مقدمة العساس |الأكاديمية ليست مكانًا للعلم والمهن فقط، لا يمكن أن ننتزعها من مهمتها في صقل المنظومة الأخلاقية للمجتمع وإلّا شكّل اغترابها فشلًا في الحياد. وهذا ما حصل في “إسرائيل” حسب الباحث أمير يوفال. حيث أنّ حياديّة النخبة الفكرية عن القرارات السياسية سمحت للفاشيّة التغلغل بهدوء إلى أعماق المجتمع.


ترجمة العسّاس | “إسرائيل أرضٌ خصبة للفاشيّة”، كان هذا عنوان مقال كتبه دان هوربيتس في عام 1985 في إحدى منشورات الرابطة لدراسة ماركس وعلم الاجتماع. قال فيه: القادة الفاشيون يميلون للدمج ما بين مصلحتهم الشخصية ومصلحة الشعب، يميلون لعرض أمورهم الشخصيّة كمصلحة عامّة ودمغ معارضيهم بأنهم أعداء الشعب… هؤلاء القادة يصلون للحكم بطرقٍ ديموقراطيّة ثم تحكمهم الديكتاتورية… يتوقع مؤيدو القائد القويّ أن يفرض القانون مع تجاهل حدود سيادته حين يتطرّق الأمر للعرب، لليسار، الانهزاميين والخائنين”.

على الرغم من تحذير الكثيرين لهذا الأمر، إلّا أنّ الفاشيّة مرض يضرب أطنابه بقوّة. هل على النخبّة الفكريّة أن تبقى حبيسة الغرف الدراسيّة وأن تجلس حول الطاولات المستديرة؟ هل في واقعٍ، حيث يبني اليمين مراكز أبحاثٍ يُصقل فيها الفكر وتقودها نخبة دينية رائدة تُشكّل قيّم المجتمع، لا زال يمكن الحفاظ على هذا النموذج العقيم القديم؟ ألم تجني الأكاديمية غير السياسيّة على نفسها بتحويل العلوم الإنسانيّة لعلوم ربحيّة  تقمع الفكر النقديّ؟

بينما كتب المثقفون بشجاعة ولمدة سنوات حول يوميات القومية المعادية للأجانب، فإنّ عمليات التغلغل الخفيّة لموضوع الفاشيّة جعلت منه أمرًا عاديًا، كأنه عطب في الجسد يمكن العيش معه. كتب “آبي سجي” من جامعة “بار ايلان” في جريدة “هآرتس” (15.6.17): “إنّ منح الشرعية لتجريد الأكاديميّ من منظومة قيّمه هو بمثابة شرعنة الظلم”. بيد أنّ المحاولة العقيمة لإسكات المثقفين لا تشكل إعلانًا للحرب، بل انتصارًا ساحقًا في مسرحية الطلقات النارية الثلاثة. لا يوجد لمعارضي الفاشية نخبة فكرية مستعدّة للكفاح ولرسم خطط سياسية واضحة لمحاربتها. جيل كامل من اليسار يقف ليرثو الوضع القائم بين ضربات مرتدّة من اليمين واليسار والتي لا تعبّر إلا عن فقدان طريق واضح. ألم تُقم دولة “إسرائيل” الديمقراطية على يديّ مثقفين وضعوا أقلامهم جانبًا بين الحين والآخر وتجنّدوا من أجل قيّم التنوير وتقرير المصير؟

نجد اليوم أن النخبة الدينية والاقتصادية هي من تقرر الحدود السياسية للدولة. الساحات كلها تحت سلطة مثقفين لا يعرفون معنى الحياديّة، نخبة دينية يمينية تملك مقود السلطة وتقيم مراكز أبحاث، أحزاب وهي أيضًا من تحتل منصب “المراقب في الأكاديمية الإسرائيلية”.

بالمقابل، النخب الناجحة هي التي تدمج ما بين التعليم والقيم. إذ لا يمكن للعلم أن يستمر ويتطور دون قيم، والحديث ليس فقط عن قيم تقدميّة. فمثلًا، العلم لم يكن ليتقدم سابقًا دون الثورة الفرنسية، دون الليبرالية الدينية  والتعددية القومية. ففي ذلك يكمن معنى university المشتقة من العالم (universe).

ذلك بأنّ العلم، أي علم، متعلّق بوجود الحرية فيه والشمولية المتوازنة. متعلقٌ بتفوق الحقيقة المثبتة على الأحوال الشخصية والهوية والانتماء العرقي، وبالاعتراف بالترابط ما بين المعرفة والوجود. بيد أنّ الأمر في الواقع مغاير.

هوروبيتس قال كذلك أنّ سيرورة الفاشية في الثمانينات ساهمت بظاهرة الكره تجاه العرب من قبل الكثير من أبناء القوميات الشرقية. المصطلح “أبناء القوميات الشرقية” ليست خطأ في النزاهة السياسية وليست تجاهلًا لسيادة الأشكيناز في مضمار الفاشية، بل تعبيرًا عن اغتراب النخبة من الجمهور ومن عملها الجمهوري؛ مقاومة عداء الأجانب. وأضاف بأنّ الاغتراب حلّ في النخب الاجتماعية حينما أصبحت النظرة لميزتهن الثقافية كاستعلاء. ذلك يعني أنّ النخب الفكرية فشلت كنخب، حيث أنّ مهمتها الإمساك في زمام الأمور والقيادة المجتمعية في وجه الشعبوية وتدمير الحياة العامة، وليس التنحي جانبًا والتباكي على كونها ضحية مغتربة. هل قامت هذه النخبة المغتربة بإنكار “أبناء القوميات الشرقية” من مستوطنين، حريديم (يهود متدينين)، عرب وعلمانيين وجدوا فيها عربة مليئة دون مرشد؟

لا يمكن لوم النخبة الفكرية على تدعيم الفاشية، لكن عليها في المقابل أن تكون المبادرة في مكافحتها.

المصدر: هآرتس https://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.6015098

Leave a Reply

Your email address will not be published.