مقدمة العساس | تشهد البطولات الرّياضيّة الدّوليّة بين الحين والآخر تجددًا لحضور حركة مقاطعة “إسرائيل” (BDS)، التي حققت نجاحًا رياضيًا وثقافيًا واسعًا مع كلّ مباراة يرفض فيها لاعبون عرب المشاركة أمام لاعبين إسرائيليّين، ويأتي ذلك مع استمرار عمل الحراك بمناهضة التطبيع الرياضي، إذ كان آخر هذه النشاطات، تلك المُوجّهة ضدّ شركة تصنيع الملابس والأحذية الرّياضيّة “بوما”، منتصف شهر حزيران/ يونيو 2019، بعد رعايتها لاتّحاد كرة القدم الإسرائيلي.

هذه المادة تتحدث عن حراك المقاطعة الرياضية للاحتلال الإسرائيلي على المستوى الدولي، وتوضح مدى تأثير ذلك على صورة “إسرائيل”.

إعداد العساس

لمحة تاريخيّة

حرص السّياسيّون الإسرائيليّون تاريخيًا على حضور قوميّ يهوديّ على الخارطة الرّياضيّة الدّوليّة، فقبل النّكبة ومنذ عام 1921 أقيمت حركة “مكابي” العالميّة، وهي حركة صهيونيّة رياضيّة مؤسّسة وفقًا لمبادئ وضعها المفكّر الصهيوني ماكس نورداو، في المؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898، لتبدأ الحركة مسار المطالبة بالاعتراف بها عالميًا في مجال الرّياضة، عبر تأسيس بطولة “المكابياه”، وهي بطولة عالميّة لليهود أقيمت في فلسطين ونالت عام 1932 الاعتراف بها، بإشراف من الاتّحاد الأوليمبيّ العالميّ، وسلطة الانتداب البريطانيّ. (1)

في عام 1933، تأسّست “اللجنة الأوليمبيّة في فلسطين” تحت رعاية المندوب السّامي البريطانيّ، وبمشاركة يهوديّة ممَثّلَة بحركة “مكابي” ومشاركة فلسطينيّة تمثّلت بنائب رئيس اللجنة، ومنذ الاعتراف بها عمل رئيس اللجنة آنذاك، ومن تبعه من رؤساء، على توطيد علاقاتهم بالمسؤولين في اللجنة الأوليمبيّة العالميّة.

وعشيّة البطولة الأوليمبيّة في لندن 1948، شهدت الرّياضة الإسرائيليّة نزاعًا داخليًّا للسّيطرة على تمثيلها عالميًا، حين بدأت حركة “هابوعيل” العمّاليّة الرّياضيّة التّابعة لحركة “هَهستدروت” بعد سنوات الحرب العالميّة الثّانية، الّتي توقّف خلالها نشاط “مكابي” وأدّت إلى تعليق اشتراك الاتّحاد الإسرائيلي من قِبَل اتّحاد الملاكمة العالميّ، ليتمّ في النّهاية إقرار التّعاون بين حركة “مكابي” البرجوازيّة و”هابوعيل” العمّاليّة لمدّة عام واحد فقط لضمان التّمثيل الإسرائيليّ في الأولمبياد مع رياضيّين ورياضيّات في مجالات السباحة وكرة القدم وكرة السلة والملاكمة وغيرها. (2)

الرّياضة بين “صورة الدّولة” وشرعيّتها

تُعتبر الرّياضة إحدى الصّور الّتي يتمّ التّعبير من خلالها عن صورة الدّولة، فإنّ حملات حركة المقاطعة لـ “إسرائيل” في الميادين الرّياضيّة والثّقافيّة تشكّل دعايةً سلبيّة تحيط بهالتها، ومحاولة تهدف لنزع الشّرعيّة عنها، إذ تحمل في مضمونها انتقاداتٍ لممارسات السّلطات الإسرائيليّة بحقّ الفلسطينيّين، وإعلانًا لهذه الانتقادات على الملأ، من خلال معارضة إشراك رياضيين إسرائيليّين في مباريات، أو معارضة إقامة أحداث رياضية يفترض أن تجري في “إسرائيل”.

