة الكاتب مارك ليلا بتعاطف أجزاء متزايدة من الأقليات مع رسائل الجمهوريين من خلال التصويت لهم. وتتضمن سياسة الهويات بطبيعتها نوعًا من الأصولية والحزبية التي تشجع العزلة والارتباط الثابت بالمواقف المتطرفة، بينما تشمل العملية السياسية العادية من وجهة النظر الليبرالية الكلاسيكية، النقاش والحجج ومحاولات الإقناع.

في ظل ذلك، يتجه الإسرائيليون إلى التصويت لصالح الممثلين الذين يقدمون قوانين تعبّر عن عقلية الأغلبية، ومثل هذا التصور يؤدي إلى تنازلات سياسية من المفترض أن تتجاوز مصالح الأقليات، وتسمح بالعيش معًا كمجتمع على الأقل حتى الانتخابات المقبلة.

وترفض سياسة الهويات النموذج التقليدي للعلاقات بالأخذ والعطاء بين الناس، وتقترح مكانه أن أهم شيء هو كون الشخص أسود أو أبيض أو ذكر أو أنثى وهكذا. ولا يوجد في عالم الهويات حاجة للإقناع أو التفسير، لأن الهوية في حد ذاتها تعتبر بمثابة المبرر لأي عملٍ أو بيان، وكل شخص يُعارض ذلك يوصف على الفور بأنه عنصري أو مجرد شخص غير أخلاقي.

في الواقع، سياسة الهوية هي ما بعد السياسة، بحيث يمكن اعتبارها بمثابة الفكرة العليا التي يُقاتل أتباعها لقمع كل الأفكار الأخرى، ويتوافق هذا المعنى مع اعتقاد اليسار الطويل الأمد في الحكم الشمولي.

طريق مسدود

في الوضع الطبيعي، قد تعتقد أن الحزب الذي تعرض لهزيمة شديدة في عدد من الانتخابات، وهو الآن على وشك الاختفاء سيستفيد من الوضع لإعادة التفكير في طريقه، لكن يبدو أن حزب العمل لم يكن حزبًا عاديًا منذ فترة طويلة.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في المقترحات الإيديولوجية والبشرية التي يقدمها الحزب للناخبين، والتي تكاد تكون صورة طبق الأصل لسيرورة التطرف التي يمر بها الحزب الديمقراطي الأمريكي أو حزب العمال البريطاني، وهي محاولات خطرة لهندسة السلوك البشري، إذ تتقاسم جميعها وجهة نظر أبوية مفادها أن “الدولة” هي العلاج لكل أمراضنا.

بهذا الشأن أخذ عدد كبير من أعضاء الكنيست من حزب العمل في السنوات الأخيرة، مستشارين وناطقين شباب يبدو أنهم ملائمين بشكل أكبر للتوجه اليساري المتطرف، وكانت النتائج وفقًا لذلك مستشارة لعومير بار-ليف.

وحاول أعضاء الكنيست بيرتس، وياحيموفيتش، وروزنتال، وغيرهم هزّ صورتهم القديمة لحماية أنفسهم، وليس من المستغرب أن يبدو اليوم حديث الحزب عن الاتحاد مع ميرتس طبيعيًا (ميرتس: حزب يساري ينادي بالسلام).

من بين جميع العلامات التي قادت حزب العمل إلى هذا الطريق المسدود، تعتبر سياسة الهوية الأبرز والأكثر إثارة للخوف، وهي تمثل تناقض اليسار الإسرائيلي بشكل مثالي، ويظهر هذا بأن كل تضاؤل للحركة السياسية يرافقه ما يمكن وصفه بالتطرف الأيديولوجي.

ويخاف أعضاء الكنيست المعتدلين من الكلام، بينما يُسيطر المتطرفون منهم بعنف على الأفكار القديمة والخطابة المدمرة، ويتصرف الحزب برمته كمريض يرفض تلقي العلاج الذي سينقذ حياته.

المصدر: ميدا
عنوان المادة:أزمة الهوية: القضاء على سياسة الهوية حزب العمل
تاريخ نشر المادة: 11.02.2019
رابط المادة:https://bit.ly/2WWzcn5