وتواجه حركة مقاطعة “إسرائيل” في الساحات الرّياضيّة حاجز القوانين الدّوليّة الرّياضيّة الّتي لا تزال حاضرةً ومسيطرةً في دول عديدة في العالم الغربيّ والعربيّ على حدّ سواء، والّتي تحرص على تنفيذ القرارات الرّياضيّة الّتي تظهر “إسرائيل” بشكل جيّد، مقابل حملات حركة المقاطعة الّتي تحاول التّذكير بالصّورة الاستعماريّة لـ “إسرائيل” حتّى في الرّياضة.

 في المقابل فإنّ نشاط الحركة المستمرّ هو علامةٌ على أنّها ما زالت تحاول التأثير من وراء الكواليس، حتّى وإن كانت جهودها لا تحقّق نتائج فعليّة دومًا على أرض الواقع، إلّا أنّ هذا “لا يعني توقّف الحركة عن حملاتها ولا أنّها لن تصل إلى تحقيق مطالبها في المستقبل”. (3)

وعلى الرّغم من الأهمّية الّتي توليها “إسرائيل” لمشاركتها في البطولات الرّياضيّة الدّوليّة، إلّا أّنّه وبسبب حركة المقاطعة واستمرار منع الرّموز الإسرائيليّة من الظّهور في البطولات في الدّول العربيّة من خلال منع المشاركين الإسرائيليّين من ارتداء ملابس عليها اسم الدّولة ورفض عزف النشيد الإسرائيلي “هاتكفا” في حال فوز أحد المشاركين، دعا بعض السّياسيّين الإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الكتلة البرلمانية لحزب “يسرائيل بيتينو” روبرت إيلطوف، إلى مقاطعة البطولات الرّياضيّة العالميّة الّتي تُقام في الدّول العربيّة الرّافضة للرّموز الإسرائيلية، فيما شدّدت وزيرة الثّقافة والرّياضة الإسرائيليّة، ميري ريغف، على أهمّيّة المشاركة في مثل هذه البطولات، وتمثيل “إسرائيل” فيها. (4)

الانسحاب رفضًا للتّطبيع

مؤخرًا، عاد الحديث حول المقاطعة في وسائل الإعلام الإسرائيليّة بعد أن رفض لاعب المنتخب المصريّ للجودو محمد عبد العال مصافحة منافسه الإسرائيلي ساغي موكي، في المباراة نصف النّهائيّة لبطولة العالم للجودو في اليابان، بينما سبقه اللّاعب الجزائري فتحي نورين بالانسحاب من البطولة حين أوقعته القرعة بمواجهة اللاعب الإسرائيليّ طوهار بوطبول، في موقفٍ ليس الأوّل الّذي ينسحب فيه نورين من بطولات دوليّة تفاديًا للتّطبيع.

وتساءلت بعض الصّحف والمواقع الإخباريّة حول موقف الاتّحاد العالميّ للجودو من مواقف المقاطعة المتكرّرة، وحول ما إذا كان سيوقع “العقوبات الشّديدة”، الّتي توعّد بها من يتخلّف عن مباراةٍ مع خصم إسرائيليّ لدوافع “سياسيّة”، على البعثة الجزائريّة واللّاعب المصريّ. (5)

تغيّرات القوانين والعقوبات

في ضوء ذلك، كان الاتّحاد العالمي للجودو، الّذي يرأسه الصّهيونيّ ماريوس فايزر، قد أجبر في شهر أيّار/ مايو 2019 الدّول المشاركة في البطولات الدّوليّة على التّعهّد بالالتزام بالقواعد الأولمبية والتنافس مع كل دولة بما فيها “إسرائيل”، وهو ما اعتُبِرَ “انتصارًا” للحركة الصّهيونيّة على حركة المقاطعة الفلسطينيّة، لا سيما بعد أن خضعت إيران للقرار والتزمت به، وهي الّتي كانت تقاطع “إسرائيل” بشكلٍ نهائيٍّ في المباريات، وإن اقتضى الأمر أن تجبر لاعبيها على الخسارة في مباراة لتفادي مواجهة خصمٍ إسرائيليّ، أو حتّى الانسحاب نهائيًّا من البطولات العالميّة. 

ويعود الدعم القويّ الّذي يوفّره رئيس الاتّحاد العالميّ للجودو لـ”إسرائيل”، إلى علاقته الوثيقة برئيس اتحاد الجودو الإسرائيلي، موشيه بونتي، عدا عن “صهيونيّته المتحمّسة” الّتي دفعته للضّغط من أجل إقرار عدّة قرارات تحدّ من توسّع حركة المقاطعة الفلسطينية. (6)

بالإضافة إلى ذلك، ساهم فايزر العام الماضي في إقرار بندٍ يلزم الدّول العربيّة المستضيفة للبطولات الأولمبيّة الدّوليّة بالسّماح للمتنافسين الإسرائيليّين بارتداء ملابس تحمل “الرّموز الوطنيّة الإسرائيليّة”، وبعزف النّشيد الإسرائيليّ “هاتكفا” في حال فوز أحد لاعبي البعثة في النّهائيّات، وهو ما حصل بالفعل في بطولة العالم في الجماز الّتي أقيمت في قطر خلال شهر آذار/ مارس 2019،  وفي بطولة الجودو في الإمارات في شهر تشرين الأول: أكتوبر الماضي؛ (7) بعد أن تمّ تعليقها وبطولةً أخرى للجودو في تونس في تمّوز/ يوليو السابق، حيث قال البيان الرّسمي للاتّحاد العالميّ إنّ المسابقات لن تقام حتى يتم ضمان “الشروط المتساوية لمشاركة جميع الفرق في البطولة”. (8)

ولم تكن تلك المرّة الأولى الّتي تُعاقَب فيها تونس لموقفها الثّابت الرّافض للتّطبيع، ففي عام 2013 تمّ إخراج تونس من البطولة العالميّة للتّنس، وتعليق اشتراكها في بطولة “ديفيس” للتنّس لمدّة عام، بعد أن أمرت الحكومة التّونسيّة لاعبها بالتّراجع عن مباراة كان سيلعبها ضدّ لاعب إسرائيلي؛ وكانت تلك المرّة الأولى في تاريخ التّنس والرّياضات الأخرى، الّتي تُقابَل فيها مقاطعة اللّاعبين العرب للمباريات الإسرائيليّة بهذا الإجراء، في حين اعتبر الاتّحاد عقوبته للفريق التّونسيّ بمثابة “عبرةٍ لمن اعتبر”. (9)

شكل آخر لتأثير المقاطعة

وعدا عن مقاطعات مباريات التطبيع من قِبَل اللّاعبين العرب، ومقاطعة الرّموز الإسرائيليّة في الملاعب العربيّة، تلعب حركة المقاطعة دورًا مركزيًّا في تفادي التّطبيع العالميّ مع الاحتلال، عن طريق توجيه “نداء المقاطعة” والتّنبيه لما تنطوي عليه زيارة “إسرائيل” أو التّطبيع معها من اعتراف بممارساتها الاستعماريّة وغير الإنسانية بحقّ الفلسطينيّين. 

أبرز مثال على ذلك قد يكون بنجاح حركة المقاطعة في منع زيارة المنتخب الأرجنتينيّ إلى البلاد تلبيةً للدّعوة الإسرائيليّة للعب مباراة ودّيّة على أرض ملعب في مدينة القدس المحتلّة، كاعتراف بها عاصمةً لـ “إسرائيل”، وفق إصرار وزيرة الثّقافة والرّياضة الإسرائيليّة، ميري ريغيف، العضو عن حزب اللّيكود الحاكم.

استطاعت حركة المقاطعة في النّهاية إقناع المنتخب الأرجنتينيّ بوجوب إلغاء مباراته “الودّيّة” مع “إسرائيل”، الّذي اعتبره رئيس حزب “المعسكر الصّهيوني” حينها آفي غباي، “قنبلةً في وجه إسرائيل”، معتبرًا أنّها “ليست مجرّد رياضة” ومحذّرًا لما قد يكون لها من تداعيات على العلاقات الدّبلوماسيّة بين البلدين. (10)

المصادر :

(1) ويكيبيديا (العبريّة) : https://bit.ly/2sB7QTc
(2) غلوبس : https://bit.ly/2kzZgGn
(3) معهد أبحاث الأمن الوطني في جامعة تل أبيب : https://bit.ly/30jIgUo
(4) “يسرائيل هيوم” : https://bit.ly/2lUffis
(5) موقع القناة السابعة : https://bit.ly/2lMzIWK
(6) “يسرائيل هيوم” : https://bit.ly/2kKUaXA
(7) “يسرائيل هيوم” : https://bit.ly/2kgapf8
(8) واللا : https://bit.ly/2mbADju
(9) واللا : https://bit.ly/2kgcgAJ
(10) ماكو : https://bit.ly/2kJHy